الاثنين، 24 سبتمبر 2018

الشيخ خالد بن تونس للصحافة

الشيخ خالد بن تونس للصحافة
تعزيز ثقافة السلام من أجل المصالحة بين الأسرة البشرية

    ولد الشيخ خالد بن تونس، عام 1949 في مستغانم. ومنذ عام 1975، وهو المرشد الروحي للطريقة العلاوية، التي يقع مقرها التاريخي في هذه المدينة. في ريعان شبابه، ذهب للدراسة في أوروبا. وبعد ذلك، أصبحت دار لجوءه، وعلى أساسها، رسم مسار إيمانه وطريق السلام. في عام 1986، شارك في اجتماعات أسيزي (في إيطاليا) بدعوة من البابا يوحنا بولس الثاني، الذي التقى به. في عام 1990، أسس الكشافة الإسلامية الفرنسية. في عام 2001، أنشأ جمعية عيسى (الجمعية الدولية الصوفية العلاوية)، التي هو رئيسها. بعد ذلك بعامين، كان أحد المؤسسين للمجلس الفرنسي للديانة الفرنسية. في عام 2014، صنفت الأمم المتحدة جمعية عيسى،  كمنظمة دولية غير حكومية. في 8 ديسمبر من عام 2017، وبمبادرة منه، اعتمدت الأمم المتحدة، مقترحه حول إنشاء اليوم الدولي للعيش معا في سلام، الذي سيتم الإحتفال به، من الآن وصاعدا، كل 16 ماي.

    كتب الشيخ  بن تونس، وشارك في كتابة العديد من الكتب، منها "الإسلام والغرب: دعوة للعيش معا" بالتعاون مع برونو سولت، إصدار دار Jouvence، عام 2018، و"الأخوة في الميراث: قصة طريقة صوفية"، بالتعاون مع برونو سولت، من ألبين ميشال، سنة 2009. وألّف "التصوف الإرث المشترك، مئوية الطريقة العلاوية" (1909-2009)، من إصدارات زكي بوزيد، سنة 2009، وكتاب "علاج النفس"، من إصدار Koutoubia، سنة 2009، و"القرآن، عيسى واليهودية"، شاركه فيه، جيرالد إسرائيل وألان أوزيو، من إصدار Desclée de Brouwer، عام 2004، و"عِش الإسلام"، من le Relié، سنة 2003، ومن ألبين ميشال، سنة 2006، و"الإنسان باطنيا على ضوء القرآن"، بالتعاون مع برونو سولت، مطبوعات ألبين ميشيل، سنة 1998، و آخر للجيب، سنة 2006. وكتاب "من أجل إسلام السلام"، إصدار Broché، سنة 2002، و"جوقة الأنبياء: عيسى روح الله"، إصدار ألبين ميشال، سنة 1999. وألف "التصوف قلب الإسلام"، بمساهمة برونو ورومانا سولت، ومن تقديم الأب كريستيان ديلورم، من La Table ronde، سنة 1996، وآخر للجيب، سنة 1999، ومن ألبين ميشال، سنة 2014.

    لقد وافق الشيخ خالد بن تونس، على الإجابة عن أسئلتنا.

الصحفي: الشيخ خالد بن تونس، أنت المرشد الروحي للطريقة العلاوية، التي يقع مقرها التاريخي في مدينة مستغانم. أنت مواطن العالم، وتعمل أيضا على الصعيدين الوطني والدولي. كيف تنظر إلى مهمتك، في هذه الأوقات المضطربة والمستبدة، كما أطلق عليها مؤلف مشهور "صراع الحضارات"؟

الشيخ خالد بن تونس: أي رؤية واقعية، تفرض مهاما وأعمالاً في الميدان. إن هدفنا هو تعزيز ثقافة السلام، من أجل المصالحة بين الأسرة البشرية. إنه اختيار وإرادة، مضطلع بهما. وفي مواجهة هذه الأوقات المضطربة، وعصر الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأزمة الهوية، فإنه يفرض على كل واحد منا اتخاذ خيار: ماهي جهة التي ينبغي تأييدها، وسط عالما، يعيش تحورا؟

    إن السعي إلى فرض مبادئ وقيم الثقافة الواحدة، على بقية العالم، سيقودنا إلى خراب جميع الثقافات. لأن الثقافات، بحكم تعريفها، تحمل في طياتها، شهادة وإرث جميع جوانب تنوع الحضارة الإنسانية، من فجر الإنسانية إلى اليوم. وإن السعي إلى ضربها أو تقليصها، يقودنا إلى إنكار، أنها خصبت بعضها البعض، عبر مراحل التاريخ. بل على العكس، يجب علينا أن نفعل كل شيء، من أجل بقائها، وأن نظهر، أن تنوعها العقائدي والثقافي والفلسفي والمعماري والذِواقي، لا يمثل سوى جوانب عديدة، لإنسانية واحدة، وأنها تشكل جسدا واحدا. إن إنكار ذلك، هو الموت المحقق لقيم الأجداد، التي صنعتها العبقرية البشرية. وصراع الحضارات خرافة، وخدعة تغذي الكراهية والرفض، وأسوأ ما يمكن أن يحدث لبشرية، تمر حاليا بتغييرات. في الواقع، إنه ليس سوى صدمة الجهل.

الصحفي: في 8 ديسمبر 2017، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة اقتراحك، لتقرير 16 مايو، وجعله "اليوم الدولي للعيش معا في سلام". لماذا تعتقد أن العمل من أجل السلام بين البشر، هو أمر بالغ الأهمية، وسط العالم الذي نعيش فيه، عالم ظالم وعديم الرحمة، بالنسبة للضعفاء؟

الشيخ خالد بن تونس: لنكن واضحين، وننظر حولنا. ما هي القيم التي ترتكز عليها، دواليب إدارة العالم اليوم. "فنسبة 1 ٪ الأغنى في العالم، تمتلك 82 ٪ من الثروة التي تم إنشاؤها في العام الماضي، والنصف الأكثر فقرا في الإنسانية، لا يستطيع الحصول على كسرة واحدة". المصدر أوكسفام ، تقرير 2017؛ نشر في 22 يناير 2018. في مثل هذا الحال، ماذا يمكن لأي شخص عاقل، أن يقدم لجميع المحرومين من هذا الكوكب؟ فهذا نكران للمعنى الجوهري لإنسانيتنا، وإبقاء على ديمومة مثل هذا النظام غير المتكافئ. ما الذي يبقى، كي نقوم به، باستثناء اللجوء إلى العنف، أو أن نختار بأناة، طريق السلام؟ وأن نستثمر في القيم العالمية التي تؤسسه: العيش معا في سلام، من خلال العدالة، وإعادة توزيع الثروات، والتضامن بين أفراد الأسرة البشرية، وضمان احترام الحق في الكرامة، والأمن لجميع أعضاء هذه العائلة. ومن هنا تظهر الحاجة وضرورة الاستثمار، بطريقة حقيقية وثابتة في ثقافة السلام. إذا تمكنا من الإقناع وبالإجماع، الدول 193 العضوة في الأمم المتحدة، حتى يَرى هذا اليوم للعيش معا في سلام؛ النور، ويصبح حدثا يحتفل به في العديد من الدول، فإن هدفنا هو جعل هذه المبادرة نقطة انطلاق لحدث، آمل أن يُحدث تغييرا في نظرتنا لبعضنا البعض، وتشجيعا لبناء المستقبل، الواحد مع الآخر وليس الواحد ضد الآخر! لا يمكن تحقيق ذلك، إلا إذا تعبئنا لتربية، تعني ثقافة السلام، كي تتحسن الضمائر.

الصحفي: لقد ألقيت محاضرة عن الأمير عبد القادر، لا سيما في قصر مجلس أوروبا، ودار بلدية بروكسل. ماهو الدرس الأبدي، الذي يتم تدريسه للمسلمين وغير المسلمين، و مصير مثل مصير الأمير عبد القادر؟

الشيخ خالد بن تونس: أرضنا خصبة، لإيجادها رجال استثنائيين أمثال الأمير عبد القادر، الذي هو بالنسبة لي، كما للعديد من المؤرخين، إنسانا، كان لمصيره وفكره وعمله، الأثر العميق في القرن التاسع عشر، ويبقى خالدا لدى المفكرين، في التاريخ المعاصر.

    التاريخ موجود لتذكيرنا. هناك شخصيات تجسد بكثافتها وإنسانيتها ومروءتها، أصالة وبراعة جوهر حضارة من الحضارات. إن فهم الإسلام، هو أيضا اكتشاف الحياة وفكر وأعمال، أولئك الذين يمثلون رسالته، على المستوى الأكثر عالمية. إن رجالا، أمثال الأمير عبد القادر، الذي كانت حياته ثرية بالأحداث والتجارب، يوضحون هذه الرؤية وهذا التصور، الذين يكشفان النقاب، عن ثراء خبرة، في الغالب تم إخفائها، بواسطة الأفكار المتلقاة أو المحرمات أو المعرفة السطحية، التي تصف الدين أو العقيدة، بطريقة موحدة.

    فهذا الرجل، في الحقيقة، يثبت لنا، من خلال الصورة والشهادة، التي يعطيها له جميع الدبلوماسيين، أو العسكريين أو الدينيين أو المثقفين الغربيين، الذين اقتربوا منه، أن في مواجهة القوة الوحشية التي واجهها هو وشعبه، كان قادرا على استخلاص القوة من الروح.

    اكتسب الأمير هذه القدرة، بفضل فضائل الإيمان الأنَسي والتقليدي الذي تعلمه. فبِها حقق هذا المصير الإستثنائي، الذي جعله شخصية فريدة. وعمله كان قائما على المحبة وليس الكراهية، و يميل دوما، إلى نيل الأمل والعدالة. كان الأمير يحمل نضاله، نحو قيم الأسوة، حيث يلتقي الشرق والغرب ويتواصلون ويتبادلون، دون التخلي عن هويته، أو الوقوع تحت التأثيرات الفلسفية أو السياسية. كان لديه الجدارة المزدوجة، لفهم أن العالم المتغير، لن يجد خلاصه إلا في التوازن المضروب، بين المادي والروحي، وأن العالم العربي الإسلامي، لا يستطيع أن يتفادى التطور التكنولوجي والسياسي، الذي اكتسبه العالم الغربي. في عام 1886 دعا الإمبراطور العثماني، إلى الإستلهام من أوروبا، في تنظيم الحياة المدنية والسياسية.

    نفهم الإسلام اليوم بشكل جيد، من خلال تاريخ رجال خدموه، أمثال الأمير عبد القادر. كان الخصم الذي لا يعرف الكلل، ضد القوة العالمية الأولى في ذلك الوقت، والدبلوماسي البارز، والأديب والفيلسوف، و بطل معترف به، حتى من طرف خصومه، و صوفي متيم بالحب الإلهي، وكان عبد القادر هو كل ذلك. وهو رجل عمل وتأمل، ترك أثرا راسخا، في تاريخ العلاقات بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

    لكن ما هي المكانة التي يحتلها اليوم، لدى الأجيال الجزائرية الشابة؟ ماذا يعرفون عن حياته وعمله؟ عن أفكاره وأفعاله؟ ألم يحن الوقت اليوم، لنستوحي من هذا الرجل، مثله الأعلى، في تعليم أطفال هذا الوطن، الذي كرس حياته له؟

 الصحفي:  برأيك الشيخ خالد بن تونس، ماهي الواجبات الأولى، التي ينبغي أن يتحلى بها المواطن المسلم، الذي يريد أن يكون وفيا للرسالة العميقة والأبدية لدينه؟

الشيخ خالد بن تونس: لا يمكنني أن أستبين إجابتي، بشكل جيد، إلا بدعوة كل مسلم ومسلمة، أن يفكر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما بادر به، الأنصار والمهاجرين وأهل المدينة المنورة، بغض النظر عن دين هؤلاء الذين رحبوا به، في أولى أيام هجرته(1) ''افشوا السلام، واطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". تحتوي هذه الكلمات السامية، على جوهر الرسالة المحمدية. لو فكرنا ولو قليلا، في القوة الروحية التي تكتنزها، والدينامية التي تولدها، في قلب كل مجتمع، وضعها موضع التنفيذ، فإننا سنفهم، أن الإسلام لم يأتي لتقييد الناس، من خلال النظام الثيوقراطي(2)، ولكن لتغذية النفوس والضمائر بالسلام، والمساعدة المتبادلة، والأخوة الإنسانية، واليقظة الروحية، دون مباهاة أو فخر. ولا يزال هذا النبي صلى الله عليه وسلم، يعطينا أفضل تعريف لماهية المسلم والمسلمة، بقوله "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده"(3). ما الذي يمكن أن نضيفه أكثر، إلى ذلك؟ وإلا فالجميع يوضع أمام مسؤوليته. العمل من أجل خير شعبه، وبلده، ويصبح طلب الرفاه للبشرية جمعاء، واجب مقدس، على كل مواطن ومواطنة.

الصحفي: عندما خرجت الجزائر، من مأساة سنوات 1990، أرادت أن تطرح في الواجهة "إسلام الصوفية"، بهدف مواجهة الأصولية الدينية. في رأيك، ما هي الشروط اللازمة للحصول على مدرسة "إسلام الأنوار" في الجزائر وفي المنطقة المغاربية؟

الشيخ خالد بن تونس: بلدنا ذو المصير الإستثنائي، مرّ بالعديد من الإمتحانات، بما في ذلك العشرية السوداء، التي وصمت الذكريات. ولكن بفضل همة شعبه، استطاع الخروج منها، في كل مرة، بحق مبتليا، وأحيانا مكدوما، ولكن دائما واقفا. وبعد أن كان مختبر للغزو الاستعماري، الذي عتى فيه من التجاوزات الاستبدادية، وعايش الأصولية الدينية المظلمة والمدمرة؛ فإنه يطمح اليوم، إلى الاستمتاع بالكرامة والعدالة والسلام، واحترام كل فرد، رجلا كان أو امرأة، صغيرا أو كبيرا.  هل سنساهم معا، كلٌ على طريقته الخاصة، في منح هذه الفرصة: بناء المستقبل، بعضنا مع البعض، وليس في معارضة بعضنا، ضد البعض الآخر؟ هل سندرك جميعا، أن العيش معا في سلام، بمأن هذا البلد هو صاحب المبادرة؛ هو فرصة لنا جميعا، ضمن تنوع التيارات الفكرية، التي تشكل مجتمعنا؟ هل سندرك أن أي مجتمع أو أمة، هو مثل الجسد الواحد، حيث أن كل عضو، هو على قدم المساواة، و لا يمكننا الاستغناء عنه، ما دام أنه يعمل، من أجل رفاه ووحدة وحرية الآخر؟ لا ندخل في المناقشات العقيمة، ووراء كواليس الألاعيب السياسية، التي تبعّد بيننا وتشتتنا وتسمم وجودنا. لنكون صادقين في خدمة المثل الأعلى المشترك، الذي ينادينا جميعا، دينيين أو لادينيين، أغنياء أو فقراء، لرفع التحدي مع الإخلاص، وهيا بنا الى العمل، لنسج صلات إنسانية وأخوية، بين الجميع. هذا الشعب بحاحة أن يكون محبوبا، ويحب في المقابل. أين هم أولئك، الذين واللواتي، يمكنهم بتفانيهم، تلبية توقعاته؟ لنطهر أولا الأساس والركائز، حتى يتم بناء، إسلام الأنوار، الذي هو في المرحلة التي وصلنا إليها، سوى محض تكهنات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). عن أبي يوسف عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قِـبَـله (أي تفرق عنه)، وقيل: قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم -ثلاثا-، فجِئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال "يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". رواه أحمد والترمذي والحاكم، وصححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي.

    يحكي لنا الصحابي الجليل عبد الله بن سلام رضي الله عنه -الذي كان حبرًا من أحبار اليهود في يثرب، وكان أهلها على اختلاف مللهم ونحلهم يُجلُّونه ويعظِّمونه- كيفية استقبال أهل المدينة للنبي صلى الله عليه وسلم وحفاوتهم به وخروجهم لاستقباله، وكيف أنه كان من المستقبلين للنبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله إلى قباء، ولم يكن قد أسلم يومئذ، فلما رأى وجهه الشريف آمن به وصدّق، فنزل فيه قول الله تعالى "وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل." سورة الأحقاف، الآية 10. وكان هذا الحديث أول ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
(2). الثيُقراطية أو الثيوقراطية، وتعني حكم الكهنة أو الحكومة الدينية أو الحكم الديني. تتكون كلمة ثيقراطية، من كلمتين مدمجتين في اللغة اليونانية، هما ثيو وتعني الدين، وقراط وتعني الحكم، وعليه فإن الثيقراطية، هي نظام حكم يستمد الحاكم فيه سلطته مباشرة من الإله، حيث تكون الطبقة الحاكمة من الكهنة أو رجال الدين، الذين يعتبروا موجهين من قبل الإله، أو يمتثلون لتعاليم سماوية، وتكون الحكومة هي الكهنوت الديني ذاته، أوعلى الأقل يسود رأي الكهنوت عليها. (المصدر: ويكبيديا).
 (3). الحديث المشار إليه حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ مختلفة، ولفظه كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه."

حاوره أمين بوعلي، ونشر في جريدة Le Quotidien D’ORAN، في 03 09 2018.





العمل الإجتماعي لصالح السلام والعيش معا

 العمل الإجتماعي

 لصالح السلام والعيش معا



  في إطار فعاليات اليوم الدولي للعيش معا في سلام، شارك الشيخ خالد بن تونس، يوم 21 سبتمبر 2018، في بروكسل، في حوار، حول "العمل الإجتماعي لصالح السلام والعيش معا"، بدار بلدية بروكسيل، حضره ورعاه الأمير البلجيكي لورون، شقيق الملك، وسلمت في الأخير جوائر، تشجيعا لبعض المبادرات، تصب في مرمى السلام والعيش معا.

    منح الشيخ خالد بن تونس جائزة، تشريفا لأعماله العظام، وتنويها بمبادرته المتوجة، بتقرير اليوم الدولي للعيش معا في سلام، الذي صادقت عليه الأمم المتحدة، وأقرّته، إذ جعلت من يوم 16 مايو، يوم الإحتفال به. إعتلى الشيخ المنصة، بعد تسليمه الجائزة، وقال كلمة وجيزة، جاء فيها:

    شكرا جزيلا.

    أريد على الخصوص، أن تمنح هذه الجائزة، إلى كل هؤلاء وهؤلاء (ذكورا وإناثا)، الذين في العالم، يعملون من أجل السلام والعيش معا، وخصوصا النساء الإسرائيليات والفلسطينيات، الأمهات اللواتي فقدّن أبناءهن، والنساء اللواتي فقدّن أزواجهن، وإخوانهن وأخواتهن، والنساء اللواتي تعرضن للعنف.

    ينبغي أن نعطي لهن الكلمة، لهؤلاء الأمهات، ومن خلال المرأة فقط، وأقولها مرة أخرى في هذا المكان، يمكننا حلّ هذه القضية، بين الإسرائليين و الفلسطنيين.

الاثنين، 17 سبتمبر 2018

الشيخ خالد بن تونس في حوار للجمهورية

الشيخ خالد بن تونس
في حوار للجمهورية




     يوم 13 09 2018 بقلم : حاوره : قايد عمر هواري

    أضحت أعمال الشيخ خالد بن تونس، شيخ الطريقة العلاوية الدرقاوية الشاذلية بالجزائر، مصدر إلهام وافتخار للكثير من العقلاء في العالم، بفضل جهوده المعتبرة وطنيا ودوليا، تُوّجت بصدور قرار أممي، بإنشاء يوم دولي للعيش معا في سلام، يعني في أبسط معانيه، تقبل الاختلافات والتمتع بالقدرة على الاستماع إلى الآخرين، والتعرف عليهم واحترامهم.

    وأكد خالد بن تونس في الحوار الحصري، الذي خص به أمس "الجمهورية"، أن تبني المبادرة بموافقة 193 دولة، دليل على نجاح الدبلوماسية الجزائرية، التي تسعى جاهدة لنشر ثقافة السلام والمصالحة والتعاطف والإخاء في العالم، داعيا إلى تأسيس أول أكاديمية للسلام في العالم بالجزائر، واستحداث بيداغوجية لتربية أبنائنا، على ثقافة التعايش والانفتاح على الآخر.

الجمهورية: لماذا أطلقتم مبادرة العيش معا في سلام، في هذا الزمن المليء بالاضطرابات والصراعات السياسية والدينية في العالم؟

الشيخ خالد بن تونس: بداية، اسمحوا لي أن اغتنم هذه الفرصة، لأتقدم إلى قراء جريدة الجمهورية، وإلى عموم إخواننا الجزائريين، بأطيب التهاني، بمناسبة عيد الأضحى المبارك، ندعو الله أن يعيده علينا وعلى الأمة الإسلامية بالخير والأمن والسلام.

    إن هذه الاضطرابات والصراعات والانقسامات الحضارية والدينية في عالمنا المعاصر، إنما تغذيها في الواقع الشكوك والريبة وانعدام الثقة، وتغذيها كذلك كراهية الأجانب، والتعصب والعنف والإقصاء والتهميش، فضلا عن التمييز العرقي والديني واللغوي، وهي كلها مواقف تقوم على رفض وعزل الآخر، ويمكن تفسير ذلك بغياب الحوار، وبنقص التفاهم والتسامح بين مختلف الأديان والثقافات والحضارات.

    ويدفع هذا الوضع إلى ظهور الانعزال والحواجز والعقبات، بمختلف أنواعها بين الجماعات الاجتماعية والدينية والمجتمعات والأمم، هذا الانغلاق على الذات، يولد عقبات أمام السلام، وأمام الأخوة والتضامن والتنمية.
    وبغية التصدي لذلك، وللآثار الوخيمة الناجمة عن الأحكام المسبقة السلبية والخاطئة عن الآخرين، وإلى الظاهرة المتنامية للتطرف العنيف، جاءت مبادرة العيش معا في سلام، بهدف تعزيز التسامح وقيم السلام، عن طريق ثقافة التواصل والمواطنة، المشبعة بالقيم الأساسية للعيش معا، حيث لا أحد على الهامش، وكذا لإحياء القيم الأخلاقية والإنسانية، التي غابت أو غيّبت، بتغليب ثقافة "أنا"، ذات التوجه الضيق، على ثقافة "نحن"، الخادمة للصالح العام.

الجمهورية: هل لديكم استراتيجية عمل ميدانية، للترويج لهذا المشروع الهادف، لنشر ثقافة السلام والحب والإخاء والتسامح؟

الشيخ خالد بن تونس: هناك العديد من النشاطات والمشاريع، التي تهدف إلى تعزيز هذا المفهوم، منها الجائزة الدولية التي أسست في سنة 2016، والتي تحمل اسم "الأمير عبد القادر لتعزيز العيش معا والتعايش السلمي في البحر الأبيض المتوسط والعالم"، وذلك من أجل تكريم الشخصيات الطبيعية أو المعنوية، ممن قدموا إسهاما كبيرا، في ممارسة العيش والتعايش السلمي بين الشعوب، كما أسست بهولندا "دار السلام"، تهدف إلى ترسيخ قيم العيش معا، وهو مركز للقاءات الفكرية والتبادل، في ظل احترام وقبول الآخر، وأقيم مؤخرا بمستغانم في شهر جويلية المنصرم، مؤتمرا دوليا، حضره العديد من الخبراء الدوليين، ممثلين لأكثر من 20 دولة، ومفتشي التربية الوطنية، ممثلين لـ 48 ولاية، تحت شعار "الرياضيات والعيش معا".

    كما نهدف إلى التأسيس لبيداغوجية للسلام، تدرس لأبنائنا وبناتنا في المدارس والجامعات، وهو ما نسعى إليه، عبر تأسيس عدة مراكز للأطفال، بمختلف ولايات الوطن سميت "بدار السلام"، تهدف إلى التربية والتكوين، على أسس مبنية على ثقافة السلام وعلى الانفتاح على الآخر والتعايش معا، في جو من الاحترام المتبادل.

الجمهورية: "العيش معا في سلام" أصبح عالميا، واعتمدته مؤخرا الأمم المتحدة، وصادقت عليه عدة دول، ما هو شعوركم وأنتم ترون مبادرتكم تتجسد على أرض الواقع؟

الشيخ خالد بن تونس: إن اعتماد هذا اليوم من قبل الأمم المتحدة وبتوافق جميع الدول الأعضاء (193 دولة)، هو نقطة بداية أو انطلاقة، إن هذا اليوم ليس مجرد فكرة أو يوم سيحتفل به ثم يُنسى. يجب أن يكون مفهومه كتابة صفحة جديدة في تاريخنا، مفهوم يساعدنا على الإبداع والتفكير في بناء عالم جديد، حيث يمكن للأجيال الآتية، بناء مستقبلها مع بعضها البعض، وليس الواحد ضد الآخر. إنه يوم الأمل، لأنه يدعونا أيضًا للتغيير، للتوجه نحو بعضنا البعض، لفهم بعضنا البعض، والعمل معا في تآزر، حتى تصير ثقافة السلام لنا جميعا، أساس ذلك العالم الجديد، الذي نتمناه لأنفسنا وللأجيال القادمة.

    في القرار 72/130، تؤكد الجمعية العامة للأمم المتحدة أن "اليوم الدولي للعيش معا في سلام، سيكون وسيلة حشد جهود المجتمع الدولي بشكل منتظم، من أجل السلام والتسامح والاندماج والتفاهم والتضامن، وفرصة للجميع للتعبير، عن الرغبة العميقة في العيش والعمل معاً، متحدون في الاختلاف والتنوع، لبناء عالم قابل للحياة، قائم على السلام والتضامن والانسجام".

    وقد بدأت العديد من الدول في تجسيد هذه الفكرة على أرض الواقع، نذكر كمثال، ما بادرت به مدينة قرطبة بإسبانيا، المعروفة تاريخيا بمجتمع التعايش السلمي، إلى ترسيم الاحتفال بهذا اليوم، كما سينظم في شهر نوفمبر المقبل بباريس، الملتقى الدولي للسلام، يحضره العديد من رؤساء الدول والمنظمات والشخصيات.

الجمهورية: باتت الجزائر اليوم، نموذجا للعيش معا في سلام، هل يمكن أن تكون مستقبلا منبرا لإرساء حوار الحضارات والأديان، في عالم يعيش انتشارا رهيبا للتطرف والعنف؟

الشيخ خالد بن تونس: إن مفهوم العيش معا في سلام، مستمد من تراثنا الروحي الإسلامي والذي يشكل، كما نعلم ذلك جميعا، ركيزة هويتنا الجزائرية، لقد كانت الجزائر نموذجا في السلام والتعايش السلمي، ولنا خير مثال في الإجابة التاريخية والمليئة بالحكمة التي قدمها مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري، في شهر جويلية 1861،  لتفسير تدخله لإنقاذ الأقليات النصرانية في دمشق "ما فعلناه واجب فرضته الشريعة المحمدية وحقوق الإنسانية"، تلك الفكرة نفسها يعبر عنها مؤسس الطريقة العلاوية، الشيخ أحمد العلاوي المستغانمي، منذ أكثر من قرن، حين يقول بخصوص فعل الخير في المجتمع الإنساني "يعتبر الفرد في قومه شبه العضو في بدنه، وليجتهد ليكون نفعه عائدا على قومه أكثر منه على نفسه، بدون ما تفوته حصته، لأنه فرد من أفراد المجتمع، يسعد بسعادته ويشقى بشقاوته، ومهما تواطأت أفراد الأمة على ما هو المطلوب من كل فرد منها، لزم أن تتحقق سعادتها، ويرتفع كعبها بين الأمم، ولو بعد حين".

    اليوم، كما كانت الجزائر سباقة إلى تبني هذا المشروع وتقديمه للأمم المتحدة كدولة عضو، واعتماده من قبل كل الدول بدون استثناء، وهذا يعد نجاحا باهرا للدبلوماسية الجزائرية، نتمنى أن تكون السباقة لرسم معالم العيش معا، عبر إنشاء منبر لثقافة السلام بالجامعات الجزائرية، وعبر التأسيس لأول أكاديمية للسلام بالعالم، تهدف إلى ترسيخ قيم المصالحة والتعايش السلمي، وإرساء أسس الحوار بين الحضارات والأديان.

جريدة الجمهورية، في يوم 13 09 2018