الاثنين، 7 يناير 2019

تربية السلام للسلام من أجل السلام

تربية السلام للسلام من أجل السلام




   تواصل ليومين، المؤتمر الدولي "الأندلس، أرض العيش معا في سلام، بين الخيال والحقيقة"، في فندق لاس قافيوتاس في مدينة مرسية، الواقعة في الجنوب الإسباني. وبمناسبة الذكرى 800 لميلاد سيدي أبو العباس المرسي (12191281)، من مواليد هذه المدينة، وهو أحد مشائخ الطريقة الشاذلية، ويعتبر شيخها الثاني، بعد مؤسسها، أبو الحسن الشاذلي (11961258)، انعقد المؤتمر مع نهاية العام، وصادف يومي 30 و 31 ديسمبر 2018، ونشطه أساتذة، وتمحورت مشاركات الفاعلين حول أساسيات العيش معا، وسلطت إحدى المحاضرات، الضوء على الشيخ أبي العباس المرسي.

    ألقى الشيخ خالد بن تونس محاضرة في الصدد، وركز على "العيش معا، من الحدث إلى الإنطلاقة"، سطر فيها رؤية، كا قال "نوعا ما سريعة، وفقط لإعطائكم فكرة عن ما يحدث حول تربية التيقظ، والإهتمام الذي توليه اليوم بعض الدول والمنظمات والجامعات". كان يدور محور تدخله، حول مقاربة تربية التيقظ، ومناحيها الفلسفية وأطُرها البيداغوجية. أشار تعليمه بالمناسبة، إلى تعلم بيدغوجية السلام بالسلام، من أجل السلام، لتحقيق السلام، في العالم و المخلوقات كافة.

    قدّم الشيخ خالد بن تونس في تدخله مقاربة لتربية اليقظة، وشرح بعض النقاط المفصلية الواجب اتباعها، لتمكينها في الفرد والمجتمع. جاء في كلمته "مادام أن الحروب تبدأ في عقول الناس، ففي عقول الناس، تنبغي أن تؤسس دفاعات السلام، وهذا يتفق مع ما قيل في الصبيحة. ما يعنيه، أنه من الواجب، العمل على مستوى الضمائر. وفي الضمائر تظهر فكرة الحرب أو السلام". وركز على الطفولة، فقال "إن الأطفال الذين يتم تلقينهم مبكرا بأدوات، كالألعاب واللُعَب، وهي كثيرة اليوم، تمتاز بمظاهر الصراع والحروب والعنف". وأشار أنه بواسطتها يمكن استخلاص سبيلين "يمكن القول أن الألعاب يمكنها بشكل ما، أن تحصنهم ضد الحروب، إذا تسلحوا ببعد النظر، ويمكن أن تحفز فيهم الرغبة في القتال، والرغبة في الفوز، وخاصة أننا في المجال التربوي، نعمل ما في وسعنا، بصفتنا أباء، كي يكون أبنائنا هم الأفاضل، وندفعهم نحو ذلك، وبالنسبة للكثير منا، هذا أمر عادي بأن يكون أبنائنا هم الأفاضل. ولكننا ندفعهم مبكرا نحو الأفضلية في الحياة العملية والإجتماعية، وليس على مستوى الأخلاق والقيم، التي تنبني بها شخصياتهم في كليتها. نقوم بالتكوين إلا الجزء المرئي والظاهر. إنه أمر في غاية البراءة، لا أدينه. تكمن المشكلة، إذا لم يتم مرافقته، ونقول لهم أن كل ما تقومون به من خير أو شر، يجب أن تربطوه بالجهة الأخرى. لماذا تكون الأول؟ ليس لتخدم نفسك، بل لتخدم. وهذا يغير كل شيئ. أو هل لتحصل على تشريفات أو يحصل على مداخيل وفيرة أو أن يكون في أعلى السلم الإجتماعي؟ أو أن يخدم بشكل أفضل، المجتمع الإنساني الذي ينتمي إليه. هنا يكمن الفرق. إذن علينا مراجعة تصرفاتنا في هذا المستوى".

    واصل الشيخ خالد بن تونس في درسه، في إعطاء تحليلات توضيحية، فأفاد "يوجد في تربية السلام، عدة طرق لرؤية هذه التربية. كيف ندرّس للسلام؟ وهذا ما نحن بصدد القيام به".

    أضاف "في المستوى الأول للتربية للسلام، لا نتوقف عند تربية السلام، بل ينبغي أن يكون هذا السلام حيوي ونشط. فهذه التربية للسلام، ينبغي أن تقودنا آليا نحو "لماذا؟"  لأن "ربِّ" على السلام يبدو أمرا عاديا وبتلك البساطة. ليس عاديا إذا انتقلنا إلى المستوى الثاني. عندما نكون في السلام، لا نعير له قيمة. مجتمع في سلام لا يقدر السلام، إلا إذا جاء اليوم وأصبح في موضع الشك. عندها تدرك قيمة السلام". وأوضح مجالات كمون السلام، فأشار إلى "السلام الإجتماعي والسلام السياسي والسلام الإثني والسلام الديني. تكلمنا سابقا عن الطب. نعم طب السلام، وكذلك السلام الإقتصادي. يجب أن تبرز العلاقة بين التربية للسلام من أجل السلام. للرجوع إلى الفكرة الثالثة، ربّوا للسلام من أجل السلام، ولماذا؟ يجب أن تكون هذه المراحل متتابِعة". وكان الشيخ في محاضرته يسأل المستمعين، إذا كانوا يعون ما يقول، لغور المعنى.

     كانت مداخلة الشيخ تستقصي تحليلات عميقة في تربية السلام للسلام من أجل السلام، وهي مقاربة علمية، وضّح معاني النقاط الأولى منها، ومر مرور الكرام في ذكر بعض النقاط، وأشار أنها جاءت في ثلاثين نقطة أو أكثر، يمكن لدارسها تقصي معانيها، ويضعها حيز التنفيذ.

     استمر الشيخ في تبيين معاني بيداغوجية هذه التربية فقال "تقتضي تربية السلام وجود إلتزام وتحوّل للفرد. ونحن لا نقوم إلا بهذا، منذ تواجدنا في هذا المكان". وألحّ على "تغيير مواقفنا وسلوكاتنا ورؤيتنا عن أنفسنا ورؤيتنا حول الإنساني". وطرح التساؤل "ماهو الإنساني، وما هي الإنسانية؟ هل الإنسانية فكرة مجردة وفلسفية منتهية، أو على العكس، مفهوم حي وقانوني وسياسي؟ هذا مختلف تماما". وقرأ على الحاضرين فحوى إحدى النقاط المعتبرة، فقال "التربية من أجل السلام، هي عملية اكتساب القيم وتطوير المعرفة، بالمواقف والسلوكيات اللازمة للعيش في وئام، من خلال العيش معا في سلام مع الذات والآخرين، وحتى مع الوسط الطبيعي".

    وروى الشيخ للحاضرين مجريات لقاء، كان قد حضره في الآونة الأخيرة في هولندا، شهده ذوي الإختصاص وجامعيين، تدارسوا فيه كيفية تهيئة مدينة جديدة. فكروا في كل شيئ، ولكنهم لم يفكروا في العصفور والنملة. وقال "لو لاحظنا حشرة ودورها في تجانس الحي. مثلا النحلة تلقح، وبدونها لا نحصل على ثمار. فمجرد حشرة، ودورها الجبار، في نقل اللقاح من شجرة إلى أخرى، إذا لم ندخلها في تفكيرنا في مدن الغد وفي العيش معا، وإذا لم ندرج الحي معنا، وإذا تمادى الإنسان في الإستحواذ على الفضاءات إلا من أجل نفسه، فبعد كل شيئ ، سنبقى مفترسين، رغم كل الإبتكارات والتقنيات التي يمكننا إختراعها. إضافة إلى ذلك، فالنحلة تعطينا العسل، مضاد حيوي طبيعي...".

    عرج الشيخ في حديثه على حفل تطويب المسيحيين الذي جرى يوم 08 ديسمبر 2018، بمدينة وهرن، وقال عن العمل "هذا أفضل من مائة ألف خطاب. كُسّر طابو ودُفع بالأفكار إلى الأمام". ولم يفوت ذكر النكسة، التي منعت عشرات الشباب من الجزائر والمغرب، من حضور هذا اللقاء الأخوي، وأقامت جدار فصل بين ضفتي البحر الابيض المتوسط، في الحقيقة حاولت هدم بعض مباني العيش معا، والتشهير بالهوة القائمة بين الشرق والغرب. "شباب كان ينبغي أن يشاركوا في المؤتمر الدولي، حرموا من التأشيرات، في حين منحت لآبائهم"(1). وتضيف نفس النشرية "الأسوأ هو تأكيدات السفير، التي صيغت خلال تطويب الشهداء الكاثوليك في وهران في 8 ديسمبر 2018، الذي وعد بالتدخل شخصيا للحصول على هذه التأشيرات الشهيرة. لم يكن هذا هو الحال لأن خدماته القنصلية كانت شديدة للغاية. يوضح هذا الموقف للسفير بعبارات لا لبس فيها، أن إسلام السلام غير مرحب به في إسبانيا، البلد الذي كان في يوم من الأيام، أرضًا تعيش معًا"(1). المسألة أكبر من السفير، فحتى في المغرب حدث نفس الأمر، فتعرضت طريق الشيخ خالد بن تونس للكثير من العقبات، في بلده الجزائر، وفي فرنسا بعد تقريبا كل عمل ناجح، تفجع الأمة الفرنسية بفاجعة إسلاموية، مما يؤدي إلى تدارك مختلف المتطلبات، وحتى في المغرب، الأمر سيان، لا يختص بأمة دون أخرى.

    بعدما ألقى كلمته، أجاب الشيخ خالد بن تونس عن بعض الأسئلة، وشهدت الجموع بعد نهاية المؤتمر، إقامة جمع روحي، يجرى كل سنة في أوروبا، تتخلله مذاكرة الشيخ المنتضرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). نشرية Algerie 1، في 06 01 2019.
   

   


الجمعة، 4 يناير 2019

تواجد شباب صوفيين من مختلف البلدان في لا مانغا

تواجد شباب صوفيين من مختلف البلدان في لا مانغا

 وشهد شاهد من أهلها

    قبل نشر المقالة، نشير إلى التعثر الذي عرفه اللقاء الإسباني. شهد هذا اللقاء غياب الكثير من الشباب من الشمال الأفريقي، بسبب تعنت السلطات الإسبانية في منحهم إذن الدخول إلى أراضيها، فقد وجد غالبية الشباب من المغرب والجزائر أنفسهم ممنوعين من المشاركة، بسبب عدم حصولهم على تأشيرة الفيزا. أبدت منظمة عيسى أهلية منقطعة النظير في تسيير مؤتمراتها الدولية، وإسهام الوفود من مختلف دول العالم، وتبديد التخوف من نشطائها من الدول المنعوتة بالنامية، وسعي شبابها للإلتحاق بالمغانم الأوروبية، ففي كل مرة من خلال لقاءاتها المتعددة، تعاملت بكل يسر مع الشبيبة، التي لم يكن همها من تلك الجولات الأوروبية سوى الرجوع بالغنيمة الروحية والكسب المعرفي. رغم الضمانات التي قدمها ويقدمها الشيخ خالد بن تونس، لتسهيل اعتماد شبيبة تلك الدول، فهذه المرة كان الحال، دون حصولهم على تأشيرات الدخول، وقد كشف اللقاء الأخير بوهران وتطويب الرهبان المسيحيين سابقة إسلامية تاريخية، وثقة إسلامية في مد العون وفتح أذرع التعارف والترحاب، وكانت الثقافة الإسبانية في الصميم، لما تعرفه تلك المدينة من أثار إسبانية.

    لم يخف الشيخ خالد بن تونس غضبه، ففي محاضرة الختام، التي ألقاها تحت عنوان "العيش معا، من الحدث إلى الإنطلاقة"، يوم 31 ديسمبر، بعدما ساق في حديثه أنواع الأعمال التي تتيح بناء مناهج العيش معا، وشرح مناهج تحقيقها، ووسائل الإضطلاع بها، وكذا التحذير من الوضعية الصعبة المعاشة اليوم، حيث قال "أما اليوم، يمكنني أن أؤكد لكم، أن لتنظيم، على سبيل المثال هذا المؤتمر، والحصول على تأشيرات الفيزا، لأولئك القادمين من الجزائر أو المغرب أو من إيران". وصرح "لم يتحصلوا على تأشيراتهم". وأضاف "منحوها لأقل من نصف عدد الطالبين الجزائريين، وقدموها إلى 10 % من الطالبين المغاربة"، وأشار "هذا ما يمنعنا من نسج الصلات وبناءها، بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وبين الشرق والغرب. كل شيئ يدفعنا نحو القطيعة، وكل شيئ يدفعنا نحو النزاع، وإذا لم نقم بجهد مشترك، والتفكير في هذا، حسنا، أستطيع أن أقول لكم، أن روحانيتكم يمكنكم الجلوس عليها".

    وهذه المقالة شهادة من أهلها، إليكموها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تواجد شباب صوفيين من مختلف البلدان في لا مانغا


خمسمائة مشارك حضر المؤتمر

                              المشاركون في الاجتماع، في لا مانغا.

خوان ف روبليس، لا منغا(1).
الجريدة اليومية La Verdad، في الجمعة 04 يناير 2019.



    شارك خمسمائة شخص، معظمهم من المسلمين الصوفيين، في فترة أعياد الميلاد، لمدة خمسة أيام، في ندوة ومؤتمر، عقد في عدة فنادق في لا مانغا، بعنوان "الأندلس أرض العيش معا، بين الخيال والحقيقة". وخلال هذا الاجتماع، تمت برمجة محاضرات ومقابلات وأنشطة للشباب، بهدف بث ثقافة السلام.

   اختارت منظِمة التظاهرة، سواحل المنطقة لإقامة هذا المؤتمر، بمناسبة مرور الذكرى ال800 لميلاد أبو العباس المرسي ​​(1219-1281)، وهو معلم صوفي، ولد في مرسية، صاحب نفوذ قوي جدا. على الرغم من عدم تركه نصوص مكتوبة، فإن أهم مسجد في الإسكندرية، الذي بني في عام 1775، يحمل اسمه.

   ونهض بهذه الاجتماعات الشيخ خالد بن تونس، مؤسس منظمة عيسى الدولية، غير الحكومية، التي تنظم المؤتمر. وكان بن تونس قد دعا الأمم المتحدة إلى الإعلان، وبإجماع، الـ 193 دولة الأعضاء، اليوم الدولي للعيش معا في سلام، المحتفل به في 16 مايو.

    وكانت ثقافة السلام الفاعل البارز في اللقاء حول شخصية ابن المدينة أبو العباس المرسي.
   من بين المشاركين، حضر أكثر من 120 شابًا، من دول مثل فرنسا والمغرب والجزائر وبنين وألمانيا وهولندا وسويسرا وكندا، والذين قاموا بتطوير ورش عمل، لمعالجة التراث التاريخي والثقافي والروحي للخبرات المعاشة في هذه الأراضي، من قبل مختلف المجتمعات اليهودية والمسيحية والمسلمة.

    "إن اليوم أكثر من أي وقت مضى"، كما تقول منظمة المؤتمر، "يحتاج الشباب إلى الوصول إلى خطب ومناهج بناءة، لمواجهة الأخبار الكاذبة والتحريض على الكراهية، وأيضا نظريات المؤامرة. بعيدا عن معناه البسيط، يتضح أن العيش معا في سلام،  أصبح جوابا لآفات اليوم، كما كان الحال في الأندلس، في القرون الوسطى، حيث تعايشت الثقافات الثلاث في سلام.

    من خلال المعارض والموائد المستديرة والأنشطة الأخرى، تم تقييم التجربة المشتركة للأديان الثلاثة. وقال المنظمون "لعل فتح نقاش حول تاريخ ذلك الوقت، والشهادة على التعايش الكائن بين اليهود والمسيحيين والمسلمين؛ يساعدنا في أوروبا، على التغلب على أزمات الهوية، والأزمات الاجتماعية، وتلك المتعلقة بالهجرة، التي تزداد سوءا، وتضرم العدوات، التي تغذي العنف وتولد الكراهية".

ثقافة السلام
    وهم مقتنعون بأن "هذه الفترة من التأمل الأخوي المشترك، ستقوي قناعة أولئك الذين يريدون العمل معاً، من أجل المصالحة بين الأسرة البشرية، وتعزيز ثقافة السلام".

    تسعى المنظمة الدولية غير الحكومية عيسى جاهدة، لخلق ثقافة السلام والمساواة بين الجنسين، تكون في خدمة الإنسانية، من خلال المساهمة، من خلال طرح القضايا الروحية والأخلاقية، من أجل تعزيز وتوطيد التعايش بين الحضارات والديانات. في الواقع، يعترف المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (إيكوسوك)، بأنها منظمة غير حكومية،  ذات مركز استشاري خاص، بغية تسهيل فهم المبادئ الأساسية، لعدم التمييز، والمساواة بين الجنسين، والتقدم الاجتماعي والثقافي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)    مانغا هو خط ساحلي طوله 21 كم في الجنوب الإسباني بالقرب من مورسيا.

الخميس، 3 يناير 2019

الشباب والعيش معا

الشباب والعيش معا


    جرت بين يومي 26 و 31 ديسمبر 2018، فعاليات ملتقى ومؤتمر دولي بمرسية بإسبانيا، عنون بـ "الأندلس أرض العيش معا، بين الخيال والحقيقة". استفاد الشباب بحصة الأسد من نشاطات الملتقى، الذي حضره بقوة، من أوروبا وشمال أفريقيا وكندا، لتخصيب الفكر والقريحة، واكتساب أدوات عملية، لتنشيط معامل العيش معا، وبث مفاعلات السلام بين الخليقة. وتلقى شبابنا تكوينا مفيدا، أطّره أساتذة متمرسين ومربين ذوي خبرة في الميدان، في الفترة الممتدة بين 26 و 30 ديسمبر 2018. في ختام الدورة انعقدت ندوة دولية، يومي 30 و 31 ديسمبر بفندق لاس قافيوتاس بمرسية، حضرته جموع من مختلف بقاع العالم، وعلى الخصوص، أعضاء جمعية عيسى الدولية، المنتشرة فروعها في دول عديدة.


    جاءت في تغريدة الشيخ خالد بن تونس، في صفحته الرسمية بالفايسبوك "بمناسبة الذكرى 800 لميلاد الشيخ الصوفي الكبير أبو العباس المرسي (1219 -1287)، بمدينة مرسية (إسبانيا)، تنظم الجمعية الدولية الصوفية العلاوية، عيسى الدولية، مؤتمرها الثالث، المكرس للعيش معا، تحت شعار 'الأندلس، أرض العيش معا، بين الخيال والحقيقة".(1)  

التعايش الأندلسي
    قال الشيخ خالد بن تونس في محاضرة "أنوار الأندلس"، في لوزان السويسرية "... أنتجت حضارة الأندلس كائنات استثنائية. لدى شبابنا انطباع، أن الأندلس كانت لسبعة قرون، مسرحا لحروب ومجازر ومعارك، لا تنتهي، ونحكي لهم قليلا، عن ذلك التناضح، وذلك التناغم..."(2)

ويضيف "من خلال هذا النور الساطع من الأندلس، الذي يصفه البعض بالأسطورة، كيف يمكننا إيضاح ذلك، والخروج من المأزق، في هذا القرن الواحد والعشرين؟ مأزرق يعلق فيه عالم، يبحث اليوم عن مستقبله. هل سنتوجه إلى عالم، نبحث فيه عن تآزر؟ وهل فهمنا أن الحقيقة ليست حصرية على أحد، وأن كلٍ يملك جزءا، ولا أحد يملك كل شيئ؟ هل لدينا الشجاعة اليوم لتجميع الأطراف، سواء أكانت، تلك الديانات التوحيدية أو الهندوسية أو البوذية أو أيا كان، للرجوع إلى مفهوم الإنساني هذا؟ رغم ذلك، فهذا التعايش، وهذا العيش معا، كان موجودا حقا، وليس خرافة. فكيف يمكن إعادة إحياءه في عصرنا؟"(2)

نشرة "الأندلس أرض العيش معا، بين الخيال والحقيقة".


     وجاء في نشرية التنظيم "إن هذا المؤتمر السنوي، الذي ينظم تحت رعاية الشيخ خالد بن تونس، هو فرصة لإعادة النظر في تاريخ العيش معا في أرض الأندلس، في العصور الوسطى، الذي ليزال شبه مغمور لدى الشباب. وسيسمح من تتبع التاريخ، ومعرفة حياة أطفال مشهورين من أرض الأندلس، وكذا فتح نقاش حول الممارسات البيدينية، وما بين الثقافات، التي سادت في ذلك العصر. بعيدا عن التعبير المجرد، المفرط فيه، في أيامنا هذه، ضل العيش معا، بين مختلف المجتمعات الثقافية والعقدية، حقيقة ملموسة، غنية بالتعاليم، لقرون عديدة.

    يبقى نقل هذا التراث التاريخي إلى الأجيال الشابة على الخصوص، ضرورة لا غنى عنها، في حقبة تهيمن عليها الخطابات الأيديولوجية من جميع الجوانب، تحرض على العنف، ورفض الآخر. وسيسمح لهم بإذكاء الروح، والترتيبات العملية للعيش معا الأندلسي، والإستلهام من هذه المعايير التاريخية، واستخلاص حلول تعني المواطنة، للمضي قدما، وبناء عالم أفضل"(3).

الملتقى الشباني
     يولي هذا المؤتمر، أهمية خاصة بالشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و 21 سنة، ويعقد ملتقاهم بمرسية. في ظل التغيير المتسارع الذي يعرفه العالم، وكذا أزمات الهوية ومعضلة الهجرة، التي يمكن أن تغذي وتفاقم الخصومات والمخاوف، سيعمل الشباب في جو ملؤه الأمل الأخوي المتقاسم، يقوي عزائمهم، من أجل استتاب المصالحة بين العائلة الإنسانية، وتعزيز العيش معا في سلام.

    "في البرنامج، تم إدراج نشاطات مختلفة ذات طابع تربوي، اقترحت على شكل ورش تفاعلية، وعروض ومناقشات، وأنشطة ثقافية وفنية. وقع الإختيار على ورشتين. ستراجع ورشة "الأندلس، أو الإسلام الأوروبي"، تاريخ الأندلس، الذي أصبح تحت الحكم العربي الإسلامي، مكانا رفيعا للثقافة، والمعرفة والمعايشة السلمية، في حضن أوروبا القرون الوسطى. وتسلط الضوء على مبادئ وقيم هذا العصر الذهبي، ذو التعددية الثقافية، والتسامح الديني، الذي سمح لليهود والمسيحيين والمسلمين، أن يعيشوا في وئام جيد. ويشجع الشباب على اكتساب، أو حتى المشاركة في دراسة هذا الإرث الأندلسي، للنظر في عيش معا وتشييده، يكون متواءم مع أرض الواقع، وتتعايش فيه مجتمعات متنوعة، دينية ولا دينية".(3)

    "وتساعد ورشة العمل "الإعلام والإتصالات ورسالة العيش معا"، على فهم العالم الحديث، ووسائل الإعلام والتقنيات الكائنة، حتى نحسن التبليغ، في تعزيز العيش معا في سلام. وتشجع على التخلي عن الدور السلبي، لمستهلك المعلومة، لصالح دور المواطن الاستباقي والمسؤول، ودعوته ليكون حذر ويقظ، اتجاه المعلومات الواردة، ويستبين بين التي تحتَرم متطلبات الأخلاق، وبين الأخبار الزائفة، ونظرية المؤامرة".(3)

   "في نهاية هذه الأيام الثلاثة، بدأ المتكونون الشباب، يتلاءمون مع هذا التراث الأندلسي، ويفكرون في بناء عيشٍ معًا، يتكيف مع واقعهم على أرض الواقع. إن تقنيات التواصل التي قدمت إليهم، ستمكنهم من تعزيز العيش معا في سلام، على أساس مساهمات التصوف"(4). وذلك قبل أن يختم الملتقى في يومه الرابع، وتقديم الشباب لمختلف تقارير الورشات، التي أقاموها بتجمعاتهم وانتهاههم والجهذ المبذول، تحت تأطير أساتذة مختصين.

    أُخذ الشباب المشارك في الملتقى، في رحلة استكشافية لبعض معالم تلك الحضارة المرموقة، فتمكن يوم 29 ديسمبر من زيارة مدينة غرناطة، والتعرف على قصر الحمراء، وشهود تلك المعلمة الخالدة.كما تخلل المؤتمر الدولي عرض عدة معارض، كذلك الذي دشه الخطاط السوري، عاطف دلا، القاطن في مستغانم، وستعود عائدات مبيعاته إلى اللاجئين السوريين. كما سيتمتع الحضور بموشحات موسيقية، تطربه بها فرقة الأمل المستغانمية، وفرقة محلية مرسية.

انطلاقة المؤتمر
    تواصلت الندوة الدولية ليومي 30 و 31 ديسمبر، ببرنامج ثري، كان للشيخ خالد بن تونس، مداخلة، وختمت الإحتفالية بجمع روحي مع نهاية العام.

                جانب من المعرض ويظهر في الصورة، معرض الفنان السوري.

     تم يوم 30 من ديسمبر افتتاح المعرض، وتجول الشيخ في جنباته، رفقة الضيوف والوفود المشاركة، قبل ولووجه قاعة المحاضرات، وابتداء فعاليات الندوة، وقال وهو يهم في تدشينه، "بعد بسم الله الرحمن الرحيم. مرحبا بكم جميعا. بحول الله وقوته، سيفتح اليوم الملتقى الدولي لمنظمة عيسى، بحول الله وقوته وبإرادته، بجمع قلوبنا وأرواحنا، لما فيه الفائدة للجميع. التواصل والتعهد على العمل المشترك، الذي ينفع الإنسانية كافة". وأضاف "نعلن أن المؤتمر الدولي لعيسى لسنة 2018 مفتتح، لعلنا نختم جميعنا هذه السنة، ونبتدئ السنة الجديدة، بجمع القلوب والإرادات، حتى تلتقي الإنسانية وتتصالح، من أجل الصالح العام، وحتى يعيش أبنائنا وأحفادنا، في عالم متقلد بمزيد من العدالة والكرامة والإخاء والمحبة والتعاون. وندعو الله أن يسمع هذا النداء المعلن اليوم، من طرف أكبر عدد. بارك الله فيكم، وجزاكم الله عنا خيرا، وشكرا لكم ولكنّ جميعا على المشاركة في هذا اللقاء، وعلى الخصوص شبابنا، أمل الغد، حتى يتمكنون من بناء مستقبلهم، الواحد مع الآخر، وليس الواحد ضد الآخر".

     وهو يتأمل في مجمل جماليات المعروضات، قال شارحا غرضه "إنه يتعقب شيئ ما تاريخ الخيال والحقيقة، لتلك الأندلس السعيدة التي نسيناها، ونحاول اليوم جمعه، وربط الصلات لتحصينه، ونقل هذه الرسالة إلى أبنائنا، والإظهار أن مجتمع العيش معا، كان موجودا قبلنا، وأننا فقط نسيناه، وينبغي استرجاع الذاكرة. إذن استرجعوا".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). صفحة الشيخ خالد بن تونس، بالفايسبوك، في 22 12 2018.
(2). محاضرة الشيخ خالد بن تونس "أنوار الأندلس"، في لوزان السويسرية، 19 04 2018.
(3). من الملف الإعلامي للمؤتمر.
(4). صفحة عيسى الدولية بالفايسبوك، يوم 30 12 2018.