الأربعاء، 4 سبتمبر 2019

العيش معا في السلام: التحديات والتوقعات

العيش معا في السلام: التحديات والتوقعات

    في سنة 2015، اجتمع أكثر من عشرين رئيس بلدية، من مناطق شتى من العالم بمدينة مونتريال الكندية، وعبروا عن احتياجهم لتبادل التجارب حول التحديات المتعلقة حول التماسك الإجتماعي، وسلامة المجتمعات، في سياق العولمة. خلصت نتائج مشاوراتهم إلى إعلان نداء مونتريال حول العيش معا، وإلتزام لخلق أفضل السياسات  للحياة الحضرية. وفي تلك القمة تم تأسيس المرصد الدولي لرؤساء بلديات العيش معا، وهو مرصد يضم عدد من رؤساء بلديات العالم.

    إحتضنت الطبعة الثانية مدينة دوسلدورف الألمانية، وجرت القمة من 30 أوت إلى 01 سبتمبر 2019، وضمت 28 رئيس بلدية، جاءوا من مناطق شتى من العالم، لمناقشة القضايا الرئيسية المرتبطة بالعيش معًا في المدن. وكما قال رئيس بلدية دوسلدورف "دعي ممثلي العالم بأسره، لإيجاد حلول محلية لمشاكل عالمية".

      شارك الشيخ خالد بن تونس في القمة، ومثله بشكل رسمي في هذا المؤتمر السيد توفيق حرتيت، عضو مجلس إدارة المنظمة غير الحكومية عيسى، الذي قرأ خطابه الرسمي أمام المؤتمر. وإليكم الكلمة.

ـــــــــــــــــــــــــــ

    بعد ما مرت خمسين سنة على السير على سطح القمر، فقد حان الوقت ليسير الواحد نحو الآخر. لقد حان الوقت لمصالحة الأسرة البشرية. لاتخاذ خطوة في الاتجاه الحقيقي:

 -  اتجاه أخوة عالمية حقيقية، حيث يجد كل فرد، من الإناث والذكور، مكانه بشكل كامل في المجتمع البشري.

 -  اتجاه سلام دائم مع نفسه وجيرانه، القريبين أو البعيدين، وكذلك مع الأرض التي تحملنا وتغذينا. ومن الملح اليوم، أن تنهض البشرية وتعلن رفضها وتبدي رعبها، لجميع أولئك الذين لأسباب سياسية أو اقتصادية، يدعمون ويغذون الصراعات المدمرة في العالم. من الضروري أن ندرك أن مصيرنا يرتبط بحماية جميع المخلوقات على كوكبنا، وهذا يجبرنا على العمل من خلال تعزيز روابط العيش معا.

كيف ؟
    عن طريق تحويل هذا المفهوم إلى أفعال، بحيث يصبح حقيقة مشتركة ومنشورة ومُدرَّسة. وبالتالي، سيتم ابتكار العيش معاً في سلام يوميا، يستوحى من تجارب الآخرين، بتجربة أعمال جديدة ومشاريع جديدة. إنها طريقة أخرى لرؤية العالم وتصوره. وإنه نداء إلى الجميع، من الإناث والذكور، مواطني العالم، والزعماء السياسيين والدينيين، والدول، والمؤسسات الدولية، على أن تختار من باب التغيير وإلى الأبد، في أي مكان وفي أي زمان، السلام والكرامة لكل إنسان، ولكل كائن حي. وإن البديل أمر ممكن إذا شارك الجميع، وإذا الجميع تصرف بصدق.


ما هو العيش معا

 -مهمة للتحديات العالمية، وضرورة بالنسبة لنا وللأجيال القادمة.
 -القيام بمواءمة أرصدتنا وسلطاتنا ومعرفتنا وتحصيلنا وإراداتنا.
 -الاستثمار سويًا في مشروع: بناء دار السلام، الذي أسسه، هي في المقام الأول ثقافة السلام.
 -تعزيز إشراك المواطنين في مدننا وبلداننا، ورؤية مشتركة لوحدة المصير، وتمكين مؤسساتنا من الانضمام إلى حركة معترف بها محليا ووطنيا ودوليا.
 - العمل بالتآزر من خلال إجراءات ملموسة، من أجل انشراح الجميع، مع الاحترام المتبادل للاختلافات.
- الاستثمار في التنمية المستدامة، من خلال اقتصاد تضامني، يأخذ في الاعتبار احتياجات المحرومين، من أجل رفاه الجميع.


تحديات العيش معا في سلام

    تتمثل تحديات العيش معا في سلام فيما يلي:

- تعزيز القيم الأساسية التي يطمح إليها جزء كبير من البشرية، وهي التعددية والإنصاف والعدالة وقدسية الحياة واحترام البيئة والحفاظ على الأنواع.
- إن منع التطرف والإرهاب اللذين يرتعان على أرضية الظلم واللامساواة، يعني التعامل مع هذه الأقضية برؤية أخرى، غير النهج الأمني.
- إعطاء روح للعولمة، وضمان الحفاظ على جوهر الكائن: فضائله وجوده. وإن مستقبله يعتمد عليه.
- توفير تعليم يحافظ على ثراء التنوع الثقافي للروابط الاجتماعية، من أجل "عيش معا أفضل"، يصالح بين مجموع الحي.
- تجنب الصراعات باللجوء إلى الوساطة الوقائية والتصالحية.


أتيحت فرصة: اليوم الدولي للعيش معاً في سلام

    في الثامن من ديسمبر سنة 2017، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم الدولي للعيش معاً في سلام، بإجماع 193 دولة عضو، من خلال قرارها  A/RES/72/130. يتم الإحتفال بهدا اليوم، الذي صدر بناءا على مبادرة من الشيخ خالد بن تونس، الرئيس الشرفي للجمعية الدولية الصوفية العلاوية، المنظمة غير الحكومية الدولية، المسماة عيسى؛ في 16 مايو من كل سنة.


معنى هذا اليوم

    لا، ليس هذا يوم دولي آخر ينظم إلى تعداد الأيام الدولية. إنما هو فرصة حقيقية، في عالم يمر بأزمة، فيتّحد ويبني مجتمع العيش معا والعمل معا.

    يمثل اليوم الدولي للعيش معاً في سلام، لحظة لمّ الشمل ولقاء، حيث "نجتمع معاً دون أن نتشابه"، لحظة فرح ومشاركة ثراء اختلافاتنا. وبالفعل، فإن الرغبة في فرض المثل العليا وقيم حضارة واحدة وقوة واحدة على بقية العالم، يؤدي بنا إلى حصول خراب جميع الثقافات، فلأن الثقافات، بحكم تعريفها، تحمل في طياتها شهادة وإرث جميع جوانب تنوع الحضارة الإنسانية، منذ فجر الإنسانية إلى أيامنا هذه. وإن الرغبة في معارضتها أو الحد منها، يؤدي بنا إلى الإنكار أنها على مر التاريخ، خصبت بعضها البعض. بل على العكس من ذلك، ينبغي الإضطلاع بكل شيئ،  حتى تتبقى لنا، ونقوم بتبيين أن تنوعها العقدي والثقافي والفلسفي والذِواقي والمعماري والروحي، ليس سوى جوانب متعددة لبشرية واحدة وجمعاء. وإن إنكار ذلك هو الموت المحتم لقيم الأجداد، التي تفتقت بها عبقرية الإنسان.


أهداف اليوم الدولي للعيش معا في سلام

إن من أهداف اليوم الدولي للعيش معا في سلام، ما يلي:

- تسمية عاصمة للعيش معا في سلام، في كل سنة أو سنتين، كما كانت قرطبة في إسبانيا،
 في صيف 2019، وتشجيع انضمام المدن إلى المرصد الدولي لرؤساء بلديات العيش معاً.
-  خلق حافز لحركة مُوحِدة معترف بها دوليا.
-  إنشاء دُور السلام، تلك أماكن الحوار، والوساطة وتعلم الحكمة، تكون في خدمة المصلحة العامة.
- الإدخال في المناهج الدراسية "التربية للسلام"، في التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي، بحلول عام 2030.
- تعزيز حقوق الطبيعة، من أجل تغيير الوعي نحو حماية البيئة.
- تعريف وتطبيق قرار الأمم المتحدة A/RES/72/130 على جميع شعوب البلدان الموقعة عليه.
- إشراك وسائل الإعلام الوطنية والدولية، وكذا الشبكات الاجتماعية، في نشر رسالة اليوم الدولي للعيش معاً في سلام.
- دعوة الدول إلى عقد مؤتمر دولي، لوضع سياسات تفضي إلى العيش معا والسلام، بين جميع مواطني العالم، في السنوات القليلة المقبلة، بالنظر إلى إلحاح الوضع.


الدعم الدولي لليوم الدولي للعيش معا في سلام

مقتطف من إعلان الأمم المتحدة:

1-    تعلن يوم 16 أيار / مايو يوما دوليا للعيش معاً في سلام.
2-    تؤكد أن اليوم الدولي للعيش معاً في سلام، يشكل وسيلة لتعبئة جهود المجتمع الدولي بانتظام، لترويج السلام والتسامح والشمول والتفاهم والتضامن، وفرصة للجميع للإعراب عن الرغبة في العيش والعمل معا، متحدين وسط مظاهر الاختلافات والتنوع، من أجل بناء عالم مستدام، قوامه السلام والتضامن والوئام.
3-    تدعو جميع الدول الأعضاء، ومؤسسات منظومة الأمم المتحدة، وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية والمجتمع المدني، بما يشمل المنظمات غير الحكومية والأفراد، إلى الاحتفال باليوم الدولي للعيش معا في سلام، وفقا للثقافة السائدة أو غيرها من الظروف أو الأعراف في مجتمعاتها المحلية أو الوطنية أو الإقليمية، بطرق منها التثقيف والاضطلاع بأنشطة، بهدف توعية الجمهور.

مقتطف من الاجتماع الوزاري لدول عدم الانحياز- 21 يوليو 2019

    شدد الاجتماع الوزاري، للمكتب التنسيقي لحركة دول عدم الانحياز، الذي يجمع 120 دولة، في كاراكاس، في يوليو 2019؛ على الأهمية التي توليها الدول الأعضاء في المنظمة، لتعزيز العيش معا:

    "رحب الوزراء باعتماد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 72/130، المؤرخ في 8 ديسمبر 2017 الذي قدمته الجزائر، والذي يعلن يوم 16 مايو / أيار، اليوم الدولي للعيش معاً في سلام، والذي يهدف إلى تعزيز السلام والتسامح والشمول والتفاهم والتضامن.

    ينبغي للدول الأعضاء في حركة عدم الانحياز، أن تواصل تعزيز المصالحة من أجل المساهمة في السلام والتنمية المستدامة، ولا سيما عن طريق العمل مع المجتمعات المحلية والزعماء الدينيين والجهات الفاعلة الأخرى ذات الصلة، من خلال إجراءات المصالحة وأعمال الخدمة، وتشجيع المغفرة والرحمة بين الأفراد".

    من بين التأييدات العديدة لليوم الدولي للعيش معا في سلام، ما أبداه البابا، وإنه مقتسم على الشبكات الاجتماعية، حيث "يرحب بالمبادرة، التي تسمح ببناء الجسور بين الناس، داخل احترام اختلافاتهم، وتعزز ظهور إخاء عالمي حقيقي وحضارة المحبة".


مرصد رؤساء بلديات العيش معا

     في 16 مايو الفائت، كان المرصد في قلب الاحتفالات باليوم الدولي للعيش معا في سلام، لا سيما من خلال حدث تم تنظيمه في اليونسكو.

    نشكر رئيس بلدية مدينة دوسلدورف، على استضافته هذه السنة للقمة الدولية الثانية لرؤساء بلديات العيش معاً، وكذا جميع أعضاء المرصد على الجهود الرامية إلى تعزيز العيش معا، واليوم الدولي للعيش معا في سلام، ونهنئ جميع رؤساء بلديات المدن الموقعة على إعلان دوسلدورف.


مقتطف من إعلان دوسلدورف، حرر من قبل أعضاء المرصد - 31 أغسطس 2019

    جاء التأكيد على "القيام بتعزيز اليوم الدولي للعيش معاً في سلام، الذي ينعقد كل 16 مايو. سيخصص المرصد الدولي لرؤساء البلديات حول العيش معاً ، بالتعاون مع منظمي هذا اليوم الدولي، عاصمة للعيش معاً، مدينة تُسمي كل عام، لاستضافة النشاط الرئيسي لاحتفالات اليوم العالمي".


الشيخ خالد بن تونس
الرئيس الشرفي للجمعية الدولية الصوفية العلاوية.



الجمعة، 5 يوليو 2019

امتلاك الجرأة والإستثمار في تربية السلام

امتلاك الجرأة والإستثمار في تربية السلام
هل الحوار بين الأديان متوقف؟

     نظم نادي الصحافة السويسري، يوم 26 06 2019، ندوته الدورية بجنيف، وأعطى لها هذه المرة، عنوان "هل الحوار بين الأديان متوقف؟". دعي إليها الشيخ خالد بن تونس، ومجموعة من رواد الحوار الديني. جامعته هذه المحاورة بكل من سعادة رئيس الأساقفة إيفان يوركوفيتش، السفير البابوي، المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، والسيدة القس كارولينا كوستا، والحاخام فرانسوا جارا، والصحفية السيدة لويزا بالين، الذين ساهموا بمداخلاتهم وأثروا هذه المقابلة. منح للجمهور الفرصة لطرح الأسئلة، وتخصيب الحوار.


    بعدما أعطت له الكلمة، واجهته الصحفية بالسؤال، هل الحوار البيديني متوقف أو لا يزال مستمر؟ قال الشيخ خالد بن تونس، مقدما نبذة قصيرة عن عمله البيديني، ومقدما شروحا عن بعض جوانب مجرى مسعى الحوار، فقال مبتدئا.

   "سيداتي سادتي صباح الخير. سعادتك.

   أنا سعيد لوجودي معكم، ولأتمكن من التعبير مع آخرين، في الإتجاه الذي ما للحوار البيديني من الأهمية. شاركت منذ مدة طويلة، وقاسمت مع أشخاص عديدين من ديانات مختلفة، ما نسميه الحوار البيديني، بداية من أسيزي، منذ سنة 1986(1). يبدو أن في أيامنا هذه، الحوار البيديني، أو الفكرة التي لدينا عن الحوار في سنوات نهاية القرن العشرين، لا تستجيب إطلاقا لاحتياجات إنسانية اليوم.

    إن اليوم لا ينقصنا الحوار، لقد تحاورنا كثيرا، وإنما هو الإنتقال إلى المصالحة وإعادة الإعتبار لهذه الإنسانية. مَن نحن في الحقيقة؟ هل نحن إنسانيات، بالجمع، أو إنسانية واحدة؟ فهذا هو التساؤل، برأيي، الذي يفرض نفسه. إذ كيف نصالح بين العائلة الإنسانية في تنوعها، مع احترام الإختلافات؟ قال سعادته أننا نفتقر إلى الأفكار، وأعتقد أنه لدينا الكثير منها، وإنما نفتقد إلى الجرأة".

    ثم أخذ يكشف عن وجه من وجوه الجرأة، وما تقدمه من ثمار. حيث أضاف "حاولنا منذ سنة 2014 مع الأمم المتحدة تقرير هذا اليوم، المسمى باليوم الدولي للعيش معا في سلام. في البداية كان فعليا طوباويا، أمر لا يُصدق، عند استقبالنا بالأمم المتحدة، سواءا في الأمانة العامة أو في المهمات التي تخص الدول. قابلونا بابتسامة عريضة، وقاموا بإفهامنا أن شأن الأمم المتحدة أمر جدي، وأن هذه الفكرة معطاءة، والأيام يوجد منها الكثير، حتى يوما للبطاطس. كيف هو ضمير الذين يمثلون الإنسانية، وكيف هو الضمير السياسي للذي يمثلها؟

    ورغم ذلك، بعد مرور أربع سنوات، وفي الثامن من ديسمبر 2017، تم تبنيها بالإجماع من طرف الدول 193، وهذا ما لم نكن ننتظره أصلا. أقول أننا انتقلنا من طوباوية إلى واقع يتخطى كل الآمال. عندما نمتلك الجرأة.. والمسألة هي أن على المجتمع المدني أن يتحرك، وينبغي عليه أن يعبر، ويجب عليه أن يطالب، وهي ليست من اختصاص أهل السياسة، ليس افتقارا للكفاءة أو الوسائل، وإنما أهل السياسة، برأيي وحسب ما أراه، محتجزين في نظام يمنعهم، نظام مصالح ورأسمالي، نظام ذو مصالح خصوصية ومالية واقتصادية، وغير ذلك. ينبغي على المجتمع المدني والإنساني أن يعبر ويطالب بهذه المصالحة لأفرادها، حتى نتمكن من رؤية الإنسانية كبدن، تجمع أعضاءه، كل بلد وشعب وتقليد وفلسفة، وكل مؤمن وغير مؤمن، ويجد كل فرد مكانته. وهذا يشكل ضميرا جديدا. لبلوغ هذا، يجب توفير وسائل".

    ثم قدم الشيخ خالد بن تونس مثالا ثانيا عن الإقدام في العمل، فذكّر بندوة الرياضيات والعيش معا، وهي الدورة الـ 70 لمؤتمر اللجنة الدولية لدراسة وتحسين وتعليم الرياضيات، التي جرت الصائفة الفائتة في مستغانم، وجاءها رياضيي من جميع أنحاء العالم. وجرت من 15 إلى 19 جويلية 2018، بجامعة مستغانم، تحت عنوان"الرياضيات والعيش معا، عملية اجتماعية ومبدأ تربوي"، وشارك في تنظيمها إضافة إلى تلك اللجنة الدولية الموسومة، كل من المؤسسة المتوسطية للتنمية المستدامة "جنة العارف"، والمنظمة الدولية، غير الحكومية "عيسى"، وجامعة مستغانم.

     حيث أوضح الشيخ خالد بن تونس "لإعطائكم فكرة، ربما تكون من الأفكار الجنونية، ولا يمنع ذلك من وجودها. مع اللجنة الدولية لدراسة وتحسين وتعليم الرياضيات التي تجمع على كل حال، جلّ الرياضيين في العالم، قمنا برهان، وهو تجريب فكرة "الرياضيات والعيش معا". لماذا وكيف؟ انظروا ماذا صدر؟ 26 جامعة في العالم عملت في ندوة دولية لمدة خمسة عشر يوما. انظروا ماذا صدر؟ (هو مطبوع حوى وقائع أشغال تلك الندوة، وما ضمته من فعاليات مؤتمر مستغانم)(2). تواجد جامعيون أمريكيون وروس وأوروبيون، من ألمانيا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا ومالطا وإسبانيا والبرتغال، وأفريقيا الشمالية والشرق الأوسط وأفريقيا الغربية، وجنوب أفريقيا والبرازيل، إلخ... إنها 26 جامعة، وأدعوكم لقراءته، إنه بالمجان، ومنشور بالموقع الذي سنرشدكم إليه، يمكنكم مطالعته، ونشره من حولكم. "الرياضيات والعيش معا" شيئ يبدو أنه لا يقع على شكله. ورغم ذلك يمكن التكلم رياضيا، وفي الآن نفسه، يمكن الإثبات أن هذا العيش معا حقيقة واقعة، وأيضا تعليم أبنائنا التكلم رياضيا. إنه المنطق المحض. فمن خلال الرياضيات لا يظهر وجود لعقيدة أو فلسفة أو روحانية، ومنها نصل إلى استخلاص النتائج، أن بامكان أبنائنا من ها هنا، التوجه نحو العيش معا في سلام.

    هذا إستثمار، ولكن ينبغي أن يسترعي اهتمام المجتمع بأسره. أتكلم عن المجتمع الإنساني. ففيه تمارين وورشات، ويحوي ثراءا هائلا، يسمح بتغيير الضمائر.. فمهما قلنا، يجب وضع استثمار في الثقافة في التربية للسلام هذه، وإلا سنواصل في التدهور. فالأمر يتعلق بجيل بأكمله. فأينما توجهنا تصادفنا مشكلة. مشكلة الإحتباس الحراري وانقراض الكائنات وتلوث المحيطات، وكل شيئ يترك أثره، يوحي أن الأمور ليست على ما يرام. تعدينا عتبة التسامح. وإذا لم تغير الإنسانية ضميرها، وتتوجه نحو هذه الأخوة، وإذا لم نتخل عن أنانيتنا، ونسعى للتآزر والإجتماع فيما بيننا، بالمعرفة والكفاءات والتكنولوجيا. ينبغي أن يكون كل هذا في خدمة الإنسانية، و ليس العكس. في أيامنا كل هذا يقبع في خدمة المال. إذن ينبغي علينا تكييف طريقة إدارتنا وطريقة تحاورنا، وطريقة رؤيتنا لما هو إنساني. الإنساني ليس ذكرا أو أنثى، إنه الكائن كيفما كان. نحن نتمتع بتساوي في الكرامة، وعدالة للجميع، وتضامن بين الجميع. في رأيي هذه هي المسألة التي تفرض نفسها علينا".

    "عدتُ من ألمانيا منذ ثلاثة أيام". حيث أجريت فعاليات يوم الكنيسة الألمانية، من 19 إلى 23 يونيو الفائت، بمدينة دورتموند، وهو حدث مهرجاني، شاركت فيه المستشارة الألمانية، والعديد من الوزراء الفيدراليين. أضاف "كنا في مدينة دورتموند، وملعب المدينة يتسع لمائة ألف شخص، وكان الثلثان من الشباب. إلتقوا. ألقيت محاضرة في إطار يوم الكنيسة البروتستان بألمانيا، وحضرت بالفعل السيدة ميركل، والعديد من الوزراء، منهم وزريرة التربية ووزيرالداخلية. ذلك لأقول لكم أن بعض الدول بدأت تأخذ الأمور بعين الإعتبار. وهو ما أتمناه".

    "إذا لم نقم به، فسيتظاهر شباننا في الشوارع. إنهم يطالبون بمعنى للأمور، وأن نحفظ مستقبلهم، ويستفسروننا عن إدارتنا، ونحن شرعا مسؤولين عن ذلك أمامهم وأمام التاريخ. (ما الفرق) بين الجامع والحصري؟ في الحصري، لانستطيع منع شخص من التصرف في ممتلكاته (عائلتي)، وتوجد أمور، هي جامعة (أرضنا وسمائنا ومحيطنا)، فهذه الأشياء نتقاسمها معا. لا وجود لحدود. إذن ينبغي تواجد توازن، وحمل تربية السلام هذه، والخروج من هذه الأفقية، التي تقود سوى إلى التطور على مستوى واحد، والتحول نحو هذه العمودية، التي هي بالنسبة لي، مكونة من قيم. ماهي القيم التي تجمع الإنسانية؟ ما هي قيمنا، سواء كنا دينيين أو لا دينيين؟ ماهي القيم التي تجمع اليهودية والمسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية، وماهي القيم التي تجمع الجميع، بدون إستثناء؟ إذن يتعلق الأمر بإعادة المعنى لإنسانية اليوم. شكرا جزيلا".

    بعدها فسح المجال للحضور للمشاركة وطرح أسئلتهم، وكانت تتمخض عن دور الحوار البيديني وصيته في المجتمع. قال الشيخ خالد بن تونس مسترسلا في كلامه "هذا النوع من اللقاءات، اجتمعت في الكثير منه، مثلما تكلمت عن أسيزي. احتفلنا بلقاءات من هذا النوع، حتى في روما، بكنيسة سان ايجيديو، ومع ممثلي كل الديانات في العالم. احتفلنا به أيضا في بولونيا، في الفترة التي كانت لتزال شيوعية، في سبتمبر 1989، للإحتفال بذكرى الحرب العالمية الثانية، التي كانت كارثية. ونحن في الجزائر احتفلنا بشيئ فريد من نوعه، وهو تطويب 19 راهب ومؤمن مسيحي، قتلوا في العشرية السوداء، وطوّبوا بحضور ممثلي البابا فرانسوا، وحضر أكثر من 1200 ضيف، جاءوا من مناطق مسيحية أخرى، وكانت هذه المرة الأولى، التي يدخل العديد من الأساقفة ومديري العديد من الأديرة مسجدا، واستقبلهم أئمة ومفاتي. إنها سابقة، وجميعا مسلمين ومسيحيين كاثوليك رومانيين، افتتحوا كنيسة تسمى باسم السيدة مريم، تعلو المدينة، واعتمد بهوها باسم ساحة العيش معا في سلام. لأول مرة في بلد مسلم وعربي، على كل حال، أنا لا أعرف سابقة، لتطويب مسيحيين. إذن، إن هذا ممكن.

    لهذا قلت يجب علينا أن نمتلك الجرأة. وهذا يتطلب عملا فعليا. وبعد عام ونصف العام من العمل مع أسقف وهران، ورئيس الأساقفة بالجزائر العاصمة". بهذا قدم الشيخ خالد بن تونس أمثلة مبينة، فبعد تشكيل الفكرة، تليها الجرأة والإقدام، وبعبارة أخرى القيام بالإستثمار في القضية.

    ثم أوضح "أعتقد أن هذا القرار للأمم المتحدة لليوم الدولي للعيش معا في سلام ساعدنا بشكل كبير. وأرى على سبيل المثال، أن بلدا مثل أثيوبيا أنشأ بفضل هذا اليوم لأول مرة وزارة العيش معا في سلام، وهذه المرة الأولى التي تخلق فيها وزارة تنسب للسلام في بلد في العالم، وهذا أمر عظيم. وفي أوغندا استفادت قبيلتي الهوتو والتوتسي منه من أجل المصالحة فيما بينهما. إن الأمور تتحرك، شيئ لا يمكن إنكاره. وإنني أرى أن الـ 16 مايو، يسترعي إهتمام عدد متزايد من الدول في كل عام. وإن الإستثمار يقوم به دائما المجتمع المدني، وليس أهل السياسة، من ناحية هذا جيد، إذ لا توجد مصالح ولا يستثمر سياسيا، وينبغي علينا أن نعلم أن مثل هذه الأعمال توحّد المجتمع، والذي يعنيه، أن العيش معا يسمح لنا بالإلتقاء والتبادل، والخوض في الأمور ذات الطابع التحريمي، والتصور الذي لدينا عن بعضنا البعض... إن هذه الحصرية للحقيقة، لا نستطيع تجاوزها بالتربية بثقافة السلام ولا بالديني، فالدين بحكم طوره سيحكم لنفسه بامتلاك الحقيقة، وإن تربية للسلام بإمكانها أن تساعدنا، نستطيع أن نقول، أنها تُوحد حقا، وتكون تلك حقيقة متقاسمة. نحن جزء من الحقيقة، ولكننا لا نمتلكها بشكل فردي، فلأنها كبيرة جدا بالنسبة لكل واحد منا. الله أكبر من أي أمة، ولا ينتمي إلى أمة واحدة".  

    وفي رده عن تساؤل حول التطرف قال "تذكرنا مسألة التطرف بأن للحوار البيديني أهمية كبيرة. أنتم ترون أن البابا قام مؤخرا بزيارة إلى الإمارات العربية المتحدة، وخرج نداء على إثرها، وقّعه رفقة شيخ الأزهر، وهذا النداء توبع بنداء مكة المكرمة، أين حضر 1200 عالم ومفتي من العالم الإسلامي، الذين اجتمعوا من أجل تحرير هذا النداء للسلام. دأبهم احترام الديانات الأخرى واحترام الأقليات. والأشياء تتم".

    للعلم قام البابا فرنسيس بزيارة رسمية إلى الإمارات العربية المتحدة، في شهر فبراير 2019، وكان في استقباله شيخ الأزهر المصري، وذلك بصفته رئيس مجلس حكماء المسلمين، تلك الهيئة الإسلامية المستقلة، المؤسسة في جويلية 2014، ومقرها بالعاصمة أبو ظبي.  شهد ختام المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي التوقيع على وثيقة 'الأخوة الإنسانية'، بحضور البابا وشيخ الأزهر. وشهد الجانبان "إطلاق وثيقة الأخوة الإنسانية؛ لتكون إعلانا مشتركا عن نوايا صالحة وصادقة من أجل دعوة كل من يحملون في قلوبهم إيمانا بالله وإيمانا بالأخوة الإنسانية أن يتوحدوا ويعملوا معا من أجل أن تصبح هذه الوثيقة دليلا للأجيال القادمة، يأخذهم إلى ثقافة الاحترام المتبادل، في جو من إدراك النعمة الإلهية الكبرى التي جعلت من الخلق جميعا إخوة"، بحسب وكالة أنباء الإمارات.

    وتضمنت الوثيقة "هدف الأديان الأول والأهم هو الإيمان بالله وعبادته، وحث جميع البشر على الإيمان بأن هذا الكون يعتمد على إله يحكمه، هو الخالق الذي أوجدنا بحكمة إلهية، وأعطانا هبة الحياة لنحافظ عليها، هبة لا يحق لأي إنسان أن ينزعها أو يهددها أو يتصرف بها كما يشاء، بل على الجميع المحافظة عليها منذ بدايتها وحتى نهايتها الطبيعية، لذا ندين كل الممارسات التي تهدد الحياة؛ كالإبادة الجماعية، والعمليات الإرهابية، والتهجير القسري، والمتاجرة بالأعضاء البشرية، والإجهاض، وما يطلق عليه الموت /اللا/ رحيم، والسياسات التي تشجعها". وللإطلاع على وثيقة مكة وقراءة موضوعنا في المسألة اضغط هنا.

    ثم عرج الشيخ خالد بن تونس إلى الدور الإعلامي الهدام، فمثل هذه المواضيع التي تثلج القلب وتدخل السرور وتبشر بمفاتيح أمل، لا تجد لها مبلغا يوصلها للجمهور الواسع، فأشار "إنه لأمر مؤسف، فالصحافة لا تخصه سوى بصدى قليل. وإن الأثير الإعلامي في العالم عائق كبير. والأمر الثاني، ودائما حسب رأيي، هو أن هذه المبادرات التي اتخذت من طرف مسؤولين دينيين، لها بالتأكيد صدى على الجميع، وأما عند المتطرفين من أي جماعة كانت، فإننا لا نعلم. إنها متواجدة وستواصل التواجد فيما بيننا. وهذا يطرح السؤال التالي، أنه ينبغي علينا امتلاك الجرأة والإستثمار في السلام. وإن سبب إيجاد الحرب هو وجود مؤسسات تكوّن أشخاص من أجل الحرب، واستراتيجيات وأكاديميات حربية. أنا آسف لا توجد أكاديمية للسلام. قلنا أنه منذ سنين والأمم المتحدة تعدنا بأكاديمية للسلام. لا أعلم كم وجد من مشروع، وأحد المشاريع كاد يثمر، وهو مشروع كوستاريكا، للرئيس الأسبق الكوستاريكي، الذي وهب قطعة أرض بالعاصمة سان جوزي، ولم ير المشروع النور أبدا. قولوا لي هل تعرفون جامعات بها كراسي للسلام؟ قولوا لي؟ أنا لا أعرف. هنا تكمن المشكلة..".

    واعتبر أن "للتطرف أسباب وجوده". ثم قدم مقارنة "كيف أنفقت 17000 مليار دولار، وهي كلفة العنف في العالم، وتمثل 13.64 % من الإقتصاد العالمي. رقم هائل. وفي الجهة الأخرى، ماذا استثمرنا"؟

    وأردف "يوجد الفقر ودول على حافة الإنحراف. انظروا ماذا يحدث في حوض البحر الأبيض المتوسط؟ لم يعد هناك وجود لسوريا والعراق وأفغانستان واليمن وليبيا، وكل دول الساحل مضطربة، من الشرق إلى الغرب. كل هذا من أجل ماذا؟ ما الذي يوجد وراءه؟ ما هي الأهداف وما هي التحديات؟ نحن بحاجة من أي وقت مضى للسلام، وإلا ستأخذ هذه الدوامة كل شيئ. وماذا عن الهجرة بالنسبة للذين طردوا من بيوتهم وأراضيهم، أين تريدون أن يذهبوا؟ يتفادون الموت، وبحر الأبيض المتوسط أصبح مقبرة. أين تريدون أن يذهبوا؟ لهم الحق في الحياة".

    وختم الشيخ خالد بن تونس قائلا "إن الإستثمار في السلام هو الأكثر أهمية. ويسمح هذا الحوار بصفتكم دينيين بتوسيع نطاق السلام فيما بيننا، وبالنسبة لي، فإنه أولى الأوليات".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). اجتماعات أسيزي، هي سلسلة من الاجتماعات بين الأديان، بدأها البابا، يوحنا بولس الثاني في عام 1986، عقدت في مدينة أسيزي في إيطاليا. وكان الاجتماع الأول، من أجل اليوم العالمي للصلاة، في 27 أكتوبر 1986. ومن ذلك اليوم تقصد كل عام هذه المدينة للصلاة.
(2). رابط المطبوع اضغط هنا.

السبت، 15 يونيو 2019

أمل جديد

أمل جديد


    في عالم في أوج تحوره، تسوده الشكوك والظنون، وتعمه الكراهية والتعصب، وأصبح فيه العنف والريبة أمرا عاديا، وإدارة العالم استشرى فيها الفساد، بؤره الإثراء الفاحش والنهب والتبذير، الذي يهدد بقاء الإنسان وجميع النظم الإيكولوجية؛ فأي طريق ننتهج؟ وأي سبيل نتبع؟ وأي أمل ينتظر إنسان القرن الواحد والعشرين؟

    بات من الضروري الآن، إيجاد طرق لسلام مصالح بين أفراد الأسرة الإنسانية، مواجهة لهواجس الهوية، التي تسبب قطيعة جديدة بين البشر، على الرغم عنهم، نتيجة انتماء إلى جماعة أو مجتمع أو دين. كل حياة محرمة، بالمعنى الذي، أن لها الحق في الاحترام والكرامة. قال الله تعالى "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا". سورة المائدة، الآية 32

    عندما نقول "لا تفعل للآخر ما لا تريد أن يفعل بك"، من الجيد سماع ذلك، ولكن كم هو الأمر مُتطلب. إن احترام الآخر والحياة، هو احترام الله جل وعلا. إنه إثبات على يقينية انتماءنا إلى الأسرة الإنسانية، والمصير المشترك الذي يتجاوز كل واحد منا. نحن نتلقى هذه الهبة، وننقلها بدورنا. وهكذا تتوالى الأجيال. إن الحياة عالية القيمة، لدرجة أنه ينبغي علينا، أن ننظر إليها بعين الإحرام، فتصبح عندها مصونة. يجب أن يقودنا هذا الإدراك إلى تحقيق التوازن في علاقاتنا مع سلسلة الخلق، التي نحن فيها الحلقة الأخيرة. إنها إشكالية فردية، حيث يمكن لكل فرد أن ينظر في سلوكه وعواطفه، لاكتشاف نوعية العلاقات التي تربطه بهذه السلسلة، وفاءا بالتزاماته، تجاه عالم وجب علينا صونه وحفظه بالفضائل.

    إنها الدعوة إلى الجهاد من أجل إيقاظ الضمير؛ جهاد تربوي، يقدم الأخلاق العالمية، ويطالب بالخير والمبادئ التي تحفظ الإنسانية، حتى لا تنهار إلى قاعدة الفوضى والإضطراب. إنه تعزيز مجتمع مبني على الفضائل وحسن النية والصدق، وإنها الرحمة التي وسعت كل فعل وإنسان مخلصٍ لمبدأ التوحيد. وتذكير لكل كائن بسواسية الناس فيما بينهم، أمام الله عز وجل، حتى تحفظ الصلات غير المرئية التي تؤسس إنسانيتنا.

    اليوم، حجبت فكرة الجهاد الأكبر كلية من طرف المتطرفين. يستند تبشيرهم إلى استراتيجية تسويق منمقة. الهوية هي سمعتهم التجارية، والخوف والعزلة الاجتماعية وسائل عملهم. فهم يترصدون عيوب المجتمع، من البطالة والرفض وكراهية الأجانب والعنصرية والطائفية... ويقومون بتلقين عقيدتهم المنغلقة داخل جماعات أو مجموعات صغيرة منعزلة، مفضلين الإنعزال عن التركيبة الإسلامية في المجتمع، الذي أصبح بالنسبة لهم جاهلا ومنحرفا وكافرا، ويجعلون من جميع البلدان، حتى الإسلامية منها، بلدان كفر وخيانة، ينبغي عليها إعتناق عقيدتهم طوعا أو كرها؛ وهو ما يبرر في نظرهم استخدام العنف الأعمى.

    إن الشيخ العلاوي (1869 - 1934)، الذي يعتبر المجدد الصوفي في القرن العشرين، عندما تعامل مع المشاريع الاجتماعية، لم يدعي كما يدعي البعض، تقديم الإجابات الجاهزة. يعلم أن الإنسان متحد الحقيقة وإن تعددت أفراده، فإن هذه الحقيقة تعمل بالخصوص على تقوية إنسانية الفرد(1). كما يؤكد أن، من لم يشكر الناس لم يشكر الله، ومن زهد في الخلق زهد في الحق. بل أكثر من ذلك، ليس الشأن أن تبالغ في التنزيه بل الشأن أن تعرفه في التشبيه(2). فهو مقتنع بطرح الأسئلة الأساسية، واقتراح سبل الإجابة عليها، والتي تمر عبر اكتساب الفضائل. ثم يعرض الشيخ العلاوي إطارا، يستند إلى نموذج القوانين الإلهية، التي تربط السماء بالأرض، وتربط الشمولية بالتوحيد. فيقول "ثم وقع تخلصه منها بالناطقية، أو تقول بالعقل النظري، وهذا المخلص الوحيد، هو الذي ربطه بالعلويات السماويات، مثل ما فصله عن السفليات المنحطة، ولهذا اعتبر بالقدر المشترك لتنازع الرتبتين، أعني العلوية والسفلية"(1). إلى الرجال المحققين والحكماء، عليكم الإلتزام بملئ الفراغ الوسيط، ونسج ثوب القرن المقبل.

    كما يتجلى الارتباط مع السمو أيضا للإنسان في علاقته بالطبيعة. إن المعادن والنباتات والحيوانات جزء لا يتجزأ من نفسه. فهم بدنه. كيف له ألاّ يحترمهم؟ ربما تكون عقيدة التوحيد ذاك الشيء الزائد، المنتظر، والذي من شأنه أن يؤثر على ضمير الجميع. في أوقات الأزمات، للانتقال من العالم القديم إلى العالم الجديد، فلا بد أن نتجاوزه، وأن نتخلى عن "أنا- نفسي" التي يأسر المحبة والسلام والرحمة الموجودة في قلب الإنسان. وثمة ضرورة ملحة لزرع ونفخ حول أنفسنا، هذا الضمير لـ "النحن"، وهذا الضمير لـ "الجميع". لذلك يجب أن ننتقل من ثقافة "أنا- نفسي" إلى ثقافة العيش معا. لهذه الأخيرة متطلبات مبنية على قيم جديدة، ولهذا السبب نحن في أزمة. يمر هذا التجديد عبر إعادة النظر في أدائنا، وتحرر من معتقداتنا ومُثلنا. إنها مهمة كل شخص، من أجل الصالح العام، صالح المجتمع الإنساني. إن الفرد نتاج الثقافة والتعليم التي يتلقاها في بيئة معينة، والتي من شأنها أن تشكل أفكاره ومعتقداته وعلاقته بالآخرين.

    جاء في الأثر، أن الطفل يولد دون تكييف ثقافي أو ديني أو فلسفي، يولد على الفطرة، خالصا من أي تغيير، كصفحة كتاب بيضاء، تدرج ذاكرته، وفقا للسان والعادات والأعراف، وتبعا لواقع البيئة التي نشأ فيها. فتربية أبويه والمجتمع، هي من ستجعل منه، وفقا لمعايير ثقافته، الشخص البالغ الذي سيصبح. إن الطفل قبل كل شيء، ضمير يتيقظ، ينشرح أو ينغلق، تبعا للطبيعة الفكرية أو الروحانية التي يحصل عليها. فمن المهم أن ينقل إليه القيم النبيلة والعالمية؛ فحماية الضعيف، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام في المجتمع. إنها تعدّ المراهق لإدارة حياته وعلاقاته مع إخوانه، باستقامة وشرف. والقيم الإنسانية هي أساس مجتمع السلام، وعالم يدير الصراعات، دون الإستخدام المستمر لميزان القوى. تسمح هذه القيم بالحصول على ما هو مهم. يقول الفيزيائي الأمريكي جون ويلر "نحن مجرد أطفال، نبحث عن إجابات، وبقدر ما اتسعت جزيرة المعرفة عندنا، اتسعت معها شواطئ الجهل".

    إن المرء الذي تهيمن عليه عواطفه، بحاجة إلى الاعتماد على قيم وأفكار ومفاهيم ودراية فنية وسلوكيات، للعيش في تناغم مع نفسه، ومع الآخرين وبيئته الطبيعية. يمكن أن تكون ثقافة السلام بالنسبة إليه الوسيلة، يبد أنها عملية تَحول فردية وجماعية. وفقًا لتعريف الأمم المتحدة، فإن ثقافة السلام هي مجموعة من القيم والمواقف والسلوكيات وأساليب الحياة، التي ترفض العنف وتمنع الصراع، من خلال مهاجمة جذورها، بالحوار والتفاوض، بين الأفراد والمجموعات والدول(3). من الضروري إدراج تعليم ثقافة السلام، لأنها تربية تيقظ، تسمح بتوجيه طاقة المشاعر، وإخلاء كل أشكال العنف. إن غياب الحوار وتفسير كلمات أو سلوكيات معينة، يثير فينا الغضب، مما يطلق شرارة عملية، قد تؤدي بنا تدريجيا إلى القطيعة، بل وأكثر من ذلك، إلى العنف اللفظي أو البدني. وإن تعلم التحكم في الغضب وإدارته، هو عنصر أساسي في العيش معا في سلام. وتعلم التهدئة، واجتناب الدخول في تروس القدح أو الاتهامات المتبادلة، إذ سينتهي حينها الأمر إلى جرح الكبرياء، والذي ستغتنمه النفس، لنفخ الكِبر، وإن النفس الفخورة لا تذعن لتفاهم، وترد الضربة بالضربة. سننتقل بعد ذلك إلى موقف مختلف، مبيح، حيث يدفعنا الكذب والجناية والخيانة نحو اللامعقول، والإفراط يؤدي أحيانا إلى العنف الشديد. ومن هنا جاءت الحاجة إلى عدم إصدار أحكام متسرعة، والدعوة إلى الصبر، لما لها من الأهمية البالغة.

    أما بالنسبة للوضع الحالي، وأمام ظاهرة الاحتباس الحراري، وضرورة التصدي للكارثة المعلنة، والانقراض المبرمج للأنواع، والحوادث الناجمة عن عدم الاستقرار السياسي والمالي، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، وتفشي اللامساواة والفقر، واقتطاع المعلومات، والأخبار المزيفة، ورفض النخب، وأخيرا تصاعد كراهية الأجانب، والإستخفاف بالعنف؛ كيف نعالج كل هذه المشاكل، التي تخلق جوا، ينهال علينا بوابل من الشكوك واليأس، يظلل سبيلنا ويعتم مستقبلنا؟ لأن عالما جديد ماثل بالفعل أمامنا، لطيف وهادئ ومقنع، عالم نظيف، مرتب رياضيا، دون صدفة أو حلم. نتوجه جميعنا، رغما عنا، بطريقة أو بأخرى، نحو عالم يتغير على المستويات الإقتصادية والمالية والتكنولوجية والعلمية؛ العولمة المدفوعة بخطى قسرية، التي لا تأخذ في الاعتبار أي اختلاف، ولا تحترم أي خصوصية، ككسارة تسحق المادة لاستخراج الخام، والمصلحة هي السلطان، والمعلومات المتلاعب بها، والإفراط في الربح نُصب كعقيدة جديدة، يجب أن تنصاغ لها جميع الدول والشعوب، دون استثناء. إن الاحتكار والفساد المصاحب لها، أفقر الجموع، لصالح طموحات غير محدودة لأقلية متعجرفة. يقول بول فاليري (1932) "لم تجمع أبدا الإنسانية هذا الكم من القوة للكثير من الفوضى، وهذا الكم من المخاوف والألعاب، وهذا الكم من المعرفة والشكوك. في أيامنا، يتم تقاسم القلق والعبث".

    في السنوات القادمة، سيتطور العالم التكنولوجي لدرجة أن الآلات الذكية، هي من ستتكفل بالعمل. ما الذي سيتبقى عندئذ للإنسان، لو أصبح كل جانب من جوانب العمل مؤتمت ومرقمن ومميكن؟ على العموم، هل يعد هذا مشكلة؟ هل نحن مستعدون للتخلي عن نزعتنا الاستهلاكية الحالية؟ على أي حال، سنحتاج إلى ثقافة بديلة، ثقافة سلام، تهدف إلى تحقيق أحسن توازن، بين الإنسان والطبيعة والآلات. ثقافة جامعة، وليست حصرية. بيد أنه إذا واصلنا في رغبة المزيد دوما، وطلب المزيد من الاستهلاك، وذلك بوجود أكثر من عشرة مليارات من الأرضيين في نهاية القرن، إذن فلن يتبقى أمامنا سوى خياران، إما العثور على كوكب آخر، يمكننا استغلال كل شيء فيه بطريقة غير منتهية، وإما المراجعة بطريقة أساسية، سلوكنا وموقفنا في الحياة، كبشر تجاه الآخرين، وتجاه الطبيعة وتجاه نهايتنا. إذا اعتقدنا أنه يوجد طريقا وسطا، يمر عبر التكنولوجيا الذكية، فإننا نخدع أنفسنا، ونخون الأجيال القادمة. الوساطة هي أداة ضرورية لمرافقة الانتقال والتغيير الذي يحدث في عالمنا المعاصر. في الواقع، ما هي الوسائل الأخرى التي تجعلنا اليوم قادرين على إعادة إنشاء الروابط بين الأجيال، في مجتمع معولم متعدد الثقافات؟

    فالوساطة أداة ضرورية لمرافقة التحور والتغييرات التي تطرأ في عالمنا المعاصر. في الواقع، أي وسيلة أخرى نملكها، حتى نستعيد الروابط بين الأجيال، في مجتمع معولم ومتعدد الثقافات؟ فلنصالح بين الأسرة الإنسانية، وإن العمل من أجل رفاهيتها، يعود بالنفع بالرفاهية على العامل نفسه، وعلى أسرته. تهدينا الوساطة إلى كينوناتنا، وإلى المواطنة العالمية، ومدرسة، وطريقة تغذي ثقافة السلام، إذ أن عالمنا بحاجة ماسة إليها. إنها ملاذ وطموح لتوليد ضمير متنامي، من أجل الحوار والخروج من الضبابية، التي نتواجد فيها. إن الحياة حقل تحقيق غير متناهي. سعيد من لا يتوقف عند الأشكال والخطابات العقيمة، التي تقزم من المغامرة الإنسانية، وتجعلها طريق ضيق وشرعي. ولنجهد أنفسنا حتى نستخلص المعني من جوهر الحقائق، التي تكتنف الحياة في جميع مناحيها. سنفهم حينها أن شفاء النفس الفردية ونفس العالم لا يمكن تحقيقه، إلا بوجود طريقة أخرى للعيش، وطروء تغيير في نظرتنا لذواتنا والآخرين والعالم.

    لا يوجد علاج جاهز، يتأتى من تعريف أو تصنيف لمختلف الأمراض، التي تصيب عادة النفس والعقل البشري، نستخلص منه جميع الدروس والممارسات اللازمة، تضمن على وجه اليقين شفاء العليل. يخلق الإنسان معظم الأمراض التي يعاني منها، ويغذيها بشعور أو بدون شعور، بمخاوفه وتخيلاته، وكذلك بأوهامه. كما أنه يجد صعوبة في التصديق، أن رعاية نفسه تعتمد عليه، أكثر مما تعتمد على معالجه. علاوة على ذلك، فهو لا يدرك دائما أن الحقيقة المادية والروحية تنبثق من فعل إبداعي فريد، لا نهاية لتجدده، الذي يبرز على الفور من لا شيئ، بتجلياته المختلفة، من أشكاله الأكثر خشونة إلى الأشكال الأكثر لطفا. يقول الشيخ العلاوي:

     داؤك منـك وما تبصـر       دواؤك فيك وما تشعر
     تحسب أنك جرم صغير     وفيك انطوى العالم الأكبر(4)

    إنه حلم، كما يقول البعض، وطوباوية، ولكن ألا يفرض تحدينا تحويل هذا الحلم إلى حقيقة؟ مهمة ذات تحدي عالمي، وضرورية بالنسبة لنا وللأجيال القادمة. إلتزام موطني، ورؤية مشتركة، وإرادة في العيش معا بشكل أفضل، وأن نعرف بعضنا البعض على نحو أفضل، وأن نعرف أنفسنا، في مدننا وبلداننا ومجتمعاتنا ومؤسساتنا. إن العيش معا تعزيزُ رؤية مشتركة لمجتمعنا المصيري، وتمكين مؤسساتنا من الانضمام إلى حركة معترف بها، محليا ووطنيا ودوليا. إن السعي إلى فرض مُثل وقيم حضارة واحدة وقوة واحدة، على بقية العالم، يقودنا إلى تخريب جميع الثقافات، والثقافات بحكم تعريفها، تحمل في طياتها شهادة وإرث جميع جوانب تنوع الحضارة الإنسانية، منذ فجر الإنسانية إلى يومنا هذا. إن السعي إلى معارضتها أو الحد منها، يؤدي بنا إلى إنكار أنها على مر التاريخ، خصبت بعضها البعض. بل على العكس، يتعين علينا الإضطلاع بها، لإبقائها حية، ونبين أن تنوعها الثقافي والديني والفلسفي والذوقي والمعماري والروحي، ليس سوى أوجه متعددة لإنسانية واحدة وكاملة. أما إنكار ذلك، فهو الموت المؤكد لقيم السابقين، للعبقرية البشرية. إذا كان في نظرنا، للسلام قيمة لا تقدر بثمن، فقد حان الوقت لنخصص له أماكن شاملة في أحيائنا، حيث يكون له الحق في أن يعبر عنه، ويناقش بكل حرية، من أجل ربطه بالاحتياجات الملموسة للمجتمع، الناجمة عن سرعة تطوره في جميع المجالات. فإن أماكن الحوار وتعلم الحكمة، "دور السلام" هذه، هي في خدمة المصلحة العامة، تكسوها أخلاقيات عالمية تدافع عن الحق في الكرامة والاختلاف، بغية التعايش المتناغم لتنوع الأسرة الإنسانية، لقلب مجتمع العيش معا في سلام.

    لقد مرت الإنسانية في تاريخها بالعديد من التجارب، وعرفت الحروب والمجاعات والأمراض، والنبوءات التي تنذر بنهاية العالم، وفي كل مرة في رد فعل من أجل البقاء، عرفت كيف تتصدى وتواجه التحديات. أرى في قرار الأمم المتحدة رقم 130/72، الذي أعلن في 8 ديسمبر 2017، يوم 16 مايو من كل عام، اليوم الدولي للعيش معا في سلام، بإجماع 193 دولة، كبصيص أمل، يذكرنا بجوهر العيش معا والعمل معا. أما بالنسبة لي، مازلت أعتقد، أننا إذا استثمرنا في ثقافة السلام، فإن الإنسانية التي تعيش فينا ستخرج كبيرة ومحصنة، لتكسر دورة العنف، وتعالج في نهاية المطاف الشر الملازم الذي يتتبعنا، في كل مرة نقع في غياهب نسيان الغيب الذي يربطنا. أدعو الجميع للقيام بدورهم لتعليم ونقل الأمل في عالم أفضل، من ذاك الذي يراد فرضه علينا كل صباح، وحيث أن العيش معا والعمل معا يسمحان للأجيال المقبلة ببناء عالم، الواحد فيه مع الآخر وليس الواحد ضد الآخر.


    مختصر لمقال للشيخ خالد بن تونس.


    كما لا يفوتني أن أنوه بعضو مؤسسة جنة العارف الذي خصص لهذا المختصر، ترجمة بالعربية، وكلي شكر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). الأبحاث العلاوية في الفلسفة الإسلامية، للشيخ أحمد ابن مصطفى العلاوي.
(2). حكمه، للشيخ أحمد ابن مصطفى العلاوي.
(3). قرار الأمم المتحدة رقم A/RES/52/13 بشأن ثقافة السلام، والقرار رقم A/53/243  حول إعلان وبرنامج عمل بشأن ثقافة السلام.
(4). من الديوان الشعري للشيخ العلاوي.