الجمعة، 25 مارس 2022

نحن جميعا من نفس الأبجدية

نحن جميعا من نفس الأبجدية

  

     قدّم الشيخ خالد بن تونس محاضرة قيّمة يوم 12 مارس الماضي مساءا، عبر الأنترنيت، حيث كان مدعوا في "منتدى طب النفس"، في طبعته الرابعة، والذي نظمته "جمعية تطوير الطب الرمزي". كان موضوع اللقاء "المحبة"، ويبادر به الزوجين جيل وروز غاندي، اللذين يعرفان بابتكارهما نوع من المعالجة يسمى "الطب الرمزي"(1).

     جمع هذا اللقاء العديد من الممارسين المعالجين والفنانين، طيلة ثلاثة أيام، من 11 إلى 13 مارس 2022. ساهم الشيخ خالد بن تونس بمداخلة عنوانها "نحن جميعا من نفس الأبجدية"، ونشط معه اللقاء السيد جيل غاندي نفسه، ودأب في طرحه مع الشيخ إثارة مواضيع تهتم بهدف المؤتمر، الذي حاول منشطوه إيجاد واقتراح طريقًا لإيقاظ القوة الإبداعية الكامنة في كل واحد منا، والمخبأة في أقطابنا.

 


 جيل غاندي: طيب. مساء الخير الشيخ بن تونس. نحن بحق سعداء ومتشرفين لاستقبالك، بصفتك زعيم روحي صوفي في هذا المنتدى الرابع لطب النفس، حول موضوع المحبة، ونرغب بشدة في الإستماع إلى صوت روحي تقليدي. أعتقد أن لديك الكثير ما تقوله لنا. (ضحك)

الشيخ خالد بن تونس: اسمعوا. في البداية مساء الخير جميعا. أنا سعيد جدا وأشكركم جزيلا لدعوتكم إياي للمشاركة معكم في هذا اللقاء، لأننا بحاجة ماسة إليه، وبخصوص موضوع اللقاء، أعتقد أنه ذو أهمية ملحة، وسأحاول بعض الشيء التحدث مع الإشارة إلى الحياة والأحداث التي نعيشها اليوم. وآخد مثالا قائلا، لا يوجد سوى نبع واحد، والمحبة هي نبع وحيد، وهذا النبع غذى وأشرب العديد من الناس، منذ بدء المغامرة الإنسانية، منذ البداية، منذ أن سكن هذا الضمير جسدا، وهذا الجسد أصبح جسدا بشريا، مما يعنيه، أنه بات يفكر ويطرح أسئلة، ويشعر بالحاجة والرغبة في التذوق، لأنها هي فعلا مسألة ذوق وإلكسير، شيء ما يجعله يهتز، ويجعله يتصرف في الأوقات الحالكة في حياته.

     عندما نحب، تطرأ عينا لحظة نشعر فيها بطاقة هائلة تسكننا، وهذه المحبة اليوم تتواجد بين مفهومين، هما محبة السلطة وسلطة المحبة. وإنه حديث الساعة. لقد إخترتم موضوع المحبة، والذي سيحدد اليوم مصير العالم. ستكون إما سلطة المحبة، ومنه العودة إلى الأساسيات، والعودة إلى ما تريده الخليقة جمعاء، حيث أنها تتطور بهذه الطاقة، التي هي طاقة المحبة، وسيتحاب الناس، رجال ونساء، وحتى العالمين المعدني والنباتي. دائما بزخم المحبة هذا، للزهرة كيفيتها في المحبة، وللنحلة طريقتها كيف تحب، وللمرء طريقته في المحبة، حيث الجميع يصدر من نفس النبع، وحركية الحي هذه متجذرة في السلطة الشاملة للمحبة. وها هو الإنسان بنفسه الأنانية الفردانية يقوم بالإستحواذ على هذه الطاقة، ويحولها إلى محبة السلطة، إذ لها تأثيرات وعواقب وخيمة على البقية، على إخوانه، وحتى أبعد من إخوانه، على الخليقة نفسها. محبة السلطة هذه تعمينا، وتترك فينا انطباعا أنه أصبح بإمكاننا السيطرة على كل شيء، ومراقبة كل شيء وإدارته، حسب رغباتنا، تنتابنا بفعلها تخيلات، قد ندمر بلدانا ونخرب أوطانا وشعوبا. الإبادات يقوم بها الإنسان، ولا جنس حيواني، قد نتخيل أنه يقوم بذلك ضد جنسه. الإبادات لا يوجد سوى الإنسان يمكنه القيام بذلك، ونتساءل اليوم، هل تسمعون، وأعتقد أن جميع من يستمع اليوم ما تقوله الصحافة وإذاعات الراديو والقنوات التليفزيونية، يرون يوم بعد يوم رهبة وخوف وغضب تزيد وتيرته. إنما هذا مرض، ويوجد له علاج، وهو سلطة المحبة، والنقيض هو محبة السلطة، التي هي مرض. من سيتفوق؟ لأننا نشكل جسد، كلٌ منا يمثل خلية من هذا الجسد، وهذا الجسد يسمى الإنسانية. هذا ما تمليه علينا سلطة المحبة، لا يمكننا أن نفعل للغير ما لا نريده لأنفسنا. هذا ما تمليه علينا سلطة المحبة، والأخرى محبة السلطة، التي تستحوذ على مصيرنا، ومصير الشعوب والأمم، وتريد الإخضاع، ولكي تُخضع، يثار الخوف والغضب في الشعوب.. ونعيش هذه الحالة حاليا، ولا نعلم إلى أين سنفضي غدا أو الأسبوع المقبل أو الشهر القادم، لا أحد يعلم، لا الحاكم ولا المحكوم، فقرار مستقبلنا ليس بأيدينا، وأكثر من ذلك مستقبل الأجيال المقبلة. لنأخذ مثال وباء كوفيد، هذا الفيروس الذي أوقف العالم. عشنا سنتين استثنائيتين، جاء بشكل ما لإيفاقنا وايقاظنا، ويكشف لنا ضعف نظامنا، وضعف علاقتنا بأنفسنا والحياة بصفة عامة، فيروس بسيط ظهر وكل شيء توقف، مدن حُجر عليها ودول أغلقت حدودها، وطائرات راكنة على الأرض، وملاعب ومحال تجارية أغلقت، إلا التي تبيع المواد الغذائية، وكذا المسارح والمكتبات أغلقت أبوابها، وغير ذلك، وحُرم الأجداد من رؤية الأحفاد، وحتى الأموات تعذر دفنهم بطريقة لائقة. سنتان من هذه المحنة ولدت توتر عنيف، وبعد ذلك فنحن نتعافى شيئا فشيئا من ذلك، وأول شيء نفضي إليه، وهو أنهم يكلموننا عن حرب نووية. انظروا إلى أين يمكن أن تؤدي بنا محبة السلطة، بدل أن نكون اليوم أكثر تضامنا وأكثر توحدا. لنصِل روابط المجتمع الإنساني، ونتوجه إلى مجتمع أكثر عدالة وكرامة، يتمتع بهما الجميع. لنغادر هذا المجتمع الهرمي، حيث تتواجد فئة من الناس، تقبع في القمة، وتقرر للبقية، تقرر للقاعدة. نظام يعتمد على المعارضات، مع الذين يتواجدون في الأسفل والذين يتواجدون في الأعلى، والذين يتواجدون في الأعلى يريدون حتما البقاء في الأعلى، والمتواجدون في الأسفل يحاولون.. وهذا ما نسميه السلم الاجتماعي. أُعطِي له إسم. في هذا، نبقى دائما في طوق محبة السلطة، محبة الإمتلاك ومحبة المراقبة وغير ذلك. في كل المجالات إنه سباق إلى المتناهي، إلى تلك السلطة، التي هي نفسها مرض ينخرنا وينخر مجتمعنا.

     كنا نعتقد أن كل أفكار الحروب والنزاعات والإجتذاب.. فهي من نعت قرننا، ورغم ذلك ابتدأ القرن الواحد والعشرين أيضا بحروب ونزاعات، خلفت لاجئين يعدّون بالآلاف في العالم. إلى أين ستؤدي بنا محبة السلطة؟ والعلاج موجود، يكمن في سلطة المحبة. لنعود إليه، وكل منا يحويها في نفسه، لكل منا نصيبه، ولكل منا هذه السلطة. توجد سلطة المحبة فينا، توجد في طريقة تواصلنا وابتسامتنا وطريقة إقامة علاقات حسنة وخالصة ومريحة، وهذا هو العيش معا في سلام، وتُمليه سلطة المحبة، وتُوجِّه إلى الإعتناء بالضعفاء والأطفال والمعوزين، وإنقاذ الأمل، والعمل على إصلاح ما أفسدته محبة السلطة.

     نملك أرض، بها المحيطات ملوثة وكذا الأراضي والهواء، وبها زراعة كيمياوية، وإن كل ما أنتجه مجتمعنا اليوم يستفسرنا عن أي إتجاه نرغب اتخاده، وما الذي نريده، وما هي وجهتنا؟ هل هي مواجهة الشمال مع الجنوب، أو الجنوب ضد الشمال، أو الشرق ضد الغرب. من المخطئ ومن المصيب؟ توجد إنسانية، والإنسانية هي كل الشعوب، وأوطان العالم هي أعضاء هذه الإنسانية، وكل واحد منا خلية في هذا الجسد. ينبغي تبني هذه النظرة. كان هذا بسلطة المحبة، وبها يحدث النضج، وبها يمكننا معالجة الجروح، وبها يمكن معالجة مرض النفس الأنانية، وإن حياتنا محدودة. نحن نعلم محدودية حياتنا. ماذا سنترك لأطفالنا؟ أنا عندما يقول لي أحفادي ما العمل اليوم؟ وما الذي علينا فعله؟ ولدي أعضاء الكشافة أمامي، الذين هم في عمر 20 و25 سنة، ويسألونني عن حالة العالم، ماذا يمكنني أن أقول لهم؟ أي أمل يمكننا أن ننقله إليهم؟ هل نقول لهم خذوا الأسلحة واذهبوا وقاتلوا؟ ينبغي أن تتواجد طريق السلام هذه، سلطة المحبة هذه، يجب أن نعطيها فرصة، ونكون الداعين إليها ونكون الفاعلين.

جيل غاندي: بالفعل الشيخ بن تونس، أعلم أن في العالم الإسلامي توجد عدة تفسيرات، مثل باقي الديانات عما هو موجود في العالم الباطني والعالم الخارجي، وعندما تتكلم عن سلطة المحبة أو عن محبة السلطة، وإذا نظر كل واحد منا إلى باطنه، والمسألة في الباطن هي حرب مقدسة، وأرى أنها كذلك.

الشيخ خالد بن تونس: نسميه الجهاد.

جيل غاندي: الجهاد، الحرب المقدسة الباطنية، الذي يتمثل في تعقب هذه السلطة وذوق هذه السلطة، وتحويلها إلى محبة. أليس كذلك؟     

الشيخ خالد بن تونس: إذن، للتلخيص، أقول نعم، وإنه عمل ذاتي، لا نستطيع تخويله إلى شخص آخر، فالأمر يتعلق بنا، وبتغيّرنا الشخصي. إنها مسألة تتعلق بالضمير. كيف نغذي ضميرنا بما يسكّننا، ويسكّن النفس؟ في الإسلام إن النفْس (بإسكان الفاء) هي النفَس (بفتح الفاء)، وهي تنفسنا، ونحن نعلم أننا نتنفس ما يلفظه الغير. ينبغي أن نعي أننا نتنفس نفس الهواء، أتنفس ما يلفظه الغير، وهو يقومون بنفس الشيء.

جيل غاندي: والماء الذي شربت منه الديناصورات.

الشيخ خالد بن تونس: بالفعل، ونحن جميعا من نفس الأبجدية، ويوجد 26 حرف في أبجدية اللغة الفرنسية أو 28 حرف في أبجدية اللغة العربية، لا يوجد أكثر، وهاته الحروف 28 وأيضا 26 تُلخص جميع ما نقلته المعرفة منذ غابر العصور. إذا تم رفض حرف من هذه الحروف، لكونه غير مستقيم كاللام والياء، بصفته غير مستقيم. فالألف مستقيم، ودائرة الميم مستديرة، وأنا أحب المستقيم، لا أحب المستدير، وعندها ماذا سيكون مصيرها؟ إن الذي يصير أننا لن نستطيع الكتابة، وهذا الذي يحدث لنا، ونحن جميعا من نفس الأبجدية، وهذه الأبجدية لن تستطيع أن تتواصل وتقدم لنا معارف، إلا في حال تقبلت الإرتباط ببعضها البعض، وأن يتمكن ضميرنا من تقبل إفساح المكان للغير، وإذا نحن تقبلنا بعضنا البعض سنعطي معنى لحياتنا، مثلما هي الكلمات، سنصبح مثل الكلمات التي تعطي معنى. كلمة محبة نتجت من ارتباط الحروف الميم والحاء والباء والتاء المربوطة، تقبلت بأن تكون معا، وتعطي معنى، وأكثر من ذلك، سيدعون مضادهم، ويحذروننا. مضاد المحبة هي الكراهية. وبالحروف المرتبطة تتضح لنا الرؤية، وإذا رفضنا حرفا واحدا، سنخسر كل شيء. يتوقف كل شيء. ينبغي دعوة هذا الضمير، ضمير الرابطة الذي يجعل منا كائنات عارفة منفتحة حذرة يقظة، وعندما نفقد هذا الإدراك أو يزول سنتحول إلى حيوانات، وتستحوذ علينا الوحشية، والوحشية لدى الإنسان هي السلطة. أصبح أدعي أنني خير من الغير، وأسمى منهم، أملك أحق الحقيقة من الغير، ربي هو الأفضل، وأنتمي إلى خير دين، وبلدي أفضل البلدان.

     ينبغي التكفل بأطفال والقيام معهم فقط بورشة بسيطة. قمنا بذلك في عدة مدارس، التي نسميها مدارس السلام. هذه الورشة بسيطة، نأخذ أطفال ونقول لهم اكتبوا أسمائكم، فقط إسمكم، آلان وأندري وجان وجاك وعلي، ولا أعلم، سليمة.. اكتبوا أسماءكم، ويكتبون إسمهم، ونقول لهم لينظر كلّ منكم إلى الحروف التي يقتسمها مع الغير، وهنا نرى أن الطفل يبدأ في الإدراك، أن له ألِفا يتشارك فيه مع هذا الطفل أو ذاك، ولديه لام وسين ودال، وهذا التشارك يسمح لهم بالفهم أنه توجد صلات فيما بينهم، وبعدما يدركون ذلك بأسمائهم، يقوم كل واحد منهم بتبديل مع الغير أحرفه، حتى يتمكنون من الحصول على إسم. ونقول لهم الآن تواجدوا. حاولوا الذهاب أبعد من ذلك، وحاولوا، فهل يمكن كتابة كلمة شمس، انظروا إن كان لكم أحرف في إسمكم. نعم، أنا لدي حرف الشين، وأنا الميم، وأنا السين، وفي هذا يدركون بأن بالإنطلاق فحسب من أسمائهم مشترِكة، سيمكنهم من كتابة معرفة كل شيء، فالعوالم المعدنية والنباتية والحيوانية لها صلة بواقعهم، وأكثر من ذلك، فهذه الصلة نمتلكها. توجد في جسدنا، صلة المحبة هذه، وصلة الأبجدية موجودة. فلينظر كلٌ منا إلى سُرّته، سيرى أنه متصل بكائن آخر، بأمه، بواسطة الحبل السري، وأمه كانت مرتبطة بكائن آخر، وهكذا ودواليك، يرى أنه متصل بإنسانية كثيرة، ولدينا الأثر الجسدي البائن، يشهد على ذلك، ولكننا نسيناه. نسينا ذلك، وهو نسيان تلك العلاقة الحسية المادية وأيضا الروحية، وأيضا توجد الروح التي تحركنا. نحن ورثة جميع التقاليد وجميع الثقافات التي سبقتنا، ولهذا ينبغي أن يعلم الطفل (الخطر القائم) لو أننا بقينا منحصرين في النزعة الفردية، ودوما في قيد ثقافة أنا وأنا- نفسي، وأن الدعوة الموجهة من سلطة المحبة، هي الإنتقال إلى ثقافة نحن، الإنتقال من أنا إلى نحن، ولو أنه بدأ يتحدث في كلامه ويقول أرضنا، وليس أرضي، ومدينتنا وليس مدينتي، وهذا بيتنا وليس بيتي، عندها تتسع آفاق نظرته الروحية.  

جيل غاندي: الشيخ بن تونس، قيل للتو أن الإنسانية بصدد عيش هذا الإنتقال، الإنتقال من أنا النفس إلى ماهو أكبر، لتقع على نحن، ونكتشف الجماعي. يجب أن أطرح عليك سؤالا حول العلاقة بذوق السلطة، بمحبة السلطة، أليست تلك إشارة رمزية، حيث ينبغي علينا جميعا أن يصبو عملنا في البداية على "أنا"، ونجعله يتمتع بالقوة، وسيؤدَى به إلى الوقوع في عثرات السلطة، لنضعه فيما بعد لصالح "نحن"، ونجعله أكثر قوة بشكل عام.

الشيخ خالد بن تونس: إذن فهذا الأنا يفرض علينا نفسه بأي حال. منذ الطفولة فالوالدين والكبار سيشكلون هذا الأنا، ونحن بحاجة لذلك، لأن الطفل عندما يولد لا يكون له إسم، فهولا يعرف إسمه، فنحن من سيمنحه إسما، ونعطي له جنسية، أنت فلان من جنسية فرنسية أو أمريكية أو صينية، سنعطيه أيضا مبادئ ودين، أنت تتمتع بهذه الثقافة، وغير ذلك، وكلما نما عوده، كلما صاغ المحيط العائلي والمجتمعي والتربوي نظرته للعالم. هذا صديقك وهذا عدوك. ومنه، فهذا الكائن الذي جاء إلى العالم يكون مثل صفحة فارغة بيضاء، ونحن الكبار البالغين، آباء ومعلمين والمحيط الذي ولد فيه، سيفرض عليه بشكل ما بناء هذا الأنا..

جيل غاندي: تهيئة برمجته.

 الشيخ خالد بن تونس: لا أريد أن أصل إلى قول ذلك، ولكنها الحقيقة، إنها تهيئة برمجته. بلى. وصناعة "أنا" غير متحرر، ونوع من القبضة على الشخص، لأن المجتمع الذي ولدنا فيه، يريدنا أن نكون بهذه الصفة أو تلك.

    لكي يتم إبراز هذا النحن، ففي اللحظة التي يبلغ فيها بعض النضج في الأنا، في هذه اللحظة، كيف له أن يتحرر ويبلغ هذا الفكر الجامع الشامل؟ يكون ذلك بالعمل على الذات، وعليه أن يضع موضع التساؤل كل ما تلقاه، لا يرفضه، بل ينتقل، لا يرفض جنسيته أو ينفي أصله، لا أقوم برفضهم. لا. ولكنه الإنفتاح على العالمية الشاملة، لأني بحاجة إلى معرفة نفسي، وبحاجة إلى مرآة، وإلا سوف لن أرى صفاتي وزلاتي، فأنا بحاجة إلى مرآة، وهذه المرآة هو الغير، فالغير دوره أن يمتحنني في كل مرة، يأتي ويستفسرني في كل مرة، ويُشكل مشكلة لي. هذا الغير سواء أكان قريب أو بعيد، سواء أكان يتكلم لغتي أو لغة أخرى، ويملك نفس ثقافتي أو ثقافة أخرى، يأتي ويمتحنني في كل مرة، وأكتشف فيه أمور، وبإكتشافي فيه أمور، حينها سأكتشف بشكل أفضل أموري، ويوجد أخذ وعطاء، وهذا التبادل يسمح لي بإكتشاف نفسي، وإذا رفضتُ سأبقى في جهلي، لأنني خائف من طرح أموري للمساءلة.

جيل غاندي: نستطيع أن نسميه عمل بتركيز التكثيف، على سبيل المثال، الإنتقال من قول أنا فرنسي إلى أنا أتكلم الفرنسية.  

الشيخ خالد بن تونس: أعتقد أن للكلمات معنى. للكلمات معنى، لهذا قلتُ ينبغي مبكرا تربية الأطفال بنهج هذا الإنفتاح، وإمكانية الإنفتاح على العالم وعلى معنى الكلمات. تكلمتم آنفا عن الجهاد، الذي يترجم إلى الحرب المقدسة. هذا خطأ، وهذه ترجمة خاطئة بشكل كلي، فكلمة جهاد تعني الجهد، وكيف أن لكلمات معنى يخصها ونعطيها في أيامنا معنى آخر، وحتى في المدلول وُجد انعكاس للقيم، لا توجد حرب مقدسة، فالحرب لم تكن أبدا مقدسة.

جيل غاندي: إنها كلمات. هذا غريب.

الشيخ خالد بن تونس: غرابة كبيرة.

جيل غاندي: حرب نظيفة.

الشيخ خالد بن تونس: حرب نظيفة، وكل ما يختلق لإخفاء مآسينا وجهلنا، ولإخفاء أيضا ربما وحشيتنا، نكسوها بكلمات، ولكنها ليست الحقيقة، نحن نقوم بتضييقها، فذلك لا نعطيها مدلولها، فالجهاد جهد على النفس لمعالجة شرورها، وجهاد للنفس حتى نواجه معترك الحياة، وبطريقة ما يصبح لحياتنا معنى، وإلا تصبح سوى مرتع للطعام والشراب والتناسل، والحصول على مهن وشهرة، فكل شيء مبنى على الزوال. مآلها الزوال. لا أحد، في اللحظة التي نتكلم فيها، فبعد مائة عام، لن يبقى أحد منا. عن أي شيء نتكلم؟ بالعكس، أعمالنا ستبقى، إن نحن زرعنا شجرة ستبقى..

جيل غاندي: بالضبط الشيخ بن تونس، إنه مثير للإهتمام، نقوم بحوار يتجه بعيدا، هذا مثير للغاية، فقد تكلمنا عن كلمات بصفتها حروف متصلة برابطة، كما قلنا آنفا، ونفضي إلى ترجمة سيئة، مثل الجهاد، التي ترجمت إلى حرب مقدسة، أو مثلما قلت سابقا الإدعاء لكوني أنني أتكلم الفرنسية فأنا فرنسي، بدل القول أنا أتكلم الفرنسية، وبالفعل، نحن نرى أن الفعل قد يؤدي بنا إلى حروب.

الشيخ خالد بن تونس: بالتأكيد، فهو يعاش، فأهل أوكرانيا وروسيا قريبين، ويشكلون نفس الشعب، فما الذي حدث؟

جيل غاندي: في إسرائيل نفس الشيء.

الشيخ خالد بن تونس: توقف. فما الذي حدث؟ لماذا وصلنا إلى هذا الحد؟ لماذا هؤلاء الأشقاء؟ هذا هو مرض الإنسان، وإنه حب السلطة. أريد أن أكون أكثر من الآخر..

جيل غاندي: حول كلمات وأفكار.

الشيخ خالد بن تونس: حول أفكار وايديولوجيات وديانات. في الحرب العالمية الثانية طرح شخص سؤال على جدي(2) قائلا، لماذا الحرب، ولماذا يتقاتل الناس في الحرب؟ أجابه جدي يقومون بالحرب محبة. فزع ذلك الإنسان وقال، كيف ذلك، هذا مستحيل، فأجابه، بلى، إنه حب الوطن، ولكنهم لو كانوا يملكون الحب الحقيقي، لا يرون أمامهم أي عدو، فلأنهم لم يجدوه بالكلية، وجدوا جزءا بسيطا، فلا يملكون سوى جزء من الحب. حب الوطن والتعاطف الديني، مثل هذه الأمور ومثل هذه الأيديولوجيات، يتقاتلون من أجلها. يا ليتهم كانوا يملكون المحبة الشاملة فلن يعد يتواجد أي أعداء، وعن أي عدو (نتكلم).

جيل غاندي: كما لو أنهم يوجهون أشعة الشمس، وإشعاع المحبة نحو هدف واحد دون البقية.

الشيخ خالد بن تونس: حُرِموا إذن. لأنه عندما يُشرِّع بابه أو نافذته يتحصل على نفوذ نور شمس كثيف، وإذا ضيقه قلّ ذلك النور، ولكننا إذا أقمنا جدار من زجاج لن نُنقِص أبدا نفوذ الشمس، فالشمس تكون دائما أمامنا. ونحن هل ننفتح ونحتفظ بهذا النور حتى يدخل بكثرة، أو نُضيِّق عليها، ويضؤل النور؟ في المحبة الأمر سواء. وإذا خصصناها فقط لبعض الأمور وليس لكل شيء سنفقد المعنى، لأننا نصبح محبين لأشياء زائلة، وأشياء نضحَى نؤلهها، ونرغب في امتلاكها. حقا، يوجد نصيب من المحبة، ولكنها ليست المحبة في جلالتها وسيادتها وشموليتها، وإن هذه المحبة يعبر عنها بالكلام، ويعبر عنها بشكل أكبر بالصمت.

جيل غاندي: في التأمل؟

الشيخ خالد بن تونس:  ندرك التأمل عندما يصبح لساني لسان الإنسانية أو فكري يعود فكر الإنسانية، مما يعنيه، أنني أدمج فيّ سعادة وشقاء هذا العالم، فأنا مريض لأنه هو مريض، وأنا سعيد لأنه سعيد. أساهم. أساهم فيه، وأنا خلية في جسد. إذا سألناها، فإنها تعمل من أجل الجسد بكامله، وخلية في القدم لا تدعي أنها تعمل إلا من أجل القدم، إنها تعمل من أجل الجسد بأسره، وحتى خلايا الشعر والأظافر والعين فإنها تعمل للجميع، وتعلم أن حياتها متعلقة بهم.

جيل غاندي: هل هذا التصرف سليم في أن نكون متدينين، ونسخر أنفسنا لخدمة الجميع؟

الشيخ خالد بن تونس: أن نكون متصلين، ونحن مسخرين لها. توجد حكمة وتعليم للرسول صلى الله عليه وسلم، إذ يقول رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم "الخلق كلهم عيال الله". الخلق وليس فقط الناس، فنحن نتكلم عن الخلق، وهم الناس والحيوانات والنباتات. "الخلق عيال الله وأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله". وبماذا سنزيد في المساهمة؟

    عندما أحرث الأرض، عليّ أن أدرك أن الأرض من الحي، وأنا مرتبط بها، وهي تعطيني الطعام، ولا يجب علي أن أسممها وأقتلها. إنه اقتصاد الرفاه، ونحن نسير باقتصاد الربح.

جيل غاندي: عندما نتكلم في الغالب عن النفس، فقد يذكرنا ذلك بطب النفس وغور هذا الطب، واعتبار عبارات الخير والجميل والحق، وهل تقترح أن يستخدم هذا الخير والجميل والحق في خدمة الجميع؟

الشيخ خالد بن تونس: إنه برنامج طويل، وينبغي أن نبتدئ في ناحية ما، وأول شيء نتمناه هو على الأقل التحلي بالوعي. ولهذا لدى الأمم المتحدة تم تقرير اليوم الدولي للعيش معا في سلام، ونرى اليوم كيف نحن بحاجة إليه. يعود إلينا كل 16 مايو من كل عام، و193 دولة تبنته، لم يتخلف أي بلد، ولكن، ولا بلد يعمل به. وهنا تكمن المشكلة. هذه هي النقطة الأولى. والنقطة الثانية هي لماذا التربية بنهج السلام غير مدرجة في البرامج المدرسية لأطفالنا، ولماذا توجد أكاديميات لكل شيء، التي للبلياردو ولكرة القدم وما شئتم، ولا توجد أكاديمية للسلام؟ لماذا؟ لماذا نستثمر البليارات في التسليح، وكم نستثمر في السلام؟ هذه أسئلة أساسية. هل تعلمون كم تكلّف النزاعات في كل عام للإنسانية؟ 14300 بليار دولار، وهذا ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة. وكم هو ثمن السلام؟ هذه هي الحقائق. تساوي تكلفة النزاعات 13.4 % من الإقتصاد العالمي في كل عام، وهي في ازدياد. تزداد في كل عام. عندما أتكلم عن محبة السلطة فإني أتكلم عن هذا. وهل بابتكار أسلحة أكثر تطورا.. إلى أين نذهب؟ إلى أين يتجه بنا هذا الإقتصاد؟ لماذا لا يوجد أي استثمار في السلام؟

     ليس السلام غياب للحروب أو النزاعات، فالسلام شيئ آخر، أكثر نبلا، إنه طاقة وطاقة أمل، وطاقة في تحرك، تُحوّل المجتمع الإنساني وتجعله أكثر إزدهارا.

جيل غاندي: بِناء.

الشيخ خالد بن تونس: بِناء وليس هدم. لم نر أبدا السلام يهدم، بالرغم أننا رأينا الحرب تفعل ذلك، ولكن مصيبتنا هي أننا في كل مرة نمر بالحرب، وبعدما ندمر كل شيء، نذهب في نهاية المطاف إلى السلام.

جيل غاندي: الشيخ بن تونس، على سبيل المثال، عن الزوجين يقال في علم النفس، في التنمية الشخصية، يتخاصمان ليتصالحا بعدها على الوسادة. إنه نفس الشيء.

الشيخ خالد بن تونس: نعم بالفعل. مادامت صلة المحبة حاضرة.. ينبغي الحذر، فإنه ينقدنا من الإنفصال. في الحالة التي نعيشها اليوم، نحن بحاجة إلى الوساطة، أناس يقومون بالعمل، بتلك الوساطة الوقائية والوساطة الإصلاحية.

جيل غاندي: أطرح عليك سؤالا جاء من يوتوب. إن المعلومة الرسمية الحالية تدعو إلى الإنحياز إلى جهة ضد أخرى، ألا تظن أنه ينبغي الدفع إلى الحوار من أجل السلام، وأنّ على الأمم المتحدة أن تتدخل، وقد أنشئت من أجل ذلك.

الشيخ خالد بن تونس: نعم، تتدخل الأمم المتحدة، ولكن الأمم المتحدة اليوم مقاطَعة، ولم تعد تأمر، لم تعد موجودة، لا نحلم، بالطبع يوجد محل، أعرفه جيدا، جلت فيه لمدة ثلاث سنوات ونصف من أجل اليوم الدولي للعيش معا، حتى يصوّت على القرار من طرف الجمعية العامة، إني أعرف جيدا المحل، ولكنها أفرغت، مثل الكلمات فقدنا معناها. جُعلت الأمم المتحدة من أجل الحفاظ على السلام، من أجل ذلك أنشئت. اليوم هي أداة بأيدي ست دول، بمجلس الأمن. لنسمي الأشياء بمسمياتها.

جيل غاندي: فيما يخص مجلس الأمن، على سبيل المثال أمريكا في عهد بوش، أرادت غزو العراق، ورغم الفيتو الفرنسي، تم الغزو رغم أنف الأمم المتحدة.

الشيخ خالد بن تونس: لهذا قلت لكم تم تفريغها من جوهرها، والحمد لله هي مستمرة، تقوم ببعض المهام، مثل أهداف التنمية المستدامة ال17، التي تختص بتوجيهات هامة بشأن التنمية المستدامة. توجد أعمال يتم إجراءها، وإصدار منشورات، على كل حال تبقى بعض الأشغال، ولكن من جوهرها فقد أفرغت. إذن، ينبغي علينا إيجاد إصلاح، بسلطة المحبة وليس بمحبة السلطة، وإلا سنفضي إلى نفس الشيء.

جيل غاندي: ينبغي علينا أن نقوم بشيء ما، يعني، التحلي بالسلام الباطني، ربما.

الشيخ خالد بن تونس: نعم. بالتحلي بالسلام الباطني، وبالتوقيع على الإعلان العالمي للعيش معا في سلام. لأنه كلما زاد عدد الناس الذين يوقّعون عليه، كلما كان هناك وزن على مستوى الحكومات، وسيقال أن الناس والشعوب والأمم تريد السلام، ولا تزجوا بنا في الحرب. لأنه لو طرحنا حقا السؤال على كل الفرنسيين وكل الألمانيين، وجميع الأوروبيين، هل يريدون الحرب أم السلام. بأمانة، إذا قمنا بنفس الشيء مع الروسيين، هل يريدون الحرب أم السلام، وكذا مع الصينين والأفارقة.. بطبيعة الحال يبقى دائما يوجد من يشق عصا الطاعة، ولكن الشعوب اليوم تُقاد رغم أنفها.

جيل غاندي: هذا التوقيع أين سنجده؟ لأن المستمعين لا يعلمون.

الشيخ خالد بن تونس: زوروا الموقع https://16mai.org/declaration/ ولديكم فيلم عنوانه "نحن جميعا"، وحبذا لو يذاع عبر شبكتكم، ويروج أن الفيلم أنجز من أجل 16 مايو من هذه السنة، سيكون مشهودا، ستبثه TV5 على سبيل المثال، والعشرات من الدول في العالم، بدعوات من أكثر من 55 عاصمة في العالم، وسيكون مشهودا بعدة لغات، منها الإنجليزية والفرنسية والعربية والإيطالية والبرتغالية، وغيرها، تُرجم إلى عدة لغات، سيرافق اليوم الدولي للعيش معا في سلام، هذا 16 مايو، وهذا اليوم يدعّم بالتوقيع على الإعلان العالمي للعيش معا في سلام، وهكذا عبر موقع https://16mai.org/ . سنبعثه إليكم.

    هذا اليوم تم إقراره في 8 ديسمبر 2017، واستغرق ثلاث سنوات ونصف من العمل. في البداية كان الأمر مستحيلا، وشيئا فشيئا، كان ذلك الجهاد الذي تكلمنا عنه. هذا الجهاد الذي أثمر، ولديه اليوم مكانه، ومن هنا يمكننا الخروج من هذا المأزق، وضمان الرجوع إلى ما هو أساسي. لنتوقف عن اقتياد الشعوب رغما عنها إلى الحروب. البعض يستغل الدين والأخر كذا.. والآن بكل بساطة إنها هذه السلطة الشهيرة، محبة السلطة والثراء.

     أنتم ترون أن الإقتصاد حاليا ترسمه صناعة الأسلحة. هذه هي الحقيقة. إنها صناعة الأسلحة، وإذا أردنا أن نعالج هذا المرض، فلنرجع إلى النبع.

جيل غاندي: صناعة الأسلحة هذه نجدها رمزيا في العديد من المجالات، فقد رأيناها مع كوفيد، فقد أعلنت حرب على فيروس، ووضعنا الصناعة الصيدلانية في حرب ضد فيروس، فضلا عن صناعة الأسلحة بإخراج أسلحة ثقيلة.

الشيخ خالد بن تونس: أنتم ترون، تجدونه في الإعلانات التجارية، في المتاجر لديكم حرب الأسعار، نستعمل كلمات هي بالنسبة لنا.. أضعنا المعنى والقياس. توجد المحبة، هذه القوة وطاقة المحبة والسلام هذه، والمحبة المسالمة، لأنكم إن أحببتم شخصا ستسامحونه، وإذا أحببتم شخصا، ستكونون على استعداد لتتركوا له مكانكم، وتعطونه خير ما لديكم. جميعنا مرّ في لحظة في حياته، بفترات اعترته محبة، حيث كنا فيها أكثر كرما، وأكثر حذرا، وكنا أكثر تعاونا، لأننا أحببنا شخصا أو جماعة أو طبيعة. يصنع الحب المعجزات، ونحن بحاجة إليه في أيامنا، أكثر من أي وقت مضى في عالمنا، نحن على حافة الطريق، يجب إدراك ذلك.

جيل غاندي: الشيخ بن تونس، كان الأمر في غاية الأهمية للإستماع إليك، وأيضا تهانينا لك لكل مجهوداتك التي قمت بها، من أجل هذا اليوم الدولي، وسنقدم هدية الآن، إن كنت متفرغ، لدقيقتين.

الشيخ خالد بن تونس: بكل سرور، شكرا جزيلا، ولكن ليس الشيخ بن تونس من قام بذلك، عليكم بالحذر، يجب تصحيح ذلك، ليس أنا نفسي من قام به.

جيل غاندي: إنها الجماعة.

الشيخ خالد بن تونس: هذا هو.

جيل غاندي: نحن متفقين، حسنا، ونحن ليس أنا، إنها الجماعة كذلك، التي تتواجد خلفي، والتي استمعت إليك، وأعجبت بك، وستشكرك بطريقتها.

 

     اصطف جمع ممن كان حاضرا مع جيل غاندي خلفه، ونطقوا جميعا "شكرا جزيلا، مرحى"، مع تصفيق حار، استمر برهة.

 

الشيخ خالد بن تونس: شكرا جزيلا. شكرا لكم جميعا، وحظ سعيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1). حتى يكون لدينا فكرة عن هذه الجمعية وطبيعة بحثها، وأكثرمن ذلك، نتعرف على البضاعة العلمية والثقافية للذين يتعامل معهم الشيخ خالد بن تونس في حواراته الفكرية، نلقي نظرة بسيطة في الموضوع.

     اكتشف روز وجيل غاندي طريقة علاجية وصوَّراها منذ عام 2006، وأطلق عليها إسم "الطب الرمزي". يعتمد هذا العلاج على تجربة الظواهر المزعجة في المنازل، باستخدام قضبان التغطيس المنحنية. نظرًا لكون المسكن في قلب الممارسة، فقد كانوا يميلون في بدايتهما إلى ربط الطريقة بالتخصصات المشابهة الموجودة قبلا، مثل طريقة "فونغ شوي" الصينية وعلم الأحياء الجيولوجي .

     بعد ذلك، أعطت تجاربهم نتائج إيجابية وذات صلة للغاية، وقاموا بتدريس هذه الطريقة، والتي تم ممارستها بعد ذلك من قبل أشخاص آخرين، بنفس النتائج. على مر السنين، تم إثراء الطريقة العلاجية باكتشافات جديدة حول أصل الأمراض التي تؤثر على البشر (نسب العائلة، الأسباب النفسية والعاطفية، الكرما، إلخ). في كل مرة، كانوا ينشرون كتابًا للكشف عن هذه المساهمة.

     مع مرور الوقت فرض مصطلح الطب الرمزي نفسه لتعريف الطريقة العلاجية، لأنه أصبح له رواد، وأن لغتها كانت رمزًا، لتلقي رسائل، وطريقة حوار مع غير المرئي.

     يتمثل عملهم في الدخول إلى منزل، ويجري أن يدركوا أن نوعا من "الذكاء" يوجه العصا التي يستخدمونها، ويرسل رسائل إلى شاغلي المكان، لإيقاظهم على آلياتهم اللاواعية. ومن هنا يبتدئان ممارستها العلاجية مع أهل الدار.

     أهم ما يميز علم الأحياء الجيولوجي هو دراسة الأمواج المرتبطة بالمجالات المغناطيسية والكهربائية، وتيارات المياه الجوفية، والظاهرة المعروفة لدى العامة. وأما فنغ شوي، الذي يعني حرفيًا "الرياح والمياه"، هو فن قديم من أصل صيني يهدف إلى تنسيق الطاقة البيئية لمكان ما بطريقة تعزز صحة ورفاهية وازدهار ساكنيه. يهدف هذا الفن إلى ترتيب المساكن وفقًا للتدفقات المرئية (المجاري المائية) وغير المرئية (الرياح)، للحصول على توازن القوى والتداول الأمثل للطاقة.

(2). هو الشيخ عدة بن تونس (1898- 1952)، ويعتبر الشيخ الثاني للطريقة العلاوية وحامل لوائها.


السبت، 26 فبراير 2022

محبة السلطة أو سلطة المحبة

      

محبة السلطة أو سلطة المحبة

 



     نتيجة الأوضاع المستجدة التي يعيشها عالمنا، وما تتعرض له البشرية، حيث دقت طبول الحرب في منطقة ما من العالم، أصدرت يوم 24 فبراير 2022 بباريس، الجمعية  الدولية الصوفية العلاوية، المنظمة الدولية غير الحكومية AISA ONG internationale بيانا، يحمل توقيع الشيخ خالد بن تونس، الرئيس الشرفي لها، جاء فيه ما يلي.


    في الوقت الذي ينبغي فيه علينا جميعا أن نتوحّد، حتى نواجه التحديات التي نتعرض لها، وما طرأ من اختلال للمناخ وتفشي للوباء والفقر وتدمير الموارد الطبيعية، إذا بالقنابل تتساقط على أوكرانيا مزهقة أرواح إنسانية. لم يقدم العنف أي حل على الإطلاق، سوى خلق المزيد من الكراهية وحب الإنتقام. كم من الأرواح البشرية يجب التضحية بها حتى ندرك ذلك؟

    إزاء عالم قاسي ومرعب، حيث بات من الصعوبة بمكان التمييز بين الحق والباطل، لا تفاجئنا ردة فعل أشخاص، لا يزالون يقبعون في طوق إنطواء الهوية، هوية سارية، سواء كانت طائفية أو قومية أو دينية، ستقودهم حتما نحو الحرب، آفة الأمم هذه.

    آن الأوان لنضبط سلوكنا، ونتجنب ما لا يمكن إصلاحه، ونوقف تصعيد النزاعات، التي تؤدي بنا إلى محبة السلطة واختيال الكبرياء وأنانية الدول. ألم يحن الوقت بعد عامين من محنة كوفيد 19، التي تسببت في وقوع صدمات وخسائر في الأرواح البشرية، أن نستلهم دروسا ونراجع سلوكياتنا؟

    إذا كانت المؤسسات والجمعيات والمنظمات الدولية التي تضمن السلام والإستقرار الدوليين، لا تزال غير قادرة على الترويج وتثقيف العيش معا في سلام، إذن سنكون أمام  أخطر تحدي في عصرنا. ما الذي ينبغي علينا فعله، حتى لا يشعر النساء والرجال أنهم جردوا من مستقبلهم، ولا يشعرون أنهم ينتمون إلى الجم الغفير الذي لا صوت له، وليسوا فريسة بين مخالب القوى التي تتعدى مداركهم.

    ما الذي تبقى لنا إذا لم يكن الرجوع إلى سلطة المحبة؟ وتقوية روابط العائلة الإنسانية، وزرع الأمل وسط الأجيال الجديدة، وتدريس ثقافة السلام. إنها المهمة التي تؤديها الجمعية  الدولية الصوفية العلاوية، المنظمة الدولية غير الحكومية AISA ONG internationale.

    إن الجمعية  الدولية الصوفية العلاوية، المنظمة الدولية غير الحكومية AISA ONG internationale وفيّة لقيمها، وتبقى مقتنعة أنه من خلال الحوار والوساطة والتدابير المتعلقة بالعيش معا، تستطيع الإنسانية أن تفي بمسؤولياتها، في أن تترك لأبنائنا عالم سلام، عالم مصون وثري بتنوعه.

 

    الشيخ خالد بن تونس

الرئيس الشرفي للجمعية  الدولية الصوفية العلاوية، المنظمة الدولية غير الحكومية AISA ONG internationale 

الأحد، 9 يناير 2022

نحن جميعا من نفس الماء

نحن جميعا من نفس الماء

 

    حلّ الشيخ خالد بن تونس مجددا على المركز الجامعي المتوسطي لنيس، يوم 09 ديسمبر 2021، وقدّم محاضرة عنوانها "نحن جميعا من نفس الماء". ونفس المركز تم تغيير إسمه رسمیا إلى الدار المتوسطیة للسلام، من قبل مجلس البلدیة، بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشریف، الذي أقيم في 21 أكتوبر 2021، بذات المركز. قال الشيخ خالد بن تونس:

 

    سيداتي سادتي أصدقائي الأعزاء.

    كم أنا سعيد بمشاركة هذه اللحظة معكم، التي أجلّت كذا من مرة، بسبب الإمتحان الذي نمر به جميعا، وهو إمتحان داء كوفيد. وأشكر بلدية نيس والمركز الجامعي المتوسطي الذي استقبلنا في هذه القاعة الجميلة جدا، مع إشراقة هذه الشمس الرائعة، وإطلالة المياه الزرقاء للبحر الأبيض المتوسط، هذا البحر الذي أنجب الحضارات من كلا الجانبين، جميع كبريات الحضارات سبحت في مياهه، وعنوان هذه الجلسة "نحن جميعا من نفس الماء"، ومنه هذا البحر الذي يجمع الشمال بالجنوب، والشرق بالغرب، وكان فعلا مختبرا، حيث ظهرت جميع الأفكار، وكبريات الإيديولوجيات الفلسفية والعلمية والدينية والروحية والإنسانية، وبالتأكيد أجيال أخرى ستأتي بعدنا، وستكتشف أن هذا المكان المشترك، الذي هو البحر المتوسط، بالمعنيين(1)، بحر بمعنى الماء الذي هو أصل كل حياة، ولكن أيضا تلك الأم الحامل، التي تلد الأمل، وتلد الأفكار الجديدة، وتلد الوسائل، حتى تعيش هذه الإنسانية وتتحول، من قرن إلى قرن، ومن جيل إلى جيل، إلى إنسانية متوحّدة، قد أصبحت تُشكل جسدا واحدا، وكل إنسان يمثل خلية، وجميع المجتمعات بتنوعها، ليست سوى أطراف ذات الجسد، وتعمل جميعا من أجل خير الجميع، وتجني من ذلك ما تريد وتحتاج إليه، بكل سلام وبكل إعتزاز.


أثناء إلقاء محاضرته في المركز الجامعي لنيس

 

 

 

 

دَور السلام

    إن الكلام عن السلام في نظري يُعتبر، في أننا نقوم بتغيير نظرتنا وتفكيرنا حول الكلمة نفسها. إن السلام ليس فقط غياب الحرب والنزاع، ينبغي أن نرى السلام كطاقة وقوة نستطيع من خلالها أن نرتكز، مثل غذاء يمكنه أن يغذي ضميرنا ويسمو به. إن السلام مثل جنّة تُجنى ثمارها، جنّة على مستوى ضميرنا تُجنى، وتؤدي بنا إلى اليقظة، وتُصيّرنا حتى لا نهمل جنتنا الباطنية، لأن كل جنّة مهملة تصبح أدغالا، ومكانا تكسوه الأعشاب الضارة. كل جنة مهملة، وكل ضمير مهمل مصير صاحبه الضلال، ونصبح في ضلالة، لأننا أناسا ضعافا، وقد نقع في مواقف خطيرة في الحياة، وتنفلت منا الأمور، ويبلغ بنا الأمر إلى إيذاء الغير، وأحيانا بدون قصد، بتفوه بكلمات أو إلقاء نظرة. ننخدع بتصرفنا. إنه إدراك صلة السلام، تلك الصلة التي تربطنا، وتربط الإنسانية من جيل إلى جيل. وغالبا ما أنظرها في الجسم الإنساني، وأقول هذا رائع، لأننا نحمل جميعا نحمل الأثر، رجالا ونساءا، نحمل الأثر، للذي يربطنا منذ غابر الدهور. ولينظر كلٌّ منا إلى سرّته، ومن سرته سيرى أنه متصل بأمه، وأمه متصلة بأمها، وهكذا ودواليك، وبها من خلال جميع الإنسانية، وسنكتشف أنه توجد رابطة عبرت المكان والزمان، تصل جميع الإنسانية. هذه نظرة تحُدث اطمئنانا. ولأننا نراها. إنني أنتمي إلى عدد لا متناهي من الناس، منهم من منحني الحياة، وفيهم صالحين وطالحين، وسنتفهم أننا ملخص جميع الإنسانية التي سبقتنا. ربما كان لنا في أصولنا، حسنا، أناس صالحين وتقاة وحكماء وذوي جود وكرم، ولكن أيضا قد يكون في أجدادنا قتلة ولصوص وظالمين. إذن كلٌّ منا يلخص، عندما يرجع إلى نفسه، إنه في الواقع نتاج سلسلة من الناس، عاشوا على مستويات مختلفة وحالات مختلفة، وعلينا أن نضطلع بذلك.

    إذا قام كل واحد منا باختبار فحص (حامضه النووي)، الذي هو ممكنا اليوم، وهو استثنائي حقا، أنا لم أجربه بعد، ولكن أناس اختبروه، وكلموني عنه، حيث رأينا وجود أناس ذوي بشرة بيضاء لهم في أصولهم من هم ذوي بشرة سوداء، وظهر نفس الشيء في الأصول عند ذوي البشرة السوداء، لأنه حدث مزيج كبير منذ غابر الأزمنة، منذ أن ظهر الإنسان، ويقال أنه من أفريقيا، من وادي رفت الأثيوبي والتنزاني، وهاجر إلى الشمال، هذا ما يقوله لنا العلميين، ولذا، فنحن جميعا من نفس الماء، ومن نفس الأصل، ومن هذا الأصل، يجب اليوم أن نعي، لأن العلم والمعرفة يمنحانا إيضاحات في زماننا عن أصولنا، بأنه لا توجد أفضلية لأبيض على أسود، ولا لأوروبي على أمريكي، ولا عربي على صيني. لنعيد النظر في هذا السلام ونزنه، ونرى ما هو ثقله، مثل سفينة تبحر في الأعماق، تحافظ صابوراتها على التوازن، حتى لا تغرق عند العواصف. وعواصف الحياة، يوجد منها الكثير، تمر بنا حالات صعبة ولحظات قلق، ولحظات تَحدُث فيها متاعب ويصيبنا الفقر، ولحظات يعتري فيها الكبر. إن السلام الباطني يسمح لنا بأن (نغطس) في الكل الذي تقوم به الحياة، في هذا المحيط، في هذا البحر، الذي يبدأ بالنسبة لنا من نقطة، التي هي الولادة، ويحدِد مصير، ولدينا مصير وجودٍ، ننطلق من نقطة معينة، من نقطة ولادتنا نحو نقطة تشكل الوفاة، ولا أحد يمكنه أن يفر من هذا المصير.

    نحن تلقينا الحياة، ولم يحدث أن طلب شخص أن يُبعث فجأة في هذا العالم. ولا واحد منا اختار بطن أمه التي ستحمله، ولا اختار لغته أو ثقافته ولا حتى إسمه. إذا كانت تلك هبة تنتقل من جيل إلى جيل، ومن أب إلى أب، ومن نسب إلى نسب، إذن فما الذي فعلناه بهذه الهبة، التي هي الحياة، التي أعطيت لنا؟ وهبة الحياة هذه نتشاركها مع مخلوقات أخرى. وليس فقط مع الإنسان الذي تدب فيه الحياة، حتى الحيوانات حية، والعصافير والقطط والكلاب والأسماك في المياه كذلك، ليس إلا الحيوانات، فالنباتات تنتمي أيضا إلى الحي، وكلما تقدمنا أكثر، كلما رأينا أن هذا الحي متواجد في اللامتناهي في الصغر، مادام أن البكتيريا والجراثيم تعد من الأحياء. يذكرنا ذلك بشيء، وهو أن هذا الحي المتواجد، ما الذي فعلناه به؟ فحن نملك منه جزء، الذي هو حياتنا. إذا كنا تلقينا الحياة، فكيف سندير وجودنا؟ هنا تكمن المشكلة. إذا كانت الحياة هبة، فالتواجد نهجنا في إدراج مرورنا في إقامتنا الأرضية، والمكوث الزائل. كيف سنتصرف؟ يبقى هذا إختيار، والإختيار يتخذ في كل لحظة حاضرة. أي طريق سيسلكُ؟ وفي هذا يتدخل السلام والسلام الباطني ليساعدنا على الإختيار، في كل مرة نلقي فيها بالا لباطنيتنا، ويتحدد اختيارنا في أن نكون قائمين على خدمة الغير وخدمة الإنسان. إن الخدمة حال يقتضي المساهمة، وإبداء إبتسامة أو كلمة أو إيماءة، وكذا المساهمة وكل ما يؤدي بي  إلى بناء الصلة وعدم الوقوع في القطيعة. كيف نقوي الصِلات بين الناس؟ كيف نحرس على ألا تصبح هذه القطيعة تمزيقا يعاش في المعارضة؟ كيف نسمح بأن نعيش في عالم، المعارضة فيه قائمة؟ لأنه عالم التكاثر وعالم الإزدواجية، بوجود الليل والنهار، والسلم والحرب، والمحبة والكراهية، حيث كلٌ له نقيضه. كيف نجد القوة والطاقة التي تترجم الحركية، وتدرجها في منظور بناء الصلات، وتحرس على عدم حدوث القطيعة والتمزيق؟ وعلى ألا أكون أنا هو العلاقة السببية في حدوث الإنطواء، الذي يسبب أحيانا أعطالا، لها عواقب؟ من هنا يأتي دور السلام، الذي يبتدئ أولا منا، وهو لا يعني عدم وجود الحرب أو النزاع، فالسلام طاقة وقوة واستطاعة، من خلاله يٌثبت اعتبار لأنفسنا، ومن خلاله نستمد، إنه طاقة مغذية لقدرتنا ومهارتنا، ودافع في أعمالنا وأقوالنا.

    كيف يمكنني أن أترجم ذلك في حياتي اليومية وفي طريقة معاشي وسلوكي؟ في اللحظة التي تتحلى فيها النفس بالسلام الباطني، في تلك اللحظة ستتحول إلى سلام ازاء الغير. كيف يمكنني أن أبني سلام مستدام مع الغير؟ وهل يمكنني الذهاب أبعد وبناء السلام مع بيئتي؟ وهنا، سنرى أن السلام يعني جميع الميادين. لا يوجد ميدان إلا وهو يسود فيه ويتوسط الأمور ويلعب دورا محوريا.

 

   السلام مع الإقتصاد

     هل يوجد اقتصاد سلام؟ عندما نتكلم عن الإقتصاد إننا نذكر أرقاما، ونتكلم عن الأرباح، ولكن ماذا يعني إقتصاد السلام وماهي علاقته بالسلام؟ بطبيعة الحال للإقتصاد علاقة بالسلام. لأن الإقتصاد لو فكر فيه أهل السلام، سأصبح اقتصاد الرفاه، وهو عكس إقتصاد الكازينوهات المبني على الربح فحسب. لو ألقينا نظرة على الطبيعة لرأينا أن أول إقتصاد في العالم، على وجه الأرض هو الإقتصاد الطبيعي. عندما تنظرون إلى غابة سترون أشجارا، ولكن لا يوجد سوى الأشجار، توجد أصناف من الحيوانات تسكنها، وتكسوها نباتات، وبها دودة الأرض والفطريات. لا تعني الغابة سوى الخشب، وليس سوى هذا الأخير صالح للإستغلال. إن الذي لا يملك سوى الجانب الإقتصادي، ولا ينظر سوى بإقتصاد الربح، سينظر إليها كأخشاب، وغابات تتحول إلى خشب تصنع منه البيوت والأثاث، لا يفكر أن هذه الغابة تمثل أمورا أخرى، وتحدث توازنا، وإنه الحي. فهي تأوي كائنات، وبالأخص أنها تمتص ثاني أوكسيد الكربون، وتنتج الأوكسجين.

    يجعل السلام الأمور أكثر إيضاحا، ليس سطحيا فحسب، ولكن في العمق. عندما جرى اللقاء مع الإتحادية الدولية للرياضيات، طلبنا هل في الإمكان أن نقارن العيش معا في سلام مع الرياضيات، وكان محور الفكرة أن نقيم عرضا، نظهر فيه أنه يمكن للرياضيات والعيش معا أن يجدا صلة. وأؤكد لكم أن في البداية لا أحد تقريبا كان يعتقد. حضرته 27 جامعة، انظمت إلى هذا الرهان، جامعات من جميع العالم، من أوروبا وأمريكا الجنوبية والشمالية، ومن آسيا وأفريقيا، ومن جميع أطراف حوض البحر الأبيض المتوسط. جاءوا من البرتغال وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان، وقبرص والأردن ولبنان، ومن الضفة الأخرى، من دول الجنوب. أطلق ذلك الرهان، وكل جامعة حاولت العمل طيلة عام، وأقيمت تجارب هائلة لا تصدق. تعتبر الرياضيات أحد علوم المستقبل، الأكثر عقلانية، ويمكنها أن تفتح لنا وتؤدي بنا إلى العيش معا في سلام هذا. من هذا العمل خرج كتاب، أدعوكم لقراءته، وخصوصا الرياضيين والمربيين، في الموقع، وهو بالمجان(2)، يمكنكم الحصول عليه، وسترون كيف رفع هذا التحدي من طرف 27 جامعة في العالم، بما فيها الجامعة الرياضية لموسكو، وكيف أنه تنسج الصلات، حتى مع العلوم الاكثر عقلانية. يوجد هنا السلام ويوجد هنا العيش معا، وإنها تؤدي بنا إلى السلام، وإلى العيش معا، وتؤدي بنا إلى الوحدة.

 

حروف الأبجدية

    من هنا، نحن نرى أنه باستطاعتنا أن نحصل على نتيحة لو استعملنا وسخرنا الوسائل اللازمة التي ينبغي أن تستثمر. ينبغي إدخال التربية بنهج ثقافة السلام في المقررات المدرسية لأبنائنا، وسنغير كلية نظرتهم حول أنفسهم والعالم الذي يسكنونه، حول أنفسهم وأقرانهم، حول أنفسهم وبيئتهم، وهي صلات قد تنسج. آخذ مثال ورشة "نحن جميعا لنا نفس الأبجدية"، وهي ورشة موجهة للأطفال، الذين هم أكثر تقبلا لهذا النوع من الألعاب. إنها لعبة تجرى في قسم به 15 طفلا أو 10 أطفال، ونطلب من كل واحد أن يكتب إسمه. هيا اكتبوا أسماءكم، ويكتبون أسمائهم، جان، بول، علي، وابراهيم، ونطلب من كل واحد أن ينظر إلى حروف اسمه التي توجد في اسم صديقه، ربما أنك تملك ألفا مشتركا أو أنه باءا أو جيما، أو حتى أنه سين أو صاد. ويبدأ الأطفال، أنت ما هو إسمك، اسمي آلان، يوجد الألف، اسمي ابراهيم، يوجد الألف، توجد رابطة بيننا، وتوجد رابطة مع آخر، بحرف آخر. نحن نرى أنه في قسم به 15 أو 20 طفلا، وننطلق من الأبجدية وبالحروف، فتُخلق صلات. نقترض حروف بعضنا بعضا. إذا ذهبنا أبعد من خلال 26 حرفا، ونقول لهم الآن بعدما وجدتم صلات بالأسماء، انظروا هل تجدونها مع كلمة بحر، نعم أنا لدي الباء، وأنا لدي حاء، كلٌ يقدم، ونكتب كلمة بحر، وماذا عن السماء؟ إذن لنبحث. هل لديك سين أو ميم أو همزة. نبحث مع سماء وقط وكلب وزهرة، من خلال 26 حرفا للأبجدية. سيتعلم الأطفال أنهم يستطيعون معرفة وكتابة واكتشاف، لأن لديهم حروف متشابهة، منطلقين ببساطة من أسمائهم. تخلق صلات مع جيرانهم، إناثا وذكورا. لدي صديق أقتسم معه نفس الحرف، ولدي صلة أيضا مع البيئة، مع البحر، مع الطبيعة والسماء والشمس والنجم، مادام أني أملك حرفا يجعلني في صلة مع الشيء. بصفتكم بالغين لا أعلم إن كنتم ستفهمون بعض الشيء اللعبة. إن الهدف من اللعبة تلقين الأطفال في سن مبكرة الإرتباط فيما بينهم، وأيضا من خلالهم مع باقي الخليقة. لأن جميع المعارف الموجودة في الكتب والمكتبات، وكل ما كتبه الإنسان منذ غابر الأزمنة حتى يومنا هذا نجده في 26 حرفا، بالطبع باللغة الفرنسية، و28 حرفا في العربية، وكذا في لغات أخرى، وكل أبجديات العالم تحويها. 26 حرف فحسب تحوي جميع المعرفة التي تمكن أن يكتبها الإنسان.

    ولكن أين يكمن الشرط؟ فلكل حرف صوت، لا يشبه الألفُ الباءَ. عندما نقول ألفا فليس ذلك باءا، ذلك مختلف، يوجد صوت وأيضا شكل. لكل حرف صوت وفردانية يجب احترامها. وتظهر المعجزة أو الإكتشاف أو البراعة عندما ترتبط الحروف مع بعضها البعض، وتعطي معنى. نحن الآدميون مثل الحروف، بالمعنى الذي تعطيه صلة الرابطة، وتنقض لو بقينا منفصلين. أنا ألف، هذا جيد، والآخر يقول أنا ميم، هذا جيد، وأنا حاء، وأنا باء، وأنا تاء مربوطة. ولكن أي معنى سيُعطى؟ لا يُرى معنى تواجدنا وينكشف إلا إذا تقبلتٌ أن أرتبط بالآخر. أنا ميم، والآخر حاء، ويتقبل الميم الإرتباط بالحاء، والحاء يتقبل الباء، والباء يتقبل التاء المربوطة، وهذا يعطي معنى، لأنها تقبلت بأن تكون معا، وفي هذا تكمن الإمكانات لدينا، فإنها توجد في العلاقة. إذا انتظمنا معا وارتبطنا مع تقبل بعضنا البعض، سنعطي معنى ونقدم حركية، ويتحقق هذا الحي من خلال المشاريع والمعرفة والثقافة، ومن خلال كل شيء، سيكون عندما نتقبل الإرتباط مع بعضنا البعض. ولكن يوجد فخ. عندما تظهر الكلمة بارتباط الحروف وتعطي محبة، حسنا، يوجد أيضا مضادها، الذي يقول ها أنا ذا، ومضاد المحبة، ما هو؟ -أجيب من داخل القاعة إنها الكراهية-. أمرا محتوما، لأن المحبة نفسها هي التي تخلقها، والمحبة هي التي تطلب مضادها، حتى تُعرف، وهنا تظهر مسألة الإختيار. ما الذي أختاره؟ أختار أن أكون في التاء المربوطة الموجودة في الكراهية، هل تفهمون؟ إنها فردية كل حرف، وعندما أقول حرف، أقصد معنييه، الحرف والكائن الذي هو نحن. إنها مسألة إختيار. هل أريد أن أكون ضمن الكلمة التي لها معنى محبة، وقبول المشاركة في ذلك وإعطاء معنى لذلك العمل أو الإحساس أو تلك الحركية، أو أنا، حسنا، بدلا من ذلك في الجهة الأخرى، أنا التاء المربوطة للجهة الأخرى؟ هنا تجدر الإشارة إلى الفكر والتربية، وأهمية التربية مبكرا وزرع هذه البذرة في ضمائر أبنائنا.

    حيث سيكبر الطفل متزينا بثقافة نحن، بدلا من تبنيه ثقافة أنا والنزعة الفردية والأنانية. هنا لدينا البحر أمامنا، وإذا ما ادعى الطفل قائلا هذا بحري، أو هذا البحر يخصني، ومن بحر نيس معلنا أنا مِن نيس، وإن الأمر سيكون مختلفا لو قال الطفل هذا بحرنا، وهذه مدينتنا، وهذا بلدنا. هذا لا يعني أن الأمر يتعلق بنفي الذاتية، بعيدا عن ذلك أو الفردانية، ولكن الفرق يكمن في أن فكر ونظرة 'نحن' تجعلني متواجد، ولكنني أتواجد في فضاء رمزي، حيث أحترم وأخدم، وإنني قائم في خدمة نحن. تصلح هذه الثقافة حتى على مستوى الوالدين، إذا كان لديّ إخوة وأخوات، وقلت أمي، وبالفعل هي أمنا، وإن تعليم طفل على مشاركة أمه مع إخوانه وأخواته، يختلف عندها الأمر، لو أن طفل ادعى امتلاك أمه لنفسه، بشكل ما، أو أنه لا يريد أباه سوى لنفسه.

    إنها عملية تقودنا إلى التفكير وتدبير منهجية للتربية، تسمح في سن مبكرة، منذ الطور التحضيري أو المدرسة الإبتدائية بإدخال هذه التربية بنهج ثقافة السلام، بواسطة تمارين وورشات وعرض فيديوهات قصيرة. وعليه تحضير الطفل في سن مبكرة، وتغذيته بثقافة نحن والمشاركة، وثقافة الإحترام، وبثقافة يرى من خلالها أصالة الغير وليس أجنبيته. عندما نقول هذا أجنبي، فإنه ذلك الغريب، الذي لا أفهمه، فهو غريب ولا أفهم لغته، ولا أفهم رغباته وطريقة تفكيره. إذن فهو أجنبي، وأجنبي بالنسبة لي، لأنه أكّد ما أفكر فيه وما أشعر به. ولكنني أفسر ذلك بشكل آخر، ويمكنني أن أقول أيضا أن الآخر الذي لا يشبهني، وغريب بالنسبة لي، هو مرآة، لأنه يعكس ما أنا عليه، يمنحني إمكانية معرفة نفسي بشكل أفضل، وبالتالي معرفة ثقافتي وحضارتي، ومعرفة مواطن القوة والضعف فيّ. إننا مرايا بعضنا البعض، ونصبح مرايا لبعضنا البعض.

 

اليوم الدولي للعيش معا في سلام

     لا أعلم إن كنت تجاوزتُ، وأرغب في أن يكون هناك حوار، ونتشارك هذه الأفكار، ربما أنا مخطئ، لا أعلم، ولكن مشاركتها معكم يسمح بإثراءها.

     قلتُ لكم سنحتفل باليوم الدولي للعيش معا في سلام في 16 مايو 2022، ومنذ يومين جرت محاضرة بواسطة تقنية الزوم، عبر 55 عاصمة من العالم، مع 55 رئيس بلدية أو نوابهم أو إداريي أكبر البلديات في العالم، كانوا حاضرين معنا، واللقاء بادر به المرصد الدولي لرؤساء بلديات العيش معا في سلام، الكائن مقره في مدينة مونتريال الكندية، التي كانت المتعهد به(3)، ومدينة إزمير التركية من كان في الإستقبال(4)، لأنه كان فيه حضور، أناس حقا حضروا اللقاء، وأيضا يوجد من لم يستطع، وشارك بواسطة الأنترنيت، ورأيت رؤساء بلديات كبريات المدن الذين وقّعوا على معاهدة دوسلدورف(5)، وقد قرأنا تاريخ 8 ديسمبر 2017، يوم تم التصويت على اليوم الدولي للعيش معا في سلام، بمناسبة الجلسة العامة للأمم المتحدة، والجهد الكبير الذي سخر، والعمل الجاري حاليا، وكيف أن اليوم 55 عاصمة في العالم اختارت بأن تكون في هذه الحركة للعيش معا في سلام، حيث أن التجارب المكتسبة في المدن، عبر العالم، يتم تبادلها بمناسبة هذه اللقاءات، ويجري التحضير للقاء القادم بتاريخ 16 مايو 2022، للتبيين أن الفكرة لا تزال فعالة، وقد بدأت تنسج علاقات بين العواصم، التي عادة، مثلا، فعاصمة بوركينافاسو ونيويورك وعاصمة أذربيجان، لا يتواصلون بالضرورة، ولا يتبادلون التجارب فيما بينهم، وإنّ هذا اليوم سمح بنسج صلات، وأعطى إمكانية تبادل التجارب حول العيش معا والمسائل الأمنية والتربية، وجمع القمامة، على سبيل المثال، إنها أمور عادية، ولكن تجربة المدن، أفادت في الفرز. نحن بهذه الطريقة نقوم بذلك. سهلت تلك الإمكانية بنهج سلوك العيش معا ونقل الأفكار، ونقصد بالأفكار أيضا القيم، القيم الأنسية وقيم السلوك والإيثار، لأنه لا تتداول في ذلك أموال ولا أرباح، يتم تبادل الأفكار مجانا، وتعتبر وسيلة بالنسبة لنا لرفع التحدي. ليس نحن المتواجدين هنا، بالتأكيد ليس نحن، إن الذين سيواجهون هذه التحديات، هم أبناءنا وأحفادنا، مع تفاقم التلوث والإحتباس الحراري، ومع كل هذه التحديات، وكذا بوجود الطاقات المتجددة.

    قدمتٌ منذ أسابيع قليلة من جزر الكناري، أين جرى لقاء، في إحدى جزر الكناري، التي اتفق سكانها على حماية حياتهم. من الجزر السبعة لأرخبيل كناري رفضت إحداهن تبني نفس نمط التطور، الذي اعتمدته بقية الجزر، أي السياحة، وبناء الفنادق، وقد شوهوا شواطئهم بالخرسانة، وراهنوا على التجارة والسياحة. قال سكان هذه الجزيرة نحن نريد أن نحافظ على جزيرتنا، وراهنوا على الفلاحة البيئية. اليوم، ومع الأزمة التي يعرفها العالم، منذ ظهور الجائحة، لم يعد يوجد في جميع جزر الكناري سياحة، فأغلقت الفنادق، والبعض منها أعلنت إفلاسها، والمتاجر والملاهي أغلقت والمطاعم، ولكن هذه الجزيرة الصغيرة لوحدها تشتغل، وتطعم بقية الجزر، وبفضلها تمكن البقية من الحصول على منتوجات طازجة وجيدة، ولأنهم فضلوا زراعة بيئية، يحصلون على كل ما يحتاجونه، من موز وأناناس وبطاطس، ومن تربية المواشي، يوفرون الماعز والبقر، ويصنعون أجبانهم، من جبن الماعز والأبقار، وذهبوا بعيدا، وقالوا لما لا تكن الطاقة، واليوم هم يتميزون باستقلالية طاقوية، وينتجون الكهرباء، ويملكون أسهم في إنتاج الكهرباء وتحلية المياه. أنتم ترون، أخذتُ مثالا دقيقا، لأن عددهم قليل وجزيرتهم معزولة، تقبع في عمق الأطلسي، ولكن الذكاء البشري وجد الحل للإدارة بشكل مختلف، والحفاظ على أولاده، فالجزيرة كانت فقيرة، وشهدت هجرة أبناءها، غادروها إلى فنزويلا والمكسيك وميامي والولايات المتحدة. أين تذهبون؟ اليوم هم باقون في بيوتهم ويجنون أرضهم، ما دام أنها بركانية، وأنتم تعلمون غنى الأراضي البركانية، كانت لهم هذه الفكرة العبقرية بأن يجعلوا من جزيرتهم محمية، وأماكن الصيد محددة،  وأسماكهم يصدرونها للقارة.. وكل ذلك بسبب اتخاذهم إدارة معقولة، وإدارة أشخاص يفكرون. ومن هنا نلاحظ كيف يؤطَر مستقبل أبناءنا، ومستقبل أبناءنا يوجه للعمل على إصلاح الأضرار التي تسببنا فيها. ماهي المهن الإصلاحية التي ينبغي التوجه إليها؟ إنها ترجى في المعرفة ومناحي الإصلاح.

    كيف نزيل التلوث من البحر الأبيض المتوسط، وأنتم تعلمون أن البحر الأبيض المتوسط بصدد الموت، كل العالم يعرف ذلك، وبعد 25 أو 30 سنة أو أكثر، لن يعود فيه أسماك، إلا الأسماك المستزرعة، والأسماك البرية لن يكون لها وجود، وهذا الأمر نعلمه. بإمكاننا اليوم إزالة التلوث، ونيس مدينة من مدن حوض البحر الأبيض المتوسط  تريد أن تكون على رأس هذه المبادرة، فتكنولوجيا لنا المقدرة على القيام به، في ضرف 14 سنة، و 14 سنة لا تعني شيئا في الزمن، وفي هذه المدة نستطيع إزالة التلوث، إذا اتفقت جماعيا الدول الساحلية. إنها مسألة تعود إلى أصحاب السياسة، وقرار تتخذه السلطة السياسية، حتى يتم العمل معا، لأنه لا يمكن لأي بلد أن يفعل ذلك بمفرده، هذا مستحيل، ينبغي أن يشاركه البقية. لا يمكننا فقط إزالة تلوث القسم الفرنسي أو ضاحية نيس، وعندما نريد أن نزيل التلوث نزيل تلوث جميع البحر الأبيض المتوسط، وإلا لم نفعل شيئا. نفس الشيء بالنسبة لكوفيد، إذا لم يلقح جميع الناس، ستظهر دائما سلالات جديدة.

    أنتم ترون أن العيش معا وهذا السلام ليس بالشيء البعيد، وليس أمرا فلسفيا أو روحيا فحسب، ولكنه شيء مرتبط بالحياة اليومية، وعند الزوجين، ومع الأطفال والجيران، وفي المدينة وبين المواطنين، وفي البلد، وفيما بين البلدان في العالم.

    إذن لنتحلى بالإدراك بطريق السلام وهذه الطاقة الحامية للحياة، هذه الطاقة التي تتيح الرفاه في جميع المجالات، ولنكون اليوم مؤهلين، على الأقل على القيام بشيء، وهو تقديم معنى للأجيال المقبلة، حتى يواصلون في هذا الطريق، وإذا كنا نحن عاجزين على تحقيقه، لنضع كل الأمل في الأجيال القادمة، لننقل إليهم هذه البذرة وهذه الطاقة وهذا المبدأ ليجنون ثمرته ويختلقون منه. نحن جميعا من نفس الأبجدية، وهذه الأبجدية تسمى الإنسانية.

 

الرد على الأسئلة

    ثم جاء دور الأسئلة، حيث رد الشيخ خالد بن تونس على التساؤلات التي طرحها بعض الحضور، الذين استفسروه عن بعض الأمور، وطلبوا في بعض الأحيان إضافات معرفية، لمزيد من التوضيح والبيان.

    أوضح للسائل الذي أراد أن يعرف إسم الجزيرة، الذي أخبر عنها الشيخ، فقال أنها جزيرة إل هيرو، التي تشكل إحدى جزر أرخبيل كناري السبعة وتعتبر أصغرهن حجما، وللوصول إليها يتطلب الإبحار لمدة ثلاث ساعات، من عاصمة الإقليم تنيريفي، وقال عن سكانها "إنهم سعداء، حقا سعداء".

    ثم تلقى سؤالا يشكي صاحبه من عدم التطرق في المحاضرة إلى السلام الباطني والسعي الخاص، وانحصار الدرس فقط في المسار المادي، فقال الشيخ خالد بن تونس "للكلام عن التصوف، والكلام عن التقليد الروحي، فإني كتبت كتبا حول ذلك، وأحد كتبي عنوانه 'التصوف قلب الإسلام''. وأضاف "إن الذي يشغلني اليوم.. أما التصوف، مهما قلنا عنه، فهو أمر يختص بالبعض وليس بالجميع". وكشف "أمامي آخر كتاب، صدر حديثا (بالفرنسية)، عنوانه 'الشيخ أحمد العلاوي، مجدد الطريق الصوفي'، لمؤلفه، وهو أستاذ جامعي(6)". واسترسل في الإيضاح "بمأنني لم أتكلم عن الروحانية، وذلك من أجل جمهور مدني، وما يشغلني اليوم، هو التحديات التي تواجهنا، وليس ذلك بالشيء المادي، بل هو أنسي".

    وأكد الشيخ "علينا بالتربية، وبالتربية بنهج ثقافة السلام، ولدينا حاليا 17 مدرسة، تعمل بهذه المنهجية، وهذه البيداغوجية تسمح للأطفال بإدراك هذا الجانب في سن مبكرة، نحن لا نعلّمهم بأن يصبحوا روحانيين، بل فكّرنا أولا في الأدمية، وفي أناس مسالمين مطمئنين مع وساطة وقائية.. كيف نُعلمهم كيفية التنفس، لأن التنفس أمر أساسي.

    انظروا إلى كوفيد أين اختبأ. اختبأ في الهواء الذي نتنفسه، وأراد أن يستفسرنا عن أنفسنا. مَن أنتم؟ هل ستشكلون إنسانية؟ لقد مسّ البلدان الفقيرة والغنية. جاء يستفسرنا عن الهواء الذي نتنفسه وننفره.. ليتحدى الإنسانية، ويستفسرنا عن ماهيتنا. هل نحن داخل مبدأ التوحيد هذا؟ هل نعي أننا نشكل إنسانية؟ وسواء أكان ذلك شرا أو خيرا، فإنه سيمس الجميع معا. يهزنا ويهزنا أكثر.

    إن الكلام عن الروحانية أريد ذلك، ولكن إنشغالاتي اليوم هي التعليم وكيف نعيش في سلام. والروحانية هي للذي يسعى إليها. ولكن العيش في سلام هو للجميع".

    ثم تلاه سؤال عن كوفيد، قال صاحبه يبدو أنك تشير أنه عقاب إلهي. فقال الشيخ خالد بن تونس "لا. إني أحاول أن أرى الجانب الإيجابي، وذلك ما يدعونا إلى فتح أعيننا حول أنفسنا وحول هذه المأساة".


      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1). بالمعنيين، نسبة للكلمة الفرنسية mer، بمعنى البحر، وmère بمعنى الأم.

(2). فيما يلي رابط الكتاب الذي ضم بين دفتيه نص تأريخ وقائع مؤتمر الرياضيات والعيش معا، الذي جرى في مدينة مستغانم في الفترة الممتدة من 15 إلى 19 جويلية 2018، وعُنوِن بـ "الرياضيات والعيش معا، لماذا ماذا وكيف؟"

http://math.unipa.it/~grim/CIEAEM%2070_Pproceedings_QRDM_Issue%202_Suppl.3?fbclid=IwAR0J39LczbhUeTV9-Y4HYTqedrydhIkwSVdEyCUdKfsXmvlDTMeaqiU2mVo


    ثم يليه رابط محاولة صاحب المدونة في أن يجعل خلاصة للدروس الملقاة، وسماه "المختصر النافع في ذكر خواص اجتماع الرياضيات والعيش معا".

https://www.docdroid.net/edQBJQb/almkhtsr-alnafaa-fy-thkr-khoas-agtmaaa-alryadyat-oalaaysh-maaa-pdf

(3). اعتمد رؤساء بلديات المدن الكبرى إعلان مونتريال، في نهاية "قمة العيش معًا" التي عقدت في مدينة مونتريال يومي 10 و 11 يونيو 2015، حيث وقع رؤساء بلديات المدن والعواصم المشاركة في ذلك اللقاء بالإجماع على إعلان مونتريال. تحدد هذه الوثيقة، وهي الأولى للهيئات الحاكمة المحلية، المبادئ والالتزامات العامة للعيش معًا في المدن. بالإضافة إلى ذلك، نص الإعلان على إنشاء المرصد الدولي لرؤساء البلديات للعيش معًا.

في وثيقة الإعلان،  تعهد رؤساء البلديات بإنشاء مرصد دولي لرؤساء البلديات على العيش معًا، حيث يمكن للمدن الانضمام على أساس طوعي. هذا المرصد، وهو الأول من نوعه بالنسبة للحكومات المحلية، سيعمل بشكل وثيق التعاون مع الجامعات ومراكز البحوث الأخرى في المدن الأعضاء في كل الأسئلة التي تهمه. على وجه الخصوص، سوف يجعل من الممكن توثيق ملفات التحديات الجديدة بالإضافة إلى الممارسات والمبادرات المبتكرة للعيش معًا في جميع أنحاء العالم. حاليا يوجد مقر الأمانة المركزية للمرصد في مونتريال، وسيتم تبادله بصفة دورية.

        

(4). نظمت مدينة إزمير التركية بالتعاون مع المرصد الدولي لرؤساء بلديات العيش معًا، القمة الدولية الثالثة لرؤساء بلديات العيش معًا، والتي عقدت يومي 7 و 8 ديسمبر (عبر الإنترنت)، وكذلك يوم 10 ديسمبر 2021 ( في عين المكان، في إزمير)، بمناسبة اليوم الدولي لحقوق الإنسان. شارك الشيخ خالد بن تونس في القمة عبر تقنية زوم، مثلما أخبر بذلك.

    حاولت هذه القمة سبر التحديات والفرص الحالية من حيث التماسك الاجتماعي وحقوق الإنسان والمدن، في سياق التعافي العالمي ما بعد كوفيد 19.

(5). إنه اجتماع جرى في مدينة دوسلدورف الألمانية، وجرت قمته في الفترة الممتدة من 30 أوت إلى 01 سبتمبر 2019، حضره عدد من رؤساء بلديات العالم، لمناقشة القضايا الرئيسية المرتبطة بالعيش معًا في المدن. ويدخل هذا اللقاء في إطار أعمال المرصد الدولي لرؤساء بلديات العيش معا، الذي تأسس سنة 2015، في مدينة مونتريال الكندية، إثر لقاء جمع حينها أكثر من عشرين رئيس بلدية حول العالم، اجتمعوا من أجل التعبير عن احتياجهم لتبادل التجارب حول التحديات المتعلقة حول التماسك الإجتماعي، وسلامة المجتمعات، في سياق العولمة. في ختام لقاء دوسلدروف خرج المجتمعون بإعلان دوسلدورف، حرر من قبل أعضاء المرصد، موقع بتاريخ، 31 أوت 2019.

(6). صدر حديثا كتابا يبحث في آثار شخصية سيدنا الشيخ أحمد ابن مصطفى العلاوي المستغانمي، صاحب الطريقة العلاوية الدرقاوية الشاذلية، حيث أخرج الأستاذ إيريك يونس جوفري آخر تآليفه، من إصدار دار البراق، وسماه "الشيخ أحمد العلاوي، مجدد الطريق الصوفي".