الأحد، 19 مايو 2019

لنتوقف عن اللعب بهويات قاتلة


الشيخ خالد بن تونس، الباعث لليوم الدولي للعيش معا

 "لنتوقف عن اللعب بهويات قاتلة"


reporters.dz، في 18 02 2019.
ليلى زعيمي.

مراسلون: أنت المرشد الروحي السادس والأربعون للطريقة الصوفية العلاوية، لأكثر من 40 عامًا. أنت إذن لديك عدة آلاف من المريدين. كيف تعيش تجربة الزعيم الروحي هذه؟

الشيخ خالد بن تونس: 40 عامًا بالفعل! نعم، هي في الآن نفسه قليلة وكثيرة. كثيرة بالنسبة لرجل، شاءت الأقدار الإلهية أن يولد في هذا البلد، وفي الوقت نفسه يكون الشاهد، رغما عنه، على أحداث سعيدة وتعيسة، مرَّ بها. في الواقع، لقد قضيت طفولتي في جو من اللطف، حيث تُعلم القيم والفضائل بكل صرامة وانفتاح، مما جعلني شخصا، اليوم، لا يحكم على إخوانه، بل يحاول فهمهم. وأنا بعيون الطفل، رأيت وشعرت بألم ومعاناة أهلي أثناء حرب التحرير. رأيت على بعد أمتار قليلة مني، أناس تقتل، معظمهم أبرياء. كان من دواعي سروري أن أعيش فرحة يوم 5 يوليو 1962، وشرف أن أكون أول طفل يتم اختياره، لرفع العلم الوطني للجزائر المستقلة. مثل الكثير من الشباب، في ذلك الوقت، حلمت بالحرية، واكتشاف العالم، بدءًا بعبور الطرق الجبلية المضطربة لمنطقة القبائل، العزيزة عليّ، وعبور التيطري، والتوجه مباشرة نحو الجنوب، ذلك الأفق اللانهائي. مندهش، مفتون، بتنوع بلدي، من كرم سكانه، والعظمة والكنوز الطبيعية التي تحويها أراضيه. 40 سنة! قليلة، لمعرفة وإدراك ما هي حقيقة شيخ، ذلك السيد المتعقل، الحكيم، الإنسان المتحقق روحيا، القادر على تقديم المشورة، وتوجيه أولئك الذين يأتون إليه. أعرف حدودي جيدًا، بما يكفي لعدم الوقوع في هذه الغطرسة المتبجحة.
مراسلون: كيف ترى اليوم دور الزوايا (المراكز الروحية)؟ بمعنى آخر، هل ما زالت هذه المراكز الروحية لها تأثير على المجتمع، وخاصة "جيل الشباب"؟
الشيخ خالد بن تونس: في عالم في أوج تحوره، يعمه الشك وعدم اليقين، وأصبحت الكراهية والتعصب أمرًا عاديا، والعنف والريبة أمرا شائعًا، وإدارة العالم موبوءة بالفساد المتجلي في الإثراء الفاحش، والسلب والتبذير التي يهدد بقاء الإنسان، وجميع النظم الإيكولوجية؛ فأي طريق نختار؟ أي طريق نتبعه؟ أي أمل ينتظره إنسان القرن الحادي والعشرين؟ يخبرنا الدين أن كل طفل يولد، دون تكييف ثقافي أو ديني أو فلسفي، بل على الفطرة، الخالصة من كل التغييرات. مثل صفحة فارغة من كتاب، تدرج ذاكرته وفقًا للسانه، والأخلاق والعادات، وحقيقة البيئة التي ينمو فيها. إن تربية الوالدين والمجتمع، من سيجعله، وفقًا للمعايير التي تمنحها إياه ثقافته، الشخص البالغ الذي سيصبح. هذا هو الدور التربوي والفكري والروحي، الذي تقوم به الزوايا في المجتمع. تُعد المراهق لإدارة باستقامة وشرف حياته، وعلاقاته مع أقرانه، إنها تربية الفتوة.
    إذا اختفت هذه الأماكن، الزوايا، كما يأمل البعض، فما الذي سيحل محلها؟ تقوم بدور الوساطة. طريقة هامة للتنظيم في مجتمعنا التقليدي، لتهدئة النزاعات وإدارتها، في بيئة محايدة وخارجة عن السلطة. لتختفي إذن، إذا لم تعد إلى أصلها، لتثقيف وتغذية الضمائر، بإسلام روحي وحر ومسؤول. أما بالنسبة للأجيال الشابة، التي تركت لمصيرها، بسبب إهمالنا، فإنها تبحث الآن، عن نموذج يلبي توقعاتها، في الحرية والكرامة والعدالة، وتطمح أن تكون محبوبة، حتى تحب وطنها بشكل أفضل. فمن خلال خطاب مكون من صيغ فارغة، وفتاوى قديمة، سلوك عفا عليه الزمن، يوصم دينهم، ابتعد أطفالنا عن التراث الروحي لأسلافهم. هل حقا نطرح مسألة هوية الجزائري؟ ما هي؟ عربي، بربري، مسلم، قومي، إسلامي أم عالمي؟ لماذا لا نضطلع بتاريخنا الألفي في كليته، ونبحث عن الذي يوحدنا، ويبني مجتمع العيش معا في سلام ونعمل معا، دون طابوهات أو تحامل؟
مراسلون: الشيخ بن تونس، "أنت تعمل من أجل نقل ثقافة السلام والعيش معًا، من خلال روحانية عالمية، تنير رؤيتنا، وتصالح الأسرة البشرية"، وفقًا لما قرأناه على غلاف كتابك "الإسلام والغرب، الدعوة للعيش معا". أين أنت في هذا المشروع العالمي؟

الشيخ خالد بن تونس: الكبرياء عيب أرفضه، لكني يمكنني أن أعترف اليوم، بأني فخور جدًا بأن بلدي، بعد كفاح شاق، تمكن من توحيد يوم 8 ديسمبر 2017، جوق الأمم. نعم، اعتمدت 193 دولة، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الـ 72، بالإجماع القرار A / 72/130، الذي يعلن يوم 16 مايو، اليوم الدولي للعيش معاً في سلام. حقيقة نادرة في هذه الأيام. لنكن واقعيين. دعونا ننظر حولنا إلى حالة العالم. لنبدأ بالدول المجاورة، ليبيا، تشاد، النيجر، مالي، نيجيريا، السودان... أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن دول بأكملها تختفي. ويستمر هذا الإعصار يجر في طريقه بلدان أخرى في المنطقة، حتى آسيا. إن أوروبا، التي اعتقدنا أنها متحدة بشكل نهائي، تكتسحها القومية الشعبية، التي تضعفها أكثر فأكثر، متناسين كارثة الحربين العالميتين اللتين فجرتاها. للخلف بالكامل! نعود إلى سنوات الحرب الباردة، واقتسام العالم من قبل الأقوياء. ونحن، في كل هذا؟ إلى أين يذهب بلدنا؟ هل سنعود إلى العقد المأساوي؟ نتقاتل فيما بيننا؟ أو نتوجه بحكمة وتعقل، نبحث عن العلاجات السلمية، للحفاظ على الأرض والناس، من كارثة معلنة؟ نعم، لقد مر بلدنا بالعديد من المصاعب، لقد كان محتلا، خاضعا، بددت ثرواته. تمكن دائما من النهوض. مرارا وتكرارا، بعدما ساور اليأس، منحته العناية الإلهية فرصة، لكي يبعث.

    نفس هذا البلد روحية ومتمردة وغير خاضعة. فبمحبة، تعطي كل شيء، دون حساب. متهورة وكريمة، تغفر لمن أساء إليها. شيء واحد يثورها: الظلم. يا إلهي، كم هو جميل هذا الشعب، رجال ونساء، الذين يتجولون بالملايين، دون أن تسكب دماء أطفالهم، مرة أخرى في هذه الأرض المقدسة، الجزائر، والتي يقول شبابها بصوت عال وواضح "من الآن فصاعدًا، لن نهاجر، سنبقى". العدالة نعم! تسوية الحسابات، لا! يخبرنا الصوت المنبعث من وراء القبور، لأولئك الذين ضحوا بحياتهم، أن هذه الأرض ستعيش أخيرًا، وتعرف السلام. أما بالنسبة لليوم الدولي للعيش معاً في سلام، فمن حدث، يصبح كل يوم انطلاقة. مثال للإقتداء، في العديد من البلدان. ما عليكم سوى زيارة الموقع http://16mai.org، لمعرفة تأثير ذلك. أكتب هذا النص، من مدينة قرطبة التاريخية، حيث يتم تمثيل أكثر من 40 دولة، بواسطة شباب من 20 جنسية، في إطار "المنتدى الأول لقرطبة، المنتدى العالمي الأول للتعايش"، في الفترة من 15 إلى 17 مايو 2019هذه الأرض الأسطورية للأندلس، الشاهدة فيما سبق، في أوروبا القرون الوسطى، أن رجالا ونساءا من جميع المعتقدات، تركوا لنا ذكرى لحظة تاريخية، تطارد حتى اليوم ذاكرتنا، بين الأسطورة و الحقيقة، حين عرف المجتمع البشري، كيفية بناء العيش معا والعمل معا، سابق لأوانه، مآله إلى الزوال، إلى الأبد. كبذرة مزروعة، تنبت من جديد، وتنبض فيها الحياة. أما بالنسبة لسعادة السيد جون أورورك، الذي أشكره كثيرًا، قال "... هذا العام، أردنا أن نقيم صلة بين احتفالنا بيوم أوروبا، والاحتفال باليوم الدولي للعيش معاً في سلام، الذي سيعقد للمرة الثانية، في ظرف أسبوع بالضبط، 16 مايو..."(1). أما بالنسبة لمرصد الأخوة في فرنسا، فهذا ما يقول "بناءا على مبادرة من مختبر الأخوة، تقترح أكثر من 100 شخصية، أن يجعل من يوم 16 مايو (اليوم الدولي للعيش معًا)، يومًا فرنسيًا للأخوة. أن يكون يومًا وطنيًا للعمل والتوعية والتثمين والإنجازات الملموسة، للعمل مع بعضنا البعض، ونتشارك، كلما كان ذلك ممكنًا، مع منسيي الأخوة، الذين لديهم الكثير ليكشفوه لنا، عن إنسانيتنا". 

مراسلون: لقد عملت أيضًا من أجل المساواة بين الرجل والمرأة، للمضي قدماً نحو السلام. خطوة ليست شائعة جدًا من جانب الدينيين، الذي يلقون خطابًا عدائيًا ضد المرأة وتحررها في مجتمعنا. ما هو تعليقك على هذا؟

الشيخ خالد بن تونس: شكرا للدينيين. هل هم سواء؟ هل دين يضطهد نصف مجتمعه، يكون صحيحا؟ عندما نعلم حب النبي صلى الله عليه وسلم للنساء، وحنوه، ووصياه عليهن في خطبة الوداع الأخيرة بعرفات، وعندما قال "حبب إلي من دنياكم ثلاث، الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة". وضع المرأة بين الجوهر، بين مستخلص الوردة، وتسامي العبودية.

    بالصلاة. أي براعة! كره النساء، النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهو الذي يعقد جلسات خاصة لتعليم المرأة. وهل قمع المرأة بقدر ما قال "خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء"! يتحدث عن السيدة عائشة. من بكى وهو يحتضن مرضعته حليمة، ووضع بردته أرضا، لتجلس عليها هي. من ذهب إلى حد الزواج من نساء من أصل يهودي، لتعزيز السلام بين المجتمعات؟ آه، كم نحن بعيدون عن هذه الثقافة المحمدية الأنثوية! وكم هو جهلنا وارتباكنا كبير، حول مكانة المرأة في الإسلام! التسامح هو قبول الآخر.
مراسلون: ما هي الرسالة التي ترغب في توجيهها للاحتفال بالذكرى السنوية الثانية للعيش معاً في سلام هذا العام، حيث نشهد استمرار التيارات والخطابات الجهوية "الحزبوية" و "الدوارية"، إن أمكن قول ذلك... متى سنفهم أن ذلك التنوع ثروة؟

الشيخ خالد بن تونس: دعونا نتوقف عن اللعب مع الهويات القاتلة. لنستبدل "أنا، نفسي" بـ "نحن، معًا". دعنا ننتقل من ثقافة الأنا النرجسية الحصرية إلى ثقافة نحن الجامعة.

    يصبح بلدي بلدنا، ومنطقتي منطقتنا، وجواري جوارنا، وأرضي أرضنا، وسمائي سماؤنا، وإلهي إلهنا... العيش معًا في سلام هو حالة كينونة، جودة وفضيلة تحررنا من عوائقنا العنصرية والقبلية والمجتمعية، ليفتح أنفسنا على الاستمتاع بوجود الآخر، من خلال تآزر المعرفة والعلوم والإخاء.

    ماذا يقول رسول الإسلام؟ "افشوا السلام واطعموا الطعام وصِلوا الأرحام وصَلوا بالليل والناس نيام". إذا كنا نريد حقًا بناء مجتمعنا، لنقم بخطوة خارج أنفسنا، نحو الآخر. ونضحي بهذا "أنا"، الذي يخنقنا ويفقرنا. يقول القرآن الكريم "ألم نشرح صدرك"؟ سورة الشرح، الآية 1. أم أنها فقط من أجل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأما بالنسبة لنا، فنحن نتفوق في الإنغلاق، ثتائي القفل، إذا لزم الأمر. جدران أعلى بشكل متزايد، وأبواب حديد مزدوجة، وأسلاك شائكة على أسطحنا. وأما بالنسبة إلى قلوبنا، فإن الله وحده يعلم في أي حالة من الإنغلاق هي.
مراسلون: هل تعتقد أن الحركة الشعبية الحالية، سيكون لها تأثير إيجابي على القيم الإنسانية الجزائرية، مثل التسامح وقبول الآخر؟ إذا كان الجواب نعم، كيف؟

الشيخ خالد بن تونس: لا تسألني هذا السؤال. اسأل العالم الذي ينظر بالعدسة المكبرة عما يفعله هذا الشعب الجزائري، وينتظر فقط الفرصة غير المتوقعة، ليرى ما الخطأ الذي يمكن أن يدخل إصبعه الصغير، وسوف تجد إجابتك.
مراسلون: أظهر طلاب جامعة الجزائر 2، مؤخرًا، سلوكا عدم تسامح تجاه الذين لا يصومون. ما تعليقك على هذا الحادث؟

الشيخ خالد بن تونس: يعود شهر رمضان المبارك، كل عام لزيارة ضمائرنا وتجربتها. وإذا تحدث، فماذا 
يخبرنا؟ لماذا تصومون؟ هذا في رأيي، هو السؤال الذي يطرح نفسه.

    عندما ننسى أن الصيام، يأتي ليعلمنا البحث عن نقص، ليس فقط نقص الطعام الذي يختبر أبداننا، بل قلة المعنى الروحي لحياتنا. لماذا نولد؟ لماذا نعيش؟ لماذا نموت؟ إذا علمنا أطفالنا أن يتساءلوا عن أركان وقواعد الإسلام، فليس الصوم فقط، الذي سيكون موضع التساؤل، بل القواعد الخمسة التي تبنيه... "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". سورة البقرة، الآية 256. أما بالنسبة لأولئك الذين، من خلال تصرفاتهم، يريدون الإستفزاز، ما الذي يخفونه وراء هذا الموقف؟ إذا لم يطيقوا الصيام، فلماذا لا يأكلون في منازلهم؟ وإذا كانت مشكلة الإيمان، فهم أحرار في اختيار طريقهم، يكونون صادقين، ويقولون ذلك علانية. أما بالنسبة للرقابة، لم نصل بعد، الحمد لله، في بلد توجد فيه شرطة دينية عقابية لخلاص الجميع. دعونا نعطي معنى لسلوكنا عندما يتعلق الأمر بالعلاقة، بيننا وبين المطلق. الله سبحانه وتعالى هو القاضي الوحيد لمخلوقاته. "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما". سورة الفرقان، الآية 63.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). خطاب سفير الاتحاد الأوروبي جون أوركي، بمناسبة يوم أوروبا يوم 12 مايو 2019 في الجزائر العاصمة. 



إنشاء دور للسلام في المدارس

إنشاء دور للسلام في المدارس


     إحياءا لليوم الدولي للعيش معا، شارك الشيخ خالد بن تونس يوم 12 ماي في مدينة نيس الفرنسية، في مسيرة تخلد الذكرى، وأيضا تخلد الذكرى المؤلمة لمجزرة أمسية 14 جويلية 2016، التي خلفت 86 قتيل، عندما داهمت مركبة الحشد المتواجد في أحد المتنزهات بالمدينة، وكانت المناسبة، العيد الوطني الفرنسي.

     استغلت جريدة "nice-matin"، الفرصة وأجرت مع الشيخ خالد بن تونس، هذه المحاورة، وجاءت في المختصر المفيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ

  الشيخ بن تونس الباعث لليوم الدولي للعيش معا في سلام، الذي تبنته الأمم المتحدة، الذي سيحل يوم الخميس، كان حاضرا بالأمس، من أجل مسيرة تذكارية.

    التسامح والسلام هما أساسا فكره.

    الشيخ بن تونس الباعث لليوم الدولي للعيش معا في سلام. تبنته في سنة 2017 بالإجماع 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، وسيتم الإحتفال به، يوم الخميس في العالم بأسره، خصوصا بنيس، حيث جرت بالأمس مسيرة تذكارية، بحضور منظمين ودعم محلي لهذا الموعد المسالم.

    بالمناسبة أوضح الشيخ المشاريع التي يحملها، وكذا الإجراءات التي يتعين تنفيذها، من قبل هيئة اليوم الدولي للعيش معا في سلام.

ماهي نشأة هذا اليوم؟
 مع الجمعية الدولية الصوفية العلاوية، التي تأسست سنة 2001، والمتحصلة على مركز استشاري لدى اليونسكو، كان لدينا مؤتمرا دوليا حول الأنوثة في وهران (الجزائر). قلنا لما لا نطالب الأمم المتحدة، بتقرير يوما دوليا للعيش معا في سلام. إنها المحطة الثانية.
ما هوهدفه؟
إنشاء دور للسلام في حضن الحضانات والمدارس الإبتدائية. لدينا منها في الجزائر والمغرب وهولندا. يقوم المفهوم على تربية الأطفال على ثقافة السلام، بفضل بيداغوجية بديلة. نحاول الخروج من النظام الهرمي، الذي فيه الغلبة للقوي، لندخلهم في الدائرة. هذه الدائرة هي عرض للتكامل والتآزر، يصبو فيها كل عمل الأطفال، من أجل الصالح العام. أوضح باحثين أن العيش معا يسمح بفهم أفضل للرياضيات. وطرق التعليم والتحليل ليس فردية بل جماعية.

من هم دعائمكم؟
نعمل مع جامعات في كندا وألمانيا، ومنظمات غير حكومية، واليونسكو والأمم المتحدة، حتى نجعل بحلول عام 2030، ثقافة السلام إجبارية في جميع مدارس العالم. نعمل منذ ثلاث سنين مع كندا لتطوير مرصد العيش معا في سلام. نحاول الحصول على شبكة للعواصم والمدن الكبيرى في العالمبأسره. نعد اليوم 58. باريس هي المدينةالفرنسية الوحيدة الواردة فيها، نتمنى أن تكون نيس منهم.

لماذا نيس؟
لأني أسكن المنطقة منذ 40 سنة. ونيس مدينة ذات طابع عالمي. وأنها صودمت بمجزرة "لابروموناد". هذا يدفعنا إلى التفاعل وإلى التساؤل. ماذا نريد أن نترك لأبنائنا؟ ينبغي أن يكون القرن الواحد والعشرين نافذة مفتوحة على العالمية، ولهذا أريد أن تندرج نيس في ثقافة العيش معا في سلام.

ماهي الإجراءات الملموسة التي ستتخذونها؟
نظمنا أعمالا في مدارس كان ومرسيليا، ولكن ليس هنا. وقّعت هيئة اليوم الدولي للعيش معا في سلام اتفاقية شراكة مع جامعة نيس، لتنظيم إجراءات ومحاضرات.

قابلته سيليا ماليك. جريدة nice-matin، في 13 05 2019.

الأحد، 12 مايو 2019

التربية في ثقافة السلام لدى الأطفال

التربية في ثقافة السلام لدى الأطفال




    ألقى الشيخ خالد بن تونس يوم 2 مايو كلمة مفيدة، في ندوة دولية، في طبعتها العاشرة جرت، حول حقوق الطفل والمعتقدات الدينية، اهتمت بمواضيع الإستقلالية والتعليم والتقليد، أقيمت يومي 2 و 3 مايو بمدينة جنيف.

    كان يهدف اللقاء إلى إبراز عدة  مناحي لحق الطفل حيال المعتقدات، وتحليل الحجج حول هذا الموضوع القليل المعالجة، في العالم الأكاديمي والمهني، وتعزيز الحوار والمعرفة حول حق الطفل في الحرية الدينية، ورفع الوعي حول موضوع الطفل كصاحب حقوق. وأيضا تسليط الضوء على الممارسات الجيدة، في حالات التوتر بين حق الوالدين في التعليم الديني، وحق الطفل في تقرير مصيره.

    في هذا السياق من العمل، جاءت كلمة الشيخ خالد بن تونس في الندوة، حيث قال:

سيداتي سادتي صباح الخير.

    أولا لي الشرف، أن أتقاسم هذه اللحظة معكم، وأشكر المنظمين على تفكيرهم فينا، بصفتنا منظمة غير حكومية، للمشاركة في هذا النقاش الثري. بالتأكيد استفدت منه كثيرا، وعلى الخصوص ما دمنا سنتكلم عن التربية في ثقافة السلام، وهذا هو الموضوع الذي يشدني شخصيا، ومن أجله  تكرس منظمتنا غير الحكومية وقتها وتخوض التجارب على الميدان. أهتم كثيرا بالشباب، وخاصة على مستوى الكشفية، في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا وبلدان أخرى، في المغرب وأماكن أخرى. كيف نوصِل ثقافة السلام هذه لأطفالنا، ما دمنا نتكلم عن حقوق الطفولة؟ والطفولة هي رأسمال إنسانيتنا، اليوم. نعلم جميعا أن أطفال اليوم هم كبار الغد. كيف نُعِدّهم لتحديات عالم في أوج تحوراته؟

    كان لي ملاحظة على سبيل المثال في هذه الصبيحة، على مستوى معاني الكلمات، حتى معنى الكلمات ينفلت منا، لنفس الكلمات معاني مختلفة. هل كلمة إنسانية تعني شيئ ما لنا اليوم؟ وهل نشعر جميعا أننا معنيين بهذا الموضوع، الذي يبقى رغم ذلك موضوعا فلسفيا وطوباويا؟ هل نحن إنسانية أو إنسانيات؟ هل أطفالنا الذين سنمرر لهم هذه الرسالة، سيكونون منتمين إلى جسد يسمى الإنسانية، ويشكلون خلايا مجموع جسد، ويكون كل عضو على قدم المساواة، من الكرامة والإحترام، والنفع الذي يجلبه في خدمة هذا الجسد، الذي يسمى الإنسانية؟

     فقد استثمرنا في ثقافة السلام. نريد توضيح الأمور، مهما كانت قليلة. كيف نقربها؟ فلأنه يوجد خلط تام، بين الهوية والدين والثقافة. يوجد تداخل، جعل الكثيرين يرون الدين علامة للهوية، أو ثقافة تسمح لي بمعارضة الآخر، وخلق حدود بيني وبين الآخر. كيف نحسب أمورنا، حتى نربي طفلا، بين ما هو نوعي، وما هو حصري، وما هو جامع؟ عندما يتكلم طفل عن والديه، فبالنسبة إليه أمه وأبيه، وكذا داره ومدينته، وبلاده ودينه وغير ذلك، وكل هذا حصري بالنسبة إليه، ويراه ملك له. كيف نوصِل إليه الرسالة الأخرى، تلك الرسالة الجامعة، ونقول له نعم، هذا جزء منك، ولكنك تنتمي أيضا إلى عالم وكون وجسد يسمى الإنسانية، وكوكب يسمى الأرض، وأنه فيك -أو هذا "أنت"- مندرج في الكل.

    إذن توجد أشياء، هي بالنسبة لنا حصرية، فلأنني أحمل إسما ولدي عائلة وجنسية وأباء ونسب، ولكنني أنتمي إلى الإنسانية، ولدينا نفس الحامض النووي، ونملك نفس الأصل، ورغم ذلك، ففي هذه القيمة المشتركة، توجد بالتأكيد إختلافات، وهذه الإختلافات، ينبغي أن نراها كثراء، نراها كموجب، وليس كسالب. إذا جمعنا اختلافاتنا، نتمكن جميعا من الاستفادة من بعضنا البعض. وإذا وضعنا ثقافاتنا ومعارفنا وكفاءاتنا وموسيقانا، وكل ما هو خصوصي، نضعه جميعا معا، نستطيع التوصل إلى أفضل نتيجة، تعم فائدتها الجميع. هذا هو التآزر بين الناس، وهو ما يدفعنا إلى العمل حول هذا الجامع، الذي يجمعنا.

    ماهي القيم الأخلاقية والروحية التي تربطنا؟ وإنه ليوجد خلط كبير بين الديني والروحي. إن الروحي شيئ يغذي الروح، والديني، جرى تبيانه آنفا، يضعنا في وضعية نوعية، في ثقافة نوعية، مع مبادئ نوعية ومعتقد نوعي، في حين أن الروحي قد يؤدي بنا إلى تجاوز هذه الحدود. فنحن بحاجة إليه. لكل دين شريعته، ولا نريد خلق دين جديد، بالقضاء على الشرائع والمعتقدات، ولكن انطلاقا من شريعة ومعتقد، نذهب للقاء الآخر، وهنا لا توجد سوى وسيلة واحدة، وهي السمو بالروح، وما يعنيه السمو بالضمير، والعمل على انشراحه. أتكلم دائما عن الأطفال. قمنا بتجارب؛ على سبيل المثال عن طريق الكشافة الشباب، والتخييم في نفس المخيم، حيث تواجد فيه، الكاثوليكيين والبروتستانت والبوذيين واليهود ومسلمين، وقد كانت المخيمات ثرية جدا وأكثر حركية، فلأنه عمّ جو من الثقة، بين هؤلاء الشباب، وكنا نشعر أنهم كانوا أكثر ارتياحا في نوعيتهم وأصليتهم، كما لو كانوا سوى مسلمين، أو فقط بين مسيحيين. يعني هذا أن الآخر يفرض عليّ أن أعرف نفسي، وأن فكرة العيش معا تقودنا أولا إلى الباطن، أي داخليا بين الجماعات التي تشكل نفس الدين، وإلى التفاهم بشكل أفضل، والتعارف بشكل أفضل، بيني وبين الآخر المختلف.

    سأذكر لكم أمثلة دقيقة. كما تعلمون، توجد في الإسلام مدارس مختلفة. لدينا أهل السنة والشيعة، وفي الشيعة توجد عدة ميولات، وعند السنة عدة مذاهب، ولدينا الخوارج، ونسميهم عندنا في الجزائر الإباضيين. كان العيش معا في الجزائر وسيلة للتقريب بشكل أفضل، بين المجتمع السني والمجتمع الإباضي. وفي لبنان سمح هذا العمل، على مستوى العيش معا في سلام والعمل معا، على سبيل المثال، لمجتمعات في بعلبك، حيث أقدم المجتمع الكاثوليكي والدروزي والشيعي والسني على الإحتفال بهذا اليوم معا. إن الذي نتمناه هو أن نجعل من هذا اليوم، الذي أصبح يوما دوليا، بقرار الأمم المتحدة، الصادر في 8 ديسمبر 2017، يوما وحدثا حقا، ولكن أيضا بداية، وشيئ يدفعنا إلى التساؤل عن كيفية بناء هذه التربية لثقافة السلام، وبدونها أعتقد أننا جميعا نلاحظ مرد العالم. لا نكون من منذري أهوال آخر الزمان، ولكننا نتوجه صوب الإنحراف. عندما نرى أن الإعتداءات تصيب أماكن العبادة، في الأماكن التي نأتيها للصلاة، في أماكن العبادة، التي نأتيها من العادة، بحثا عن الطمأنينة. وإن هذه الأماكن مستهدفة. يوجد أمر غير طبيعي، ككون هذا الجسد الذي هو الإنسانية مصاب بمرض، يتفاقم شيئا فشيئا إلى حد الخطورة، ونزاعات سياسية تتحول إلى نزاعات عقدية، يوجد انحراف، وهذا الإنحراف إذا نقلناه إلى أبنائنا، رغم كل الحقوق التي يمكن إدراجها في مواثيق العالم، فلا فائدة ترجى من ذلك تماما. إذا لم يمارس جهد حول التربية لثقافة السلام، وإذا لم يتمكن طفل من أن يميز بين "الأنا"، ذاك الشخص الذي يمثله هو، و"النحن"، الذي يصله بروابط متينة بإخوانه. أعتقد أننا نتواجد عند حدود تأرجح، يمكن أن يسبب حسب رأيي كوارث ذات أبعاد عالمية.

    أنا من الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط، ولدي جزء من أوروبا، وجزء من الشرق الأوسط ومن شمال أفريقيا. وألاحظ التدهور عند هذا المستوى. على مستوى مفاهيم الإنسانية، وحول ما يجمعنا. كل الديانات، وخصوصا السماوية منها، سواء كانت اليهودية والمسيحية والإسلام، تدّعي أن لها جَد، ربما هي أسطورة، ولعلها أسطورة تجمعنا. لدينا آدم حقيقي. وهي أسطورة تجمعنا وتجعل منا عائلة. كيف أننا في القرن الواحد والعشرين، ولم نعرف لحد الآن، كيف نصالح بين هذه العائلة الإنسانية؟  تطرح أمامنا مسائل، ولا نستطيع الفرار من هذا التحدي، بغض الطرف، ونقول الذي قيل منذ سنين، أن الديني لم يعد له وجود. نسينا أننا نحمل إرث ثقافي ثقيل، سيكون له عواقب على مستقبلنا، إذا لم نتوصل إلى إعادة ربط الصِلات والقيم التي تجمعنا. عندما نرى اليوم شبابا يتظاهرون في أكابر العواصم العالمية، يتحدون الكبار، قائلين لهم نريد تغييرا، يتحدون لإنقاذ الأرض، وإنقاذ النظام البيئي؛ أعتقد أن هذا يستدعينا، وعلى كل حال، أصحاب القرار، والسياسيين والإقتصاديين والعلميين.

   نعلم أن الجبال الجليدية تذوب، وبشكل ما، فإن صورتنا الشخصية هي التي تذوب. انتقلنا إلى مرحلة، حالت الإنسانية بدورها إلى الإنحلال، عن مبادئ وقيم، جعلت منها إنسانية. لدينا مرآتنا، وعندما نرى أنواع بأكملها تنقرض، سواء كانت نباتية أو حيوانية، وحشرات تختفي أمام أعيننا، خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، وأننا نواصل قدما، بدون أن يثار لدينا تساؤل، أرى أننا نمضي في شكل من أشكال السير أثناء النوم. بلغت نفسنا مبلغا أعمتنتا فيه.  إننا نفكر في كسبهم في 2023 و 2025، ونحن هنا بصدد جر أذيال الهزيمة، بتحويل جنة إلى نار. ليس لنا سوى كوكب واحد في المجموعة الشمسية، لم نستطع إيجاد الحياة فيما عداه، والكوكب الوحيد بتنوعه، لا نقوم فيه إلا كمفترسين، يعملون على تدميره، ونعتقد أننا سنغزو مواقع النجوم، في حين أن واحة الحياة هذه، التي سنتركها لأبنائنا تموت. أي تبريرات نستطيع أن نقدمها للأجيال المقبلة. غدا على الأرجح، سنقف أمام محكمة، محكمة الإنسانية وهذه الأجيال. كيف سيحاكمون إنسانيتنا، إنسانية اليوم؟ إذن ينبغي العودة نحو هذه المسؤولية. لدينا مسؤولية عالم اليوم وعالم الغد. تكلمنا هذا الصباح عن التبليغ، وعن واجبات والتزامات التبليغ. ولكن نبلغ ماذا؟ وإذا بلّغنا أفكار وقيم تقتل، ستكون لنا مواجهة مع ضميرنا، وأيضا مع التاريخ. أعتقد أنه من واجبنا، بصفتنا آدميين الإستثمار في ثقافة السلام هذه، وفي تربية السلام هذه، وهذا قد سمح لنا، على سبيل المثال، في الجزائر في الثامن من شهر ديسمبر الماضي، بالقيام لأول مرة في بلد عربي ومسلم، تطويب 19 دينيا مسيحيا، وافتتاح كنيسة للسيدة مريم، في أعالي جبل، في مشهد جميل، في واحدة من أكبر مدن الجزائر، وهي مدينة وهران، مدينة مليوني ساكن. إنه العيش معا الذي مكننا، وهذا القرار الذي سمح لنا، بتحقيق هذا. وهذه أثيوبيا التي عاشت حروب طويلة مع جارتها، قد أنشأت ولأول مرة في التاريخ وزارة للعيش معا في سلام(1). لدينا رواندا، استفادت بقرار الأمم المتحدة، لهذا اليوم للعيش معا، من أجل المصالحة بين قبيلتي الهوتو والتوتسي(2). إذن ينبغي علينا القيام بشيئ ما في الملموس، شيئ محسوس، قد يستجيب لطلب ورغبة أكثر فأكثر إلحاحا، على مستوى الضمائر. نتكلم كثيرا، ولكننا نعمل قليلا. لا أدعي أن الآخرين لا يفعلون شيئا، بعيدا عن ذلك، توجد الكثير من المبادرات، ولكن لو حبذا لو كان لدينا إطارا، يسمح لنا بوضع هذه الطاقة في تآزر، وكل من يعمل في هذا المنظور، يقدم أفكار وقرائح ومعارف وعلوم، حتى تنبني دار السلام هذه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). أنشأت شهر أكتوبر 2018 أثيوبيا، أول وزارة في العالم، أطلقت عليها إسم وزارة السلام. قال رئيس وزراء البلد، السيد أحمد  لنواب البرلمان "المشكلة الرئيسية في هذا البلد هي الافتقار للسلام. هذه الوزارة (وزارة السلام) ستعمل جاهدة على أن يسود السلام". كما تجدر الإشار إلى مبادرة الصلح مع الجارة إريتيريا، التي تمت في شهر أبريل من نفس السنة، مما فتح البلد على نفسه الباب على مصراعيه، ليعيش تودد العيش معا في سلام.
    جاءت هذه الوزارة بعدما مر هذا البلد، بموجة من العنف في الداخل ومع الجيران، فيما مضى، ويحاول الإستقرار بقوة ثابتة. قدمت بعض التوضيحات عن خصوصيات هذه الوزارة، وقالت الحكومة، إن وزارة السلام الجديدة ستشرف على أجهزة المخابرات والأمن.

    واستحدثت الهيكلة الجديدة وزارة السلام لأول مرة، التي اُختيرت لها رئيسة البرلمان السابقة، مفرحات كامل بصلاحياتٍ واسعة، لتكون مشرفة على جهاز الاستخبارات والأمن الوطني (NISS)، ووكالة أمن شبكة المعلومات ( INSA)، ولجنة الشرطة الفيدرالية، إلى جانب مركز الأمن والمعلومات المالية، ومعهد الدراسات الاستراتيجية للعلاقات الخارجية الإثيوبية، والإدارة الرئيسية لشؤون الهجرة والجنسية. هذه الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها مفرحات كامل، جعلت الكثير من المواطنين يقولون إنها ستكون أقوى امرأة في البلد.

(2). شهدت رواندا، البلد الأفريقي، حربا أهلية مريرة، في بداية التسعينات، يغذيها الحقد القبلي، بين قبلتين رئيسيتين في البلد، هما الهوتو والتوتسي، وأقل ما نقول، أنه في غضون شهور، قتل ما يربو عن مليون شخص، بلغت الأمور من الفظاعة، حتى كان التوصل إلى صلح يفضي إلى السلام، أمر عظيم.