السبت، 30 نوفمبر 2019

إرث السلام

 إرث السلام


شيخ الطريقة الصوفية العلاوية هو واحد من ضيوف صالون كتابات وروحانيات(1)، الذي سيجري نهاية هذا الأسبوع في باريس.

ميليني لو بريول، جريدة La croix، في 27 11 2019






    يشعر خالد بن تونس بالقلق إزاء العواقب البيئية لـ "جشع" الإنسان.
    ما يقرب من خمسة وأربعين عامًا يعمل الشيخ خالد بن تونس بلا كلل، لإرساء إنسانية متصالحة. وذلك من خلال إنشاء حركات شبابية (الكشافة الإسلامية الفرنسية)، وتقرير أيام دولية للأمم المتحدة (مثل يوم "العيش معاً في سلام"، كل 16 مايو)، أو عن طريق إصدار كتب، وغالبا عند ألبين ميشيل، كتب لا يريد أن يقدمها بشكل خاص للجمهور.

    لماذا وافق على القيام بذلك يوم السبت، في الأول من ديسمبر، في كلية برناند، في معرض الكتاب كتابات وروحانيات(1)؟ "إن المنظمين أصدقاء"، كما يقول هذا الفرنسي الجزائري(2) المهذب، الذي تجري عبارة "الأخوة" و"الإنسانية" على لسانه، جري السحاب. مرة أخرى، سيغادر هذا المسافر الكبير، الذي يبلغ من العمر 70 عامًا منطقة نيس الخلفية، حيث يقضي معظم العام مع زوجته... عندما لا يكون في الجزائر، عدة أشهر في العام.

حكيم أو شاهد بسيط؟
    هذا الصالون الباريسي لم يدعوه فقط لتقديم كتبه، ولكن أيضًا للمشاركة، مع ماريون مولر كولارد وفاليري زناتي، في "أنشودة الأرض"، غير منشورة. سيقرأ كل واحد من الثلاثة نصًا مكتوبًا خصيصًا لهذه المناسبة، يتناول الأزمة البيئية حرفيًا وشخصيًا(3).
    "أصبح المستقبل مظلما"، يرثي الشيخ الصوفي، الذي ينشغل بالآثار البيئية لـ "جشع" الإنسان، الذي أراد أن "يتأله" بمعونة التكنولوجيا. "لكن الإنسان نسي أن لديه ضمير، ينبغي  تنميته. بتجاهله نبع الحكمة هذا، أطلق العنان لقوى، أعاثت في الأرض فسادا".
    من خلال خطبه السلمية ومثله العليا الراسخة، فإن خالد بن تونس رجل حكيم، في عالم لم يعد فيه للحكمة مكان. جعلته الفكرة يبتسم، ولكنه صحح "أنا شاهد على زماني، هذا كل شيء". شاهد متورط في سباق العالم، يرفض العيش منعزلا في جزيرة أو على جبل. لأن "الروحانية النخبوية"، كما يسميها، لم تجد لها صدى إلى مسمعه.

ابن والده
    تلقى هذا الناشئ في مستغانم (الجزائر) الروحانية كميراث. هو نجل الشيخ الحاج المهدي بن تونس، شيخ الطريقة الصوفية العلاوية المهمة، التي تتمركز اليوم في المغرب العربي وأوروبا وأمريكا الشمالية، إذ قضى خالد شبابه في حرم زاوية، يقطنها 130 شخصا، أسرة موسعة وأقرباء الجماعة.
    سرعان ما تجلب الحرب الجزائرية العنف إلى هذا العالم في زمن سابق، حيث "تم اقتسام كل شيء". في حالتين، تم محاصرة الزاوية وتفتيشها، والطفل البالغ من العمر 9 سنوات شارف على الموت، أثناء مظاهرة(4). إذا ما اختار خالد بن تونس لاحقًا مناهضة العنف، فهذا "عن علم".

    تشبه بقية مسيرته مشوار ولي العهد، استحكمت فيه مقتضيات التاج. في أوائل سبعينيات القرن العشرين، كان أب في ريعان الشباب، عمل على ازدهار تجارته في الملابس الجاهزة، في فرنسا المصممة على إنهاء التراث الأبوي. حتى ذلك اليوم من عام 1975، عندما توفي والده فجأة، في مستغانم. يقول اليوم "عندما عدت لحضور الجنازة، اعتقدت أنني سأغادر فوراً، ولن أطأ قدمًا في الجزائر".

عندما "يلوث التدين قلب الإنسان"
    لكن "الحكماء" قرروا خلاف ذلك، رأوا أن خالد يجب أن يخلف أبيه على رأس الطريقة. "لقد رفضت لأكثر من عام. تخيلوا هؤلاء الحكماء ذوي 80 عامًا، الذين يمثلون لي أسوة إنسانية، يأتونني ويقبلون يدي، كان الأمر صعبًا". وينتهي به المطاف إلى تقبل الأمر، للمساهمة في الحفاظ على التراث الروحي الذي يستودعه. "في ذلك الوقت، كانت الروحانية محظورة في الجزائر: كان هناك حديث عن الإنسان الجديد، الذي تحرر أخيرًا من التسامي".
    بعد أربعة وأربعين عامًا، تغير المشهد الديني في المغرب العربي والشرق الأوسط. لقد زرع الإسلاميون "فوضى في سوريا وليبيا وأفغانستان. غالبًا ما يتم استجوابه، مثله مثل الزعماء المسلمين الآخرين، حول أعمال هؤلاء الناس الذين يرتدون السواد، يردد الفرنسي الجزائري(2) أنه ينبغي علينا "تجديد الإسلام"، لمحاربة هذا "التدين الذي يلوث قلب الإنسان".
    ألا ينفد منه الصبر والطاقة، بعد كل هذه سنوات من الجهود من أجل سلام، الذي لا يزال يبدو بعيد المنال؟ "أنا لا أيأس"، هكذا حسم هذا المدافع القوي عن التربية للسلام لصالح صغار السن. وبعد لحظة أضاف "ما يقلقني هو أن الوقت يمر، وأن الأمور لا تتم".

نبذة سريعة:
1949: الميلاد في مستغانم (الجزائر).
1954-1962: أثناء حرب الجزائر، كان يعيش مع أسرته في الزاوية في مستغانم.
1968: ذهب لدراسة القانون والتاريخ في باريس، قبل أن ينشئ مؤسسة للملابس الجاهزة مع زوجته.
1975: بعد وفاة والده المفاجئة، أصبح الشيخ 46 للطريقة الصوفية العلاوية.
1986: شارك في اجتماعات أسيزي (إيطاليا) بدعوة من يوحنا بولس الثاني.
1990: أسس الكشافة الإسلامية الفرنسية، والتي يراها "مدرسة المواطنة". هو الآن رئيسها الشرفي.
2001: أسس الجمعية الدولية الصوفية العلاوية (AISA) في درانسي، وهي منظمة دولية غير حكومية معترف بها من قبل الأمم المتحدة في عام 2014.
2017: تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يعلن يوم 16 مايو "اليوم الدولي للعيش معاً في سلام"، وهو مبادرة من AISA.
2018: شارك في وهران في تطويب رهبان تيبحرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). ستنظم معرض الكتاب "كتابات وروحانيات" جمعية كتابات وروحانيات، التي تأسست سنة 1977، بالشراكة مع عدة مؤسسات، في كلية البرناديين بباريس، يوم الفاتح من ديسمبر 2019. أثير في هذه المناسبة التساؤل التالي، كيف تستمد التقاليد الروحية العظيمة من مصادرها للاحتفال بالأرض والناس ورعايتهم؟ سيشهد هذا المعرض، الذي سيقام هذا العام تحت شعار "أنشودة الأرض"، حضور كتاب وشعراء وروائيين، سيكونون مائة كاتب يهودي ومسيحي ومسلم وبوذي، مع أعمالهم الأخيرة، التي تعني الروحانية الأنسية.
(2). لا يمتلك الشيخ خالد بن تونس سوى جنسيته الجزائرية، وقد أكد ذلك في كتابه "إرث الأخوة". فهو جزائري المولد وغالبية نشأته في فرنسا.
(3). سيكون للشيخ خالد بن تونس إن شاء الله تدخلا، في "أنشودة الأرض"، معية ماريون مولر كولارد وفاليري زناتي، في القاعة الكبيرة.
(4). ذكر الشيخ خالد بن تونس هذه الحادثة، في كتابه "إرث الأخوة"، الصادر سنة 2009، بمناسبة إحتفال مئوية الطريقة العلاوية، حيث قال ""في سنة 1960، كانت كل المدينة  في إضراب لحضور جنازة سبعة أفراد من عائلات كبيرة بمستغانم، ماتوا تحت التعذيب من بينهم صديق وفي لأبي. تصدى الحرس المتنقل و جنود الإقليم للحشد. أطلقوا النار في الهواء. إنهم أطفال الكولون الذين يقومون بخدمتهم العسكرية بالتعاون... أطلقوا النار ليس فقط في الهواء بل مباشرة في الحشود. في هلع، نادى محمد بلعروسي، حلاق، الأطفال ليتسلقوا فوق ظهره بسرعة لبلوغ حائط المقبرة لحمايتهم. لقد كنت منهم. تمسكت به، و بالكاد عبرت إلى الجهة الأخرى، قُتل. إنه يرقد أمامي، أعرف أنه حتى مماتي سأحتفظ بصورة هذا الرجل الذي أنقذ يومها حياتي".

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2019

إيجاد السلام

إيجاد السلام






مقابلة مع الشيخ بن تونس
الصحيفة الأسبوعية NEW EUROPE، في 11 11 2019.


    تقابل الشيخ خالد بن تونس، رئيس الجمعية الدولية الصوفية، وهي منظمة غير حكومية إسلامية، تروج للحوار بين الأديان والتعايش؛ مع New Europe ، لمناقشة القضايا البيدينية  في أوروبا، والمجتمع بشكل عام.

الصحيفة : ما رأيك في التصوف، وما يمكن أن يفعله لأوروبا اليوم؟

الشيخ بن تونس: منذ نشأته، كان التصوف، طوال تاريخ الإسلام لمدة 14 قرنا، وخاصة في أوقات الأزمات، موردا هاما في الحفاظ على الرسالة الروحانية والعالمية للإسلام المحمدي. خلال المناقشات التي دارت حول الأفكار والمدارس الفكرية التي ولدت خلال هذه الفترة، لطالما أدهش التصوف بالكتابات وتعليم معلميه، وبجوهر الرسالة النبوية، والأخوة الإنسانية، واحترام الغير، والطابع المحرم للحياة.. هذا يعني أن الدين هو، قبل كل شيء، وسيلة لتربية وإيقاظ الضمير الإنساني للعلاقات والسلوكات الذي تميز علاقاتنا مع بعضنا البعض، ومع أنفسنا، والإلهي، وأن جوهر الرسالة الدينية يحذر من اتباع تعاليم أو عقائد بغير هدى، بل يدعو الإنسان لفعل الخير. يتم تعريف الإسلام بمقام الإحسان.

    في الواقع، يرتكز الإسلام على ثلاثة أركان. في الركن الأول، يدير الإسلام الشعائر، والركن الثاني هو الإيمان، قناعة شخصية عميقة وباطنية، لا يمكن الحكم عليها من قبل الآخرين، وفي الثالث، نجد مقام الإحسان، وهو تتويج لسلوكنا وأفعالنا ومشاعرنا. وتتوجه نظرتنا نحو عالم موحد. وكذلك يؤدي إلى السلام الباطني للنفس، و الاعتراف بالآخر كمخلوق مراد، وإرادة إلهية. يدعونا هذا الاستشعار بالقيم النبيلة والعالمية، إلى العدل والمساواة والكرامة، واحترام الفرد، والمصالحة مع أنفسنا، ومع مجموع العائلة البشرية، على اختلافاتها. لخص رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا في كلمات، قائلا "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". يفهم الأخ هنا، أي إنسان من صلب آدم عليه السلام، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلكم من آدم وآدم من تراب". وعندما سئل عن أحب الأديان عند الله، قال "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ".

    في أوروبا، فإن هذه الرؤية المجهولة للإسلام، التي يريدها التصوف أن تُفهم وتُكتشف.


الصحيفة: لقد شاركت في العديد من الاجتماعات بين الأديان طوال حياتك. ما هو الدور الذي تنسبه لهذه اللقاءات، وما رأيك في الذي قد يجلبه البيديني للعالم اليوم؟

الشيخ بن تونس: إذا فكرنا عوضا عن الدين اليوم في العالم، نجد أن ثلاثة أرباع السكان، إن لم يكن أكثر، يمتلكون معتقدا. وهكذا يصبح الدين عاملاً حاسماً في البحث عن السلام والمصالحة بين الأسرة البشرية. إن تقويض هذا العامل أو تجاهله في رؤية عالمية للأخوة الشاملة، هو ترك الباب مفتوحًا لأولئك الذين، لغرض أو لأيديولوجية، يتلاعبون به. تبين لنا هذه الملاحظة البسيطة، الحاجة إلى رعاية وتعزيز الحوار بين الأديان، من خلال تعليم ثقافة السلام.

    مثال على ذلك، مأساة رهبان تيبحرين، الذين قتلوا في الجزائر خلال العقد الأسود من التسعينات. بفضل الرابطة الأخوية، والتي استمرت، نتيجة العلاقات الإسلامية المسيحية، التي تم الحفاظ عليها في هذا البلد، فقد تم تطويبهم في مدينة وهران، في 8 ديسمبر 2018. كانت هذه هي المرة الأولى في دول العالم العربي والإسلامي، وبحضور السلطات الدينية المسيحية والإسلامية، وممثلين سياسيين ودبلوماسيين للعديد من الدول، وأهاليهم، وأصدقائهم وحشد كبير من الجمهور.

    إنها علامة واضحة بالنسبة لي، على الحاجة إلى المثابرة ومواصلة الحوار بين الأديان والمحافظة عليه، لأنه من خلال ذلك، سنكون قادرين على إزالة العقبات بين المجتمعات الدينية، وبناء مجتمع العيش معا في سلام.


الصحيفة: ما الذي تراه أن يفعله المسلمين في أوروبا ليتفاعلوا مع بروز الإسلاموفوبيا؟
الشيخ بن تونس: يتميز عالم اليوم بانشقاقات حضارية وانقسامات دينية. إنه يواجه صراعات مدمرة، تغذيها شكوكا قديمة، وانعدام الثقة دائم. بالإضافة إلى التسبب في معاناة بشرية كبيرة وخسائر اقتصادية هائلة، تشكل هذه النزاعات عقبات خطيرة، أمام تعزيز العلاقات الودية والتعاون بين البلدان والمناطق والمجتمعات. يتم تأجيج هذه النزاعات، و هي بدورها تؤجج كره الأجانب والتعصب والعنف والعنصرية والإقصاء، فضلاً عن التمييز العرقي أو الديني أو اللغوي. كل هذه التصرفات مبنية على الرفض، والانفصال عن الآخر.
    من هذا المنظور، جاء الكفاح ضد آفة معاداة الإسلام، وكافة أنواع الكراهية التي يغذيها الخوف والجهل، والتي يبقى عليها بمهارة، من كلا الجانبين، من طرف كل أولئك الذين يريدون، إلى أقصى حد، الاستفادة منها سياسياً.
    من واجب المسلمين الأوروبيين، ومن مصلحتهم الترويج لإسلام الانفتاح، والتماسك الاجتماعي والمواطنة المثالية. بما أنهم يعيشون في بلدان ديمقراطية، تضمن احترام حقوق ومعتقدات الجميع، ينبغي على المسلمين أن يعيدوا اكتشاف ثراء التراث الروحي للإسلام، ويقومون بتعريفه لأطفالهم، من أجل الحد من تهميشهم، وممارساتهم الانتحارية المتقوقعة. مثل هذه الأساليب الانعزالية، لا تقوم سوى بتعزيز الصورة النمطية لأولئك الذين يرون في الإسلام، في أسوأ الأحوال، أنه يمثل خطرا على المجتمع، وعلى أي حال، أنه يتعارض مع قوانين وتقاليد البلدان المضيفة. ينبغي أن يجنبوا أطفالهم الوقوع في فخ الحركات الجهادية المسلحة، التي تفرض على الناس اعتناق الإسلام، وهو ما تسعى لتبرزه، قراءة مختزلة لتاريخه. منظور ضيق ومحدود لما هو الإسلام. يجب أن يصبحوا الصلات المتقدمة بين الشرق والغرب، حتى ترسى أسس عالم تبادل وسلام وازدهار، ضمن احترام الاختلافات.
الصحيفة: رأت أوروبا أن مشهدها الديني تغير بالكامل في العقود الأخيرة. هل ترى أنها جيد أم سيئ؟
الشيخ بن تونس: نحن نعيش في عصر التغييرات العميقة، ونواجه تحديات، وتحديات كبيرة لها مستقبل، لا يسبر غوره. هذا التحول يتجاوز بكثير الإطار الأوروبي ومشهده الديني. في الواقع نحن نشهد حركة تدفقات الهجرة عالمية، والتي للأسف، مع مرور الوقت والحالة الراهنة لعدم المساواة في إدارة الشؤون العالمية بين الشمال والجنوب، فهي إلا في ازدياد.
    نحن جميعا مدعوون إلى تحلي بوعي جديد، وهو إعطاء روح لهذه القرية المعولمة. والإنتقال من ثقافة "أنا" إلى ثقافة "نحن"، بالترويج للعيش معاً، ونعتبر هذه المسألة فرصة للتغيير الإيجابي.
    فمن خلال الإرادة السياسية لأوروبا ديمقراطية، التي تستند إلى حقوق الإنسان العالمية، يمكن لكل تركيبة دينية أن تحصل على اعترافًا مدنيًا (لمواطنيها)، و(تجد) طريقا مواتيا، بعيدًا عن المناقشات العقيمة والديماغوجية. لأن العيش معًا أمر حتمي، قائم على القيم العالمية للمحبة والرحمة والعدالة والتضامن، حتى تحرز أعمالنا نتائج وروابط إنسانية بناءة في حضن المجتمع.
الصحيفة: ماذا ستكون رسالتك للشباب الأوروبيين اليوم والغد؟

الشيخ بن تونس: إنني قلق من العبء الثقيل الذي نفرضه على الأجيال الجديدة، ولاوعي القوى السياسية فيما يتعلق بالمشاكل الحتمية والتحديات المتعددة التي يخلقها الإحتباس الحراري للكوكب، وانقراض الأنواع المبرمج، وعدم الاستقرار السياسي، والأزمات الاقتصادية والمالية، وانفجار في معضلة اللامساواة والفقر، والتلاعب بالمعلومات، وأخيراً تزايد كراهية الأجانب، وتجاهل العنف.
     كيف نعالج كل هذه المشاكل، التي تخلق مناخًا من الشك واليأس بين شبابنا، وتحبطه وتغيم آفاق مستقبله؟
    ما الذي يُقترح عليهم اليوم؟ هل يجب أن يؤمنوا ويثقوا بوعود عالم بروميثيوسي(1)، حيث سيتم حل كل شيء، عن طريق الحلول التكنولوجية؟
    أم هل يتعين عليهم الاستثمار في عالم تحكمه أخلاقية عالمية، يكون فيها معنى القيم الإنسانية النبيلة أساس علاقاتهم، وفي الختام، تُبنى دار السلام والحياة، من خلال الجمال والكرامة والحكمة؟

     "العيش وبناء المستقبل في تآزر، الواحد مع الآخر وليس الواحد ضد الآخر".
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). بروميثيوس هو شخصية أسطورية يونانية، ويعني إسمه بعيد النظر، فقد أراد أن يضع البشرية على قدم المساواة مع الآلهة. أعطى بروميثيوس، وهو من نسل آلهة تيتان، البشر العديد من العطايا والهبات التي سرقها من آلهة الأوليمبوس (مستقر الآلهة)، هيفاستوس وأثينا وغيرهم، فأعطاهم فنون العمارة والبناء، والنجارة، واستخراج المعادن، وعلم الفلك، وتحديد الفصول، والأرقام والحروف الهجائيه، كما علمهم كيفية استئناس حيوانات ابيمثيوس وركوبها والإبحار بالسفن، كما أعطاهم موهبة التداوى والشفاء.
     وتمكن بروميثيوس من سرقة النّيران المقدسة من أوليمبوس، وأعطاها للبشريّة. و مع ظهور النار بدأ سيل من الإختراعات والتقدم البشري. وفي وقت قصير كان الفن والحضارة والثقافة تغزو الأرض المحيطة بأوليمبوس. ومع هذا التغير اختلفت نظرة الأوليمبوس إلى البشر الفانين، وزاد إعجابهم بهم، فهم ليسوا مجرد حيوانات همجية، بل هم عاقلون ولهم القدرة على الأبداع والإبتكار. تعرض بعدها للعقوبة الأبدية من طرف زيوس، لم يتخلص منها إلا بعد عدة أجيال، عندما حرره هرقل.




الأربعاء، 30 أكتوبر 2019

كتابان جديدان بالمعرض الدولي للكتاب



كتابان جديدان بالمعرض الدولي للكتاب



    سيكون كتاب الشيخ خالد بن تونس "الإسلام والغرب – الدعوة للعيش معا" حاضرا في المعرض الدولي للكتاب لسنة 2019، وهذا الكتاب هو الترجمة العربية، تصدره دار القصبة للنشر، ترجمه الأستاذ الدكتور عصام الطوالبي الثعالبي، الذي سبق له أن ترجم كتاب "علاج النفس" للشيخ خالد بن تونس. نفس الدار أصدرت هذه السنة كتاب جديد، كما جاء في تغريدة الشيخ خالد بن تونس في صفحته الرسمية بشبكة التواصل الإجتماعي (الفايسبوك)، يوم 19 سبتمبر، حيث قال "أصدقائي الأعزاء، يسعدني أن أوجه انتباهكم إلى إصدار كتاب للدكتور فؤاد خثير، عنوانه "La Confrérie Alawiyya dans l'Algérie contemporaine"، "الطريقة العلاوية في الجزائر المعاصرة..". وأضافت التغريدة "سيتم تقديم هذا الكتاب في المعرض الدولي للكتاب في الجزائر العاصمة في الفترة من 30 أكتوبر إلى 09 نوفمبر 2019. سيكون المؤلف حاضرًا بشكل طبيعي وسيقوم بتوقيع الكتاب".

    يقام المعرض الدولي للكتاب في الفترة الممتدة من 30 أكتوبر إلى 09 نوفمبر 2019 بقصر المعارض بالصنوبر البحري، بالجزائر العاصمة.

السبت، 12 أكتوبر 2019

الروحانية والمواطنة نحو إسلام أوروبي



الروحانية والمواطنة
نحو إسلام أوروبي


مقابلة مع الشيخ خالد بن تونس
مونتوبان في 19 أكتوبر 2002. قابله محمد حبيب سمرقندي

    "إذا كانت السياسة هي إدارة مدينة الناس، فإن الروحانية هي إدارة مدينتنا الداخلية. فلما نسي الناس هذا، ألمّت بهم المعاناة، وأصبحوا لا يفهمون بعضهم بعضًا". الشيخ بن تونس، 2002.



    تشتهر مستغانم أساسًا بميناء الصيد، والحي التركي، وعائلاته ذوي الأصول الأندلسية، وتأوي واحدة من أهم الطرق في عالم الصوفية، وهي الطريقة العلاوية.

    الشيخ خالد بن تونس، الذي عين في عام 1975 من قبل حكماء الطريقة، يجول العالم، ليعرّف بالقيم التي يحملها. يمكن إيجاد أهم أسسها في كتاب مثير، هو "التصوف قلب الإسلام"، (من إصدار LaTable Ronde، 1996)، المكرس لهذا التقليد، الطريق الباطني للإسلام. يقوم بالتذكير على وجه الخصوص، أنه "إذا كان الإسلام بدنا، فإن التصوف هو قلبه، إذ أننا نتعلم تذوق نكهة الألوهية في اللحظة. وغايته السعي وراء الحقيقة عن طريق التجربة". وجدُ جدِ الشيخ بن تونس هو الشيخ العلاوي الشهير. فهو يجسد في الآن نفسه، تقليد وحداثة شعيرة من الشعائر، يذكر فيها "بالدور الرئيسي في حماية تراث موسيقي هائل". نظمت جمعية أرض أوروبا(1) أيام دراسية في مونتوبان (فرنسا)، في الفترة من 18 إلى 19 أكتوبر 2002، حول موضوع "الروحانية والمواطنة". في هذه المناسبة، أولى الشيخ خالد بن تونس  مجلة "Horizons Maghrébin"(2) المقابلة الموالية.

محمد حبيب سمرقندي: أنت في مونتوبان، المدينة التي قضى فيها الأمير عبد القادر بعض الوقت. أنت واحد من الورثة وأحد المتابعين لرسالته الروحية؛ ما هو التأثير الذي تشعر به اليوم، على خطى الأمير في مونتوبان؟

الشيخ خالد بن تونس: أنت تقيم علاقة رمزية بين مسار رجل، كان رجل حركة وتأمل. أقول أننا لسنا المتابعين. لأننا سنضع أنفسنا في مكان ليس لنا. لكن على الأقل فإننا نعتبره أسوة، لكفاحه ودفاعه عن استقلال بلده؛ قد كافح من أجل حرية بلده، وفي الوقت نفسه، حافظ على رؤية عالمية للإنسان. إنه رجل عرف كيف يكسب حتى قلوب أعدائه. إذا كان خسر معركة السلاح، فإنه فاز بمعركة الإنساني. ونحن في أمس الحاجة إلى مثل هذه الأسوة اليوم، على الخصوص في الجزائر وفي أماكن أخرى.
    هذا الاجتماع اليوم في مونتوبان هو ببساطة نتيجة للصدفة. عبَر الأمير عبد القادر المدينة في طريقه إلى بو، حيث سُجن لعدة سنوات(3). لكن بعد 150 عامًا، تم تقديم موعد جديد لنا، خلال "سنة الجزائر في فرنسا في 2003"(4).
    أعتقد أن كل إنسان بحاجة إلى معالم. وبالنسبة لنا، فإن فكرنا وفكر الأمير، هو فكر واحد. ونأمل أن يكون هذا هو الحال، بالنسبة لشبابنا الذي يعيش في أوروبا والجزائر وأماكن أخرى، فلأن رسالته عالمية.
    ربما ارتكب أخطاء على المستوى السياسي. كان يفتقر إلى الوسائل. لكنه كان رجلاً متجذرًا تمامًا في التقليد، مع نظرة ونهج حديثين. لقد أسس دولة، أول دولة  جزائرية حقا. كرس آخر حياته للتعليم والتربية والاستيقاظ الروحي. وكتاباته موجودة للشهادة.

محمد حبيب سمرقندي: أشار ميشيل تشودكوفيتش(5) إلى أن الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي (المتوفي سنة 1934)، مؤسس طريقكم، كان يستعير موضوعات من عقيدة ابن عربي (المتوفي سنة 1242)، دون ذكر مصدرها. هل يمكننا وصفه بالأكبري(6)؟

الشيخ خالد بن تونس: أعتقد أن ما يجب رؤيته في هذا البعد الروحي للباطنية الإسلامية، هو أن جميع الرجال الذين جسدوها، هم أولاً وقبل كل شيء محمديون. وهذا لا يختص فقط بسيدي محيي الدين ابن عربي. الأمر نفسه بالنسبة للشيخ العلاوي، لأنه من خلال قصائده وخاصة من خلال كتابه "المنح القدسية"، الذي هو تفسير للشريعة المحمدية ومبادئها على مستوى الحقيقة. إنه كتاب بارع، كما أعتقد، سوف يجد عاجلاً أو آجلاً قراء ومعلقين. إنه يلهمنا ويدعونا إلى النظر إلى الشريعة كدينامية. لأنه، ابتداءا منها، توجد إمكانية للذهاب نحو عمق الباطن. لذلك سأقول أنهم جميعهم يستوحون من الفكر المحمدي. أقول، بطريقة ما، إنهم جداول تصل الوادي، والوديان بالأنهار، والأنهار بالبحر. وفي المجموع، وبوجود فوارق دقيقة، كلّ بطريقته، يستعيد هذا الإرث، هذا العطر المحمدي، من خلال هذا الإرث الباطني .

محمد حبيب سمرقندي: لقد أكدت بالأمس أن ازدهار الممارسة الروحية مضمون بشكل أفضل في سياق العلمانية، منه في إطار نظام سياسي ثيوقراطي.

الشيخ خالد بن تونس: أولاً، الإسلام لم يترك لنا نظام سياسي. والذين يدّعون ذلك، لا يقدمون مراجع، وإشارات (قرآنية أو نبوية). يتم تقديم صفة الخليفة كنموذج. ولكن تم إنشاؤه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يقدم لنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مخطط توجيهي لنظام دولة سياسي إسلامي.
    اقترح علينا الإسلام طريقة ومنهجية تقاربية هي المشاورة، "وشاورهم في الأمر". إذن توجد هذه المشاورة، بالمعنى الذي، أن الجميع يشارك في بناء مجتمع، مجتمع في تطور دائم. علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون هناك تطور في العالم، وأن الأفكار ستتقدم أو تتراجع. يجب أن يبقى قرار إدارة المدينة في أيدي الناس. نتحدث اليوم عن مجتمعنا المسلم، الذي يعيش في أوروبا، في بيئة ديمقراطية وعلمانية، وخاصة في فرنسا. نرى أن العلمانية هي الضامن الوحيد لحقوق الأقليات.
    في البلدان الإسلامية، فإن النهج الذي نعطيه للعلمانية هو اللاديني.
    إذا استطعنا تطوير مقاربة للعلمانية، تضمن الحقوق الإنسانية أولاً، وتؤسس لسيادة القانون، فستساعد بالتأكيد على تحسين إسلامنا، واحترام الأقليات التي تعيش بيننا، بشكل أفضل.

محمد حبيب سمرقندي: لمتابعة تطور تفكيرك، في موضوع التيقظ الروحي، يبدو أنك، في مسعى تبليغ هذا التراث التاريخي للحضارة الإسلامية، تؤكد على نموذج الإنسان الكامل، الذي يرمز إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ما مدى صلة هذا النموذج بالشباب المسلمين اليوم؟ 

الشيخ خالد بن تونس: قال تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". سورة الأنبياء، الآية 107. تسمح هذه الآية لكل مسلم بأن يندرج في الحياة كرحمة. عندما أفكر في هذه الرحمة، تتصدر فكرة، وهي ألا نفعل بالآخر ما لا نريد أن يفعل بنا.
    إذن هي نوع من الرحمة، تكون شخصية في عمق كل واحد منا، وتكون مجتمعية / اجتماعية، مندمجة في مفهوم المجتمع نفسه. وبعبارة أخرى، يجب أن يكون المجتمع مبنيًا على الرحمة، مادام أن الإنسان ضعيف، وتستحضر فيه الأنانية والمصالح الضيقة، فضلاً عن مخاطر القوة والرهانات الاقتصادية.. إذن فمن الضروري أن نطور في كل شخص هذا الجانب من الرحمة، هذه الرحمة المحمدية فيه، رحمة تتجاوزالمجتمع البشري. إذ هي رحمة تعنى أيضًا بالحيوان والنباتي والعالم المعدني. إنها تعني إدارة الأرض، بما أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض. ولا يكون كذلك، إلا إذا اتصف بهذا النهج، على صورة خالقه. على هذا النحو، فإن النبي هو نموذج لا يزال يتعين علينا اكتشافه، في ضوء قيم الرحمة الواردة في الآية المذكورة آنفًا، خصوصا اليوم، حيث يمكننا من خلال العلوم الإنسانية والاجتماعية، تعميق الفكر المحمدي، لمواجهة آفات مجتمع يتعولم، ويفقد روحه أحيانا.

محمد حبيب سمرقندي: إن إحدى الوسائل لبلوغ هذه الثقافة المحمدية هو الجهاد الأكبر، لكن هذه الفكرة يتم تجاهلها أو يساء فهمها، في جزء كبير جدًا من الرأي العام الغربي.

الشيخ خالد بن تونس: لقد أسيء تفسيرها، وأقول غالبا، عن قصد. بالنسبة لي عندما نترجم  كلمة "الجهاد" إلى "الحرب المقدسة" (بالفرنسية)، هو بالفعل تفسير سيئ. القداسة هي كل ما هو مقدس. وعندنا في الإسلام، لم يقل أبدًا أن الجهاد مقدس.
     لم نقدس الحرب أبداً. في الفرنسية تترجم كلمة "La guerre" بالحرب، وليس الجهاد. الجهاد هو جهد يستعمل للدفاع عن النفس. لكن يمكن للإنسان أن يدافع عن نفسه من خلال العديد من الأشياء: أفكاره وعقله، وبالمعرفة تصديا للجهل.
    يقاوم روحيا ضد هذه الظلامية الداخلية، التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب أعمال شديدة الضراوة، هي أسوأ من شراسة الحيوان.
    وبالتالي، يجب القيام بالجهاد الأكبر على عدة جبهات، وخاصة على الجبهة الاجتماعية في البلدان الإسلامية. لماذا لا يقاد الجهاد ضد الأمية، والفقر، والصحة، وتسيير الطرقات، والمياه... فهذا شكل من أشكال الجهاد، بالنسبة لي، ينبغي تسليط الضوء عليه. ثم هناك الجهاد الفكري الذي يجب على علماءنا رفعه. قال النبي صلى الله عليه وسلم "مداد العلماء أفضل من دم الشهداء"(7). لا يمكن للجهاد إلا أن يكون شاملا عالميا. وبمجرد أن يصبح المثقف متحزبا، يتخطفه هذا الحزب أو ذاك، ولا يقوم بدوره المحوري.

محمد حبيب سمرقندي: ما هي مشاركة المسلمين اليوم في تطور العالم؟

الشيخ خالد بن تونس: في نهاية المطاف، يوجد هذا الجهاد الروحي، الذي يقودنا دائمًا إلى التشكيك في أنفسنا، ولا يسمح لنا أبدًا بالرضى عن النفس. إن الإدعاء اليوم أن ديننا هو الأفضل، هو افتخار، الذي هو علامة واضحة على موت محتمل. لهذا السبب، من الضروري الحفاظ على النقد الذاتي، هذه المحسابة التي تؤثر على غيرية البقية: هل كانت تصرفاتي صحيحة؟
    إن البحث عن الله يجرى في قلب كل واحد منا، في تلك حالة العبودية، التي جاءنا بها النبي صلى الله عليه وسلم.

محمد حبيب سمرقندي: أرى أنك المرشد الروحي الوحيد، الذي يعيش خارج دار الإسلام. 

الشيخ خالد بن تونس: أعتقد أن هناك آخرين، الحمد لله.

محمد حبيب سمرقندي: لا أعرف شيوخ طرق آخرين، يعيشون في أوروبا.

 الشيخ خالد بن تونس: يوجد شيوخ قدموا من تركيا والمغرب، بالطبع زائرين، لكن لديهم ممثلين فعالين، وأشكرهم على العمل الذي يقومون به في أوروبا. أعتقد أنه قدر كل واحد. لم أتحضر لهذا، عندما اختارني إخواني لتمثيل الطريقة العلاوية.
    أحاول القيام بذلك على أفضل وجه، لكنني لا أعرف ما إذا كان بإمكاني حقاً أن أمثل هذا الطريق الوسطي، هذا الطريق الباطني والروحي والإنساني.
     أحاول القيام بذلك، خاصة من خلال عمل الإستشارة، الذي بدأ بمبادرة من وزارة الداخلية، وزارة الشؤون الدينية الفرنسية(8)، لإعطاء الإسلام تمثيلا ثقافيا. نحتاج إلى هيئة تسمح للمسلمين بالحوار مع الدولة والمناطق، وبشكل عام، مع صانعي القرار في هذا البلد، للتعبير عن احتياجاتهم (التعليم، أماكن العبادة، إلخ)، وباختصار، لصياغة احتياجات معترف بها للأديان الأخرى.
    لا ننسى أن الإسلام هو الديانة الثانية في فرنسا، وثاني أكبر الأديان في أوروبا (15 مليون).
    هناك قضايا مهمة. ولهذا السبب لا يمكننا ترك الإسلام دون هذا النوع من التمثيل. إن الرؤية المرغوبة ستسمح للمسلمين بالخروج من الأقبية. صحيح أنه ليس من السهل إيجاد وحدة بين المسلمين، بسبب التحديات السياسية، التي تؤخر ظهور هذه الهيئة المستقلة. ولسوء الحظ  ما زلنا في هذه العملية، حيث يشير المسلمون إلى جنسياتهم.
  أعتقد أن هذا الموقف من الولاء لبلد المنشأ، لا يتعلق إلا بالجيل الأول. أما الأجيال الأخرى التي ولدت على الأراضي الفرنسية، لديها تعطش لإعطاء معنى لحياتهم، مع تجاوز كلي للإسلام العرفي (من تركيا وشمال أفريقيا وأفريقيا السوداء)، الذي يشير إلى القرية.

محمد حبيب سمرقندي: في نهاية شهر أكتوبر، ستنظم الطريقة العلاوية إحتفالية وإشادة عظيمة للشيخ عدة، جدكم، بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاته(9). ما هو المعنى الذي تحمله هذه الذكرى؟ وما هي الرسالة التي ينبغي توجيهها إلى الشعب الجزائري، لمساعدته في إيجاد السلام المدني؟

الشيخ خالد بن تونس: إنه شيئ عزيز علي جدا. عندما طرح السؤال على الشيخ الحاج عدة (1898-1952) "من أنت يا شيخ؟ أجاب "أنا واحد من الأخوة". كان لديه فكرة استثنائية عن الأخوة، في وقت كانت فيه بلاده تعيش في صعوبات، وفي كل ذلك الاستعمار، وما يمكن أن يكون في أبشع صوره، أي إنكار الآخر. وقال "أنا واحد من الأخوة". ممدا يده للجميع.
    إن تذكير الجزائر بأن هناك رجالاً من هذا النوع ، كان كفاحهم بالوسائل السلمية، هو إظهار هذا البعد الإنساني لتقليدنا. نود أن ترجع أفكار مثل هذا الرجل، ومثله أفكار الأمير عبد القادر، وتلهم شعبنا ونخبه.
    "أنا واحد من الأخوة" يعني أنه لا يوجد أدنى أو أعلى. الأخوة هي دائرة، الأول هو أيضا الآخر. في سنوات الأربعينيات من القرن الماضي، جعل الشيخ الحاج عدة من مستغانم مفترق طرق غير عادي، يلتقي فيها أهل المغرب واليمنيين... سأله صحفي تونسي  في ذلك الوقت "ما هي نظريتك"؟ أجاب الشيخ عدة "مفهومنا هو أن نقود الإنسان، بمعنوية أخلاقية عالية وروح سامية، حتى تنبثق (تستخلص) الأخوة من قلبه، كما يستخلص الزبد من اللبن".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). جمعية أرض أوروبا، هي إحدى الجمعيات التي أسسها الشيخ خالد بن تونس، سنة 1999، وغايتها أن تكون همزة وصل بين الإسلام والمجتمع الغربي، وتجسد أواصر الأخوة والمصالحة، وتعتبر الجمعية الأم التي انبثقت منها الجمعية الدولية الصوفية العلاوية سنة 2001، وأصبحت سنة 2014، منظمة دولية غير حكومية، المعروفة اختصارا باسم عيسى.
(2). "Horizons Maghrébins" مجلة دورية، كانت تصدر في فرنسا، في 62 عدد، بين سنتي 1984 و 2010. اهتمت بالأدب والمجتمعات المغاربية،  وتعريفها بالكامل هو"آفاق مغاربية - الحق في الذاكرة"، ونشرت دراسات عن تاريخ الغرب المسلم، ومستقبل المسلمين في أوروبا وعملية دمج المغاربيين في فرنسا، وغيرها من الموضوعات.
(3). استسلم الأمير عبد القادر في عام 1847، بعد جهاد خاضه دام 16 سنة ضد الإستعمار الفرنسي، وعلى الرغم من الوعود التي قطعت له، سُجن في فرنسا، في تولون، بقصر بو (1848)، ثم في قلعة أمبواز. أطلق سراحه نابليون الثالث عام 1852، وسمح له بالعودة إلى أرض الإسلام. توفي في سوريا في 26 مايو 1883.
(4). تمثلت في حدث فريد، تمثل في عرض التراث الجزائري على تنوع جوانبه وثرواته عبر التراب الفرنسي على امتداد سنة .2003 وكانت هذه التظاهرة التي أخذت تسمية ''الجزائر 2003، سنة الجزائر في فرنسا''، فرصة غير مسبوقة، أتيحت للبلدين للالتقاء بعيدا عن الاختلافات التي ميزت تاريخهما المشترك، بهدف الإثراء المتبادل. اتخذ قرار تنظيم ''الجزائر 2003، سنة الجزائر في فرنسا'' من طرف رئيسي البلدين، جاك شيراك وعبد العزيز بوتفليقة، إثر زيارة هذا الأخير لفرنسا سنة 2000. كانت المناسبة موعد بالنسبة للشعب الفرنسي من أجل اكتشاف الأبعاد المتعددة والفريدة التي تميزت بها إبداعات الشعب الجزائري. فقد تقرر حينها إحياء تظاهرات مختلفة عبر 100 مدينة فرنسية على امتداد السنة، حيث تمت برمجة حوالي 2000 تظاهرة تخص جميع النشاطات الثقافية، منها الأدب، الموسيقى، المسرح، السينما، الرقص، الفروسية التقليدية، الهندسة المعمارية، الفنون التشكيلية، وإقامة ندوات وتشريفات وغيرها.
(5). ميشيل تشودكوفيتش (من مواليد سنة 1929)، هو ناشر وفيلسوف فرنسي، وخبير كبير في التصوف. إعتنق الإسلام في سن السابعة عشر، وله مؤلفات عديدة بالفرنسية، نذكر منها كتاب "الأمير عبد القادر، كتابات روحية، عرض، ترجمة وملاحظات"، صدر سنة 1982، و"ختم الأولياء، النبوة والولاية في عقيدة ابن عربي"، صدر سنة 1986.
(6). الأكبرية هي طريقة صوفية، تنسب إلى الشيخ محيي الدين ابن عربي، ويلقب بالشيخ الأكبر، ومن هذه التسمية جاء إسم طريقته بالأكبرية.
(7). حديث "مداد العلماء أفضل من دم الشهداء"، فيه نظر عند علماء الحديث يصل إلى حد التضعيف، والله أعلم. ومثله حديثه صلى الله عليه وسلم "يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء". أخرجه الشيرازي في الألقاب عن أنس بن مالك، والموهبي بفتح الميم وكسر الهاء في فضل العلم عن عمران بن حصين، وابن عبد البر في كتاب العلم عن أبي الدرداء، وابن الجوزي في كتاب العلل المتناهية عن النعمان بن بشير، بأسانيد ضعيفة لكن يقوى بعضها بعضا.
(8). وزارة الداخلية، وزارة الشؤون الدينية الفرنسية، أخذت هذه التسمية بعد إلغاء سنة 1912 هيئة وزارة الشؤون الدينية، وضمت حقائبها إلى وزارة الداخلية. وبمبادرة من وزير الداخلية الفرنسي السيد (جان بيار شيفنمون)، شُرع في  مشاورات منتظمة ابتداء من سنة 2000، قصد إنشاء بنية ملائمة وكفيلة للتعبيرعن الإسلام بفرنسا. ونظرا للمقام الذي يحتله الشيخ خالد بن تونس في هذا المجال، دعي للمساهمة في هذا الورش. استأنفت المبادرة من جديد من طرف السيد (ميشال فييون)، وزير الداخلية، ووصلت أخيرا بعد عملية طويلة من النضج مع السيد (نيكولا ساركوزي)، وزير الداخلية حينها، إلى إحداث "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية"، في 3 ماي 2003. ونتيجة الصراعات العديدة، وعقم النتائج أحيانا، تنحى الشيخ خالد بن تونس عن المجلس، ولم يعد يشارك فيه.
(9). نظم ملتقى دولي، تحت إشراف جمعية الشيخ العلاوي للعلاوي والثقافة الصوفية، بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاة الشيخ عدة بن تونس، نوقشت فيه أعماله الشخصية، تحت عنوان (رجل الإصلاح و مربي الأرواح)، عقد يومي 23 و 24 شعبان 1423، الموافق لـ 30 و 31 أكتوبر 2002 بدار الثقافة لمدينة مستغانم.