السبت، 18 يناير 2014

الطريق الوسط


الطريق الوسط


    في كل زمان، حاول الإنسان تفهم و التفكير في مصيره، بهدف إعطاء معنى لحياته، و موته المحتم، و يجيب على أسباب القلق الحاصل، حول استفهامات ما بعد الموت.

    فمهما غصنا عميقا في تاريخ الإنسانية، سنجد آثار معتقدات و طقوس، لأن الإنسان مدفوع بحاجة جُبل عليها، إلى ربط تفكيره ببعد مقدس أو ديني أو روحي. أَوَ ليس هذا الإرث الإنساني المتوغل في القدم هو تعبير عن بحث متواصل لمعرفة ما لا يعرف؟ فالإنسان ضمن رؤيته الجزئية للحقيقة، عبَد عناصر الطبيعة و خلق أصناما و ألّه رجالا و ابتكر طقوسا سحرية و تصورات و ديانات... و لكن أوَ ليس الإنسان في واقع الأمر، هو فيض رغبة متواصلة لتحقيق التوحيد المتسامي في ذاته؟ و هو رباط يصِل حياته بالأبدية متجاوزا الموت؟ تلك الأبدية التي هي منبع كل كشف و تجل.

    إن الدين، فيما يملك من جوهر، تلك الروحانية، لا يكون له معنى إلا إذا أعاد ربط الإنسان بحضرة الإطلاق. فهو يدعوه من خلال تجربة حية و حميمية، توفق بين الروح و الجسد، إلى التيقظ على الحقائق اللطيفة. فهذه، تسمح له ببلوغ توازن و انفتاح كينونته. لكي يكتمل الإنسان، فهو بحاجة إلى سعي مُعلَم، ثمرة تجربة و حكمة و معرفة الذين سبقوه. في الواقع، بواسطة هذا الإيصال الأمين و الكامل، يرتبط الإنسان من جديد اليوم، بهذا الإرث الثمين و الخصب. هو محل العودة إلى الأصالة، حيث يستديم نقل التقليد الحي من جيل إلى آخر.

    في عصرنا، الخلط كبير بين الدين و الروحانية.  من الواضح، أن بعض رجال الدين يخشون، لا بل يشجبون الروحي، لأنه يحرر الإنسان بتفكير عميق و تأمل حذر، من دغماتية ضيقة لجدلية  وذمامة دينية. هذا التعليم يسمح بإعادة إيجاد في أنفسنا المعرفة التي تهيكل و تغذي الضمير. سيقودنا هذا، إلى تجربة حالة كينونة منسجمة مع الحقيقة التي تحيط بنا.

    في هذا الإتجاه، يدعو التصوف إلى طريق الوسط الحق، بين الزماني و الروحاني، بين الشريعة و الحقيقة. إذا كانت الأولى وسيلة للعبودية، عون و رادع، يسمح للإنسان بالتغلب على شهواته و تلطيف أنانيته، و فتح قلبه على الكرم و احترام الآخر، فإن الثانية تسمح له بأن يعيش التجربة الحميمة للحضرة الإلهية. علاوة على ذلك، من الواضح أن الشريعة نفسها عاجزة، و تجرد من المعنى، إذا مورست تحت الإكراه. يؤكد الله سبحانه و تعالى و بكل وضوح في القرآن الكريم "لا إكراه في الدين". سورة البقرة، الآية 256. سيكون لها معنى إذا ما ارتكزت على الإيمان، الذي يربط ضميرنا بالتوحيد الصُوري. إذ أنها قوة و طاقة تدفع بالإنسان نحو اليقين،و تحقيق كينونته، من مرحلة إلى مرحلة، من الخارج نحو الداخل، و من الداخل نحو الخارج. إنها تخلق حركة مزدوجة تربط النسبي بالمطلق، و ذاتية الكائن بالمبدأ الخالد  و الجوهر الأول لكل العوارض. "هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شيئ عليم". سورة الحديد، الآية 3. إذادققنا،نلاجظأن هذا ما يعطي لعبارة التوحيد بُعدها الصحيح، شهادة إيمان المسلم "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

    بالنسبة للتصوف، لا يكون للإنسانية منذ آدم حتى يومنا، معنى إلا إذا إعترفت و جددت العهد الأولي المبرم في الأزل بين الإنسان و الله. "ألست بربكم قالوا بلى شهدنا". سورة الأعراف، الآية 172. في المنظور الصوفي الروحي، فإن العبادة مكرسة لله. بوعي أو بدون وعي، إن الخليقة تبديها في نفس وجودها. فهي متولية كلية، للرجوع نحوالمنبع، كقطرة الماء التي تسقط من السماء، المكرسة للعودة نحو المحيط. "إن إلينا إيابهم". سورة الغاشية، الآية 25. رغم تعميم المعرفة و ازدياد العلوم، يبقى الإنسان العصري  غير راض و مترع بالتساؤلات حول حالته و مصيره المجهول.
 
    يعيش الإنسان تمزقا، فهو مشبع بالمعلومات و المعارف المأخوذة من الكتب، و يعيش حياة مجردة من القداسة و يتيه حسه في كل يوم... يتحمل اليوم، الزعماء الدينيين جزء كبير من المسؤولية ، لقد تحولوا عن المبادئ الكونية للديانات، بسبب جمود مخنق أو جهل للقيم العميقة الموجودة في كل تقليد أو لمصلحة. حوّلوا، محبة القريب و الأخوة و الكرم و السعي في الصالح العام التي هي المقصد، و مكافحة الظلم كواجب، إلى شعائر عقدية مغلقة  و مُضيقة، حيث طغى الحرف على الروح. مهما كانت ديانة و بترت منها روحانيتها، سيعتريها الجمود و تتراجع، و تمنع الوعي من التطور نحو الكائن الكامل.

    في الواقع، إن الجهل الكبير للقيم و التعاليم الروحانية الموجودة في التقاليد، دفع بالإنسان إلى الفرار، أكثر فأكثر نحو اللامعقول. عندما لا تكون الروح موجودة في الإنسان، يغادر الوعي و يكّل العقل. من تمّ، تتجلى أهمية تغذية العقل، الذي هو نور و هداية لكينونتنا، من منبع هذا الإرث الروحي. تندرج الروحانية ضمن امتداد الفلسفة، حتى تغذي الحكمة تفكيره و تحدد عمله، و بها إخراج الفلسفة من النقاشات النظرية العقيمة.

    هكذا تكون قيمة حضارة من الحضارات هي نفسها الأكثر تقدما على المستوى التقني، لا يمكن قياسها بقوة الوسائل المادية التي تضعها في خدمة الإنسان، بل بمستوى سموها بروح الإنسان. هذا السمو بالروح يقاس بدوره بحالة ضميره، مجموع القيم المضافة لسعي، يقوم به طيلة حياة كلها. قال الشيخ العلاوي في أحد أبحاثه الفلسفية "إن الإنسان متحد الحقيقة و إن تعددت أفراده، فهي لا تعمل إلا لما به قوام الإنسان، و عليه فإن الإنسان إذاٌ، ليس بمتعدد، قال جل ذكره ' ما خلقكم و لا بعثكم إلا كنفس واحدة '. و يرشدك لهذا ما تراه من عمليات أعضاء البدن فإنه ما من عضو منها، إلا و عمله لغيره أكبر منه لنفسه، و الجميع متحد على نفع البدن، فالحواس مثلا لا تعمل إلا لتقوية الحس المشترك، ليأخذ العقل من ذلك ما به الحاجة لإفادة البدن و العقل نفسه أيضا لا يعمل لشيئ يستقل به دون مجموع البدن، و هكذا تجد سائر الجوارح الظاهرة و الإدراكات الباطنة، ما من آلة منها، إلا و غايتها أسمى من أن تستتر بنفع دون أن تشاطر فيه عموم أجزاء البدن.

    ثم إن التفريع سهل لمن اراد توسيع العبارة على ما قررناه، و الغاية ما نحاوله هو أن يعتبر الفرد في قومه شبه العضو في بدنه، و ليجتهد ليكون نفعه عائدا على قومه أكثر منه على نفسه، بدون ما تفوته حصته، لأنه من أفراد المجتمع يسعد بسعادته و يشقى بشقاوته، و مهما تواطأت أفراد الأمة على ما هو المطلوب من كل فرد منها لزم أن تتحقق سعادتها و يرتفع كعبها بين الأمم و لو بعد حين، و هي الغاية و الغرض من كل مصلح". قال صلى الله عليه و سلم "المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى". (1)

    هكذا تحتضن الروحانية كل المجالات التي تمس الإنسان في المجتمع. يمكن أن يعبر عنها في كل شيئ، في الوقت نفسه، من خلال السياسة، و الإجتماعي، و الإقتصاد، و العلمي إلخ. كل ما يهم الكائن و المجتمع يعني الروحانية. إن حقل الروحانية هو حقل السياسة، هما مظهران يلتقيان و يتكاملان في الفعل و التربية المدنية للفرد. إذا كانت السياسة تعني إدارة شؤون دنيا الناس (في الخارج)، فالروحانية تهتم بإرادتها في الباطن. فهي تدفعنا لاختيار مسلك الخير، والوحدة، والأخوة. و ليس غرضها إقصاء السياسة، بل  تسعى إلى إعطائها معنى، وأن تخلع عليها صفة الإنسانية. كلما ازدادت روحانيتنا، كلما اتسع حقل وعينا، و تأكدت قابليتنا للأخذ بعين الإعتبار مختلف الإحتياجات الإنسانية، و لمحاربة الظلم. هي قاعدة حياة تتطلب منا، ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

    أثارت السلطة السياسية دائما، مطامع، و ولدت صراعات بين الناس. الروحانية مُلزمة، لا تقبل الكذب و التلاعب. فهي تدعونا إلى الأصالة و الوضوح في أنفسنا، حتى لا نرتكب ما يمكن أن يؤذي الآخرين. إن الإرتباط بروحانية كوسيلة للتحقيق هو مناقض للإنطواء النرجسي الذاتي، و رفض الإلتزامات الإجتماعية.  

    عندما نرى في التاريخ، الحياة التي عاشها أكابر الرجال الروحيين، الذين طبعوا الإنسانية، لم ينجر أي واحد منهم نحو الأعمال الدنياوية لهذا العالم، حتى يرتبطون و يدرسون إلا القيم الروحية التي تعني الآخرة. كلهم بدون إستثناء دعونا إلى العمل الصالح، و تحسين الوضع البشري بالنيات و بالأعمال. بشرط أن نتحلى أولا بالقيم التي نفرضها على الآخرين. إنها طريق الوسط، و تربية إيقاظها، التي تقود الإنسان إلى التناغم الزمني و الروحي، و تسمو به إلى الشعور الكوني.

    من المحقق أن التجربة الروحية للإنسانية تبقى تحدي كبير بالنسبة للقرن الواحد و العشرين. تنطبع هذه الرغبة في بحث و توق البشر لمثل أعلى. السؤال كله، هو معرفة كيف يعيد معاصرونا الإرتباط، و يحققون و ينقلون هذه التجربة، على غرار كل هؤلاء الرجال و اللواتي النساء الذين جسدوا هذا المثل النبيل  و البطولي على حساب حياتهم. إن الأنبياء و حكماء الإنسانية هم النموذج، و هم الذين كانوا الحاملين و الهُداة، و لكن أيضا مصابيح الحضارات التي سبقتنا.

    في كل الكتب المقدسة للإنسانية (فيداس، تاو تو كينغ، يوبانيشاد، الكتاب المقدس، الإنجيل و القرآن، إلخ)، و كذلك من خلال الحكايا و الأساطير  و الخرافات لكل الشعوب، نجد أثر لهذا السعي المتشبت للأنا نحو الذات. حسب رأيي، يتواجد الفرق، في الوسيلة أو الكيفية، أكثر منه في السعي نحو الحقيقة نفسها. تظل خصوصية كل تعليم بالنسبة للصوفية، رِفق و رحمة للحكمة الإلهية نحو البشرية، بهدف جعل تحقيق هذا السعي سهل المنال لكل شخص.  في الواقع، من المستحيل الدعوة إلى سلام عادل و دائم بين الناس و نخفي "سلام القلوب"، سلام مؤسَس على الأخوة الروحية "الآدمية". و الباقي هو واجب الديانات، و الغرض الأول منه تربية و تقوية وعي الإنسان، و جعله أكثر مسؤولية، في مواجهة هذا الأصل المشترك للإنسانية، مع إعادة ربطه كذلك بالسمو الإلهي، منبع الرحمة.

    بعد عدة تجارب، و لقاءات، و ندوات، أقيمت في جو غالبه فكري، نستنتج أن تقدم الحوار البيديني يتم بخجل. و هذا، حسب رأيي، بسبب أن المؤسسات التي تمثل الديانات تبقى متحفظة. كل واحد يتبنى حوارأحادي الجانب بإسمه، و إن الحوار يفترض قبل كل شيئ صدق و تبادل…  في الخطوة الثانية، من المهم توضيح القاسم المشترك، الذي يُوحد مختلف التقاليد، و تكون لها كمرجعية، التوراة أو الإنجيل أو القرآن، و لا يجب أن تكون الديانات أنظمة مغلقة، و لكن رسائل مفتوحة تستجيب لحقائق إنسانية اليوم. يجب أن تستند تعاليمها على العدالة و الأخوة، و التضامن بين الناس ضمن احترام الإختلافات. ماذا يمكن أن نقدمه كلنا، كتعليم يهدف إلى عدالة و تضامن أكبرين؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". رواه مسلم، وفي رواية له" المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله".



 مجلة "Panoramiques"، سبتمبر 2003


 

الخميس، 9 يناير 2014

إلى أين تتوجه البشرية؟


إلى أين تتوجه البشرية؟


نحن نعيش فترة صعبة، و في نفس الوقت مُخلِّصة بالنسبة للبشرية اللاحقة، لأنها مطبوعة بالتحول، و كل ما فيها يعاد فيه النظر. فالإلحاحية الوحيدة اليوم، هي أن لا يصل الإنسان إلى نقطة اللاعودة، فعليه أن يكف عن إتلاف الطبيعة، و عن تدمير نفسه بنفسه.

في وقتنا الراهن، تختار البشرية سبلا ملتوية، لكنها ستدرك عاجلا أم آجلا أن سعادتها، لا يمكن أن تكون مرتبطة إلا بالرجوع إلى الله الحق الأبدي، الرحمن الرحيم. و البشرية شبيهة بكائن بشري يعيش الإختبارات كي ينضج، و يدرك ماهو دوره، و هي لن تتوقف أبدا عن التطور، لأن هذا هو قدر الإنسان أيضا. 

... و يقال أن الوضع على الأرض في يومنا شبيه بما ذُكر: الهواء ينقل الأوبئة، و البحر ملوث، و اصطلام الأحراش بوحشية، و التجارب النووية و إذا ما استمر البشر هكذا، فإنهم سيطردون من جديد، لكن إلى أين يذهبون؟

إنه من المُلح التعقل و العودة على الأقل، إلى ما يجعل منا كائنات عادية، كائنات راقية و سعيدة، و مسؤولة حقا. و الإنسان يقول عن طيب خاطر، إنه حيوان راق. لكن ما الذي يسمح له بأن يثبت رقيّه هذا؟ يقول القرآن الكريم "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". سورة الحجرات، الآية 13. إذاٌ، فلنقترب من المركز الرباني، من ذلك الجزيئ من السرّ الإلهي الموجود في كل واحد منا. فمن الملح أن يَنبُثَ (1) كل واحد آنيته للعثور على المنبع، و من أجل العثور على الماء، يجب حفر البئر و إزالة الأحجار و التربة.

فعلى الإنسان أن يكف تدريجيا عن الرغبة في الإستغلال و التملك و التحكم بأي ثمن كي يعيش حياة أكثر بساطة و أكثر تعقلا. إن الكائن البشري ليس له سوى وهم التملك، لأن كل شيئ يأتيه من الله عز وجلّ، فعندما كان آدم يعيش في الجنة كان كل شيئي يأتيه، و منذ أن فقدَ ذلك المقام الفردوسي فإنه يشقى للتملك.
إذا كانت العصرنة قد جلبت لنا تقدما علميا و تكنولوجيا و طبيا، فإنها في المقابل لم تأت بأي شيئ، و لم تغير أي شيئ من مشكل الإنسان في علاقاته مع نفسه و مع أبناء جنسه. فالتحضر هو فن من العيش في انسجام مع الذات و مع الآخرين، ونبل في الطبع، و رقة في الروح، و صراحة في كل لحظة، و أخيرا هو صراع ضد ظلامية النفس العمياء، و ضد إنكار ذلك الجزيئ من السر الإلهي الموجود فينا. إن الإيمان و العلم و المعرفة ما هي إلا طريق واحد بعينه، فالإنسان يعاني و سيعاني بسبب نسيانه لذلك. 

إن الإنسان لا يحصد إلا ما زرع، و هذا صحيح أيضا بالنسبة للأمم و الحضارات، فإذا ما زرعت الغضب و العنف و الفساد، فستحصد عاجلا ام آجلا ما زرعته. انظروا كيف تنتهي حياة الطغاة؟ إنها في الغالب تنتهي في الدم. و انظروا كيف تنتهي حياة الذين دعوا إلى الخير و إلى المصالحة؟ حتى و لو اغتيلوا، مثل غاندي أو لوثر كينغ، فإن أسماءهم ستبقى منقوشة في الذاكرة الجماعية إلى الأبد، لكن أسماء مغتاليهم لا أحد يذكرها.
و ما زال الحديث يجري اليوم عن الحكيم بوذا (2).

و كذا الحديث عن سيدنا إبراهيم و سيدنا موسى و سيدنا المسيح عليهم السلام، لأن رسالتهم معاصرة على الدوام، و لأنهم زرعوا محبة الإنسانية، و ما زال يُحتفل بذكراهم، في حين أننا لا نعير أي إهتمام لذكرى أتيلا (3) أو هتلر.

فواجبنا اليوم هو أن نجيب بتواضع عن مشاكل الإنسانية. علينا أن نجد ما يسمح للإنسان بالعيش في انسجام مع عصره، لا في تناقض معه. إنه من السهل جدا رفض المجتمع و الإنطواء على النفس، و لكنني أشك أن يكون ذلك بناءأ، فما فائدة الإنغلاق في إيديولوجية أو فلسفة أو عقيدة طائفية تعيق و تجمد كل أشكال التطور؟
فالذي يركد و لا يواكب مسيرة الحياة، فإنه لا يجد أبدا أجوبة ملائمة للحاضر. فكل الأحداث الراهنة، سواء تعلق الأمر بالأصولية أو بالإرهاب أو بالتعصب ما هي إلا علامة للرفض و التقييد، و ركود العقليات، و خوف الإنسان تجاه مستقبله الغامض.

لقد ساهمت جميع الثقافات بنصيبها في بناء سعادة البشرية، كما ساهمت حضارتنا المعاصرة هي أيضا بحصتها، إنها تمثل الميراث العتيق للحضارات السابقة: الصينية أو الهندية أو المصرية أو الرومانية أو الإغريقية أو الهندوأمريكية...

أما فيما يخص الحضارة الإسلامية، فإنها تحتوي هذه الحضارات كلها. و على هذا، فإنها ليست أحسن أو أسوء من حضارة أخرى. و من المعاينة و لأجل خير البشرية، فهل نحن قادرون، من خلال تفكير صادق على إيجاد أرضية للتفاهم و أجوبة مطابقة للشرور التي نفرزها و التي تهاجمنا و تقوّض أسسنا؟

إذا لم يُقوّم الإنسان سلوكه على جميع المستويات – العلمية و الفلسفية و الإجتماعية و العسكرية و الإقتصادية – فإنه يسارع إلى التهلكة، و إن بقاءه، هو موضوع الخلاف، لأن الكرة الأرضية لم يسبق لها أن عرفت أبدا إكتظاظا و لا تلوثا بهذا الحجم من قبل.

إني، أقول للأفراد المهتمين بالروحانيات المتزايد عددهم "لا تهتموا بعدُ، بالروحانيات، بل بالإنسانية". فالخطر اليوم هو بالشكل الذي يحتم علينا أن نتوجه إلى الإنسانية، و إلى الإنسان الكامل.

ثم هناك المشكل بين الأغنياء و الفقراء، و كان دائما موجودا، و سيكون من الوهم القول بأن هذا المشكل يمكن حلّه كليا، لكن يمكننا أن نخففه بشكل كبير.

كيف يمكننا أن ننفق الملايير للقيام بحرب، أو لصنع الأسلحة، أو الإفلاس في الألعاب، و في نفس الوقت نجد أنفسنا عاجزين عن حل المشاكل، كالمجاعة و البؤس و التهميش في حين أن إمكانياتنا تسمح لنا بمعالجة ذلك؟
ما دمنا لم نُعلِم أطفالنا أن الحرب وباء و سخافة و لعنة على البشرية، و أن المُناضل الحقيقي هو الجندي الذي يجسد و يدافع من خلال التضحية بحياته عن الضعفاء و المضطهدين، و كذا عن كل القيم الإنسانية و العالمية للسلام و الوئام... مثل الفرسان و الساموراي و المجاهدين، و ما دمنا لا ندرك أن إنتاج و بيع الأسلحة المرعبة و المدمرة هو جريمة فإننا لا يمكننا القول بأن حضارتنا عصرية و متقدمة. في الحقيقة ليست سوى حضارة تعتمد على القوة على حساب الضعفاء، و على حساب الإنسانية، و إن عصريتها، ما هي إلا خدعة تكنولوجية تخفي طبيعتها الفوضوية ذات التوتر الشديد، و المجردة من محبة الإنسانية.

و أود أن أضيف، إن الذين يساهمون في خلق هوة بين الإسلام و الغرب يرتكبون خطأ فادحا، لأنهم يسعون لدى الجانبين في تغذية الكراهية و الغضب و الرغبة في الإنتقام. فلا أحد يمكنه أن ينكر وجود أكثر من مليار نسمة في العالم  الإسلامي بمشاكلهم الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية و السياسية. إن العالم الإسلامي لفي حاجة إلى المساعدة ليجد إستقراره و توازنه، و طريقه الوسط الحق. أما إبعاده أو عدم المبالاة به فهو أمر لا معنى له، لأن مستقبل الجميع مرتبط باستقراره و ازدهاره. فبالحوار و التعاون و الأخوة العالمية تتحقق الإنسانية أو لا تحقق.
و الإسلام يأخذ الإنسان كما هو، بتناقضاته، و أقول ببساطة و بدون رغبة في الإرشاد، فَلْنكن إنسانيين أكثر، و لنتعلم حتى نعرف بشكل أفضل أنفسنا باطنيا لنعود أكثر، شيئا ما إلى النموذج المثالي للإنسان الكامل.

يجب على سادتنا و علمائنا الإجتماعيين و فلاسفتنا أن يستلهموا من الآن فصاعدا من هذا البعد الإنساني بكل ما في الكلمة من معنى، و أن يفهموه جيدا من أجل مصلحة الجميع، كما يجب أن نكف عن صب الزيت على النار. لأن مصائب قوم ليست عند قوم فوائد، و إلا، فنحن لا نعمل إلا على خلق سعادة و سلام مصطنعين لا يدومان إلا لحظة، فلا نفاجأ إن حدثت من جديد عاجلا أم آجلا مصائب قوم لقوم آخرين. فمثلا المشكل المأساوي للمخدرات في الغرب، هو بمثابة معادلة نوعية للمواقف الإستعمارية و الحربية في الصين، و في بلدان أسيوية أخرى.

من المُلحِّ أن نتبنى سلوكا إنسانيا مسؤولا مع أنفسنا كما مع أولادنا و مع جيراننا و حتى مع أعدائنا أيضا، يجب أن نحاول تجسيد القيم العالمية من اجل تبليغها و الدفاع عنها لأنها مهددة للغاية. 

إن الأصولية لا توجد في العالم الإسلامي فحسب، و لكن حتى عند الآخرين أيضا، و هي تعبر عن الخوف و الجهل و عن فقدان المعنى، و هذه الأصوليات تأمل بانزوائها في التمكن من البقاء و في حماية نفسها من شرور العالم.

نحن ندعي أن حضارتنا المعاصرة بالنظر إلى تقدمها العلمي و التكنولوجي إلخ، هي الأكثر تألقا، ففي أي شيئ هي متألقة، إذا لم تستطع حتى تحقيق هذا البعد للإنسان الكامل؟ أ تكون أكثر تألقا بإنكارها للمشاكل الحقيقية للبشر، و بعجزها عن تغذيتهم على كافة المستويات؟ و متى لم يعد العقل سائدا في المجتمع، فإن الحكمة تبرحه عن قريب، و يضعف حينئذ الضمير، و يهذي المنطق.

إن الاشخاص الذين يقرأون الكتب، و يتعلمون التقنيات، معتقدين أنهم في سيكتشفون في يوم ما الملجأ الباطني، فهم مخطئون. و البعض يتأوهون في معاناتهم، و مع ذلك فإنهم لم يحاولوا أبدا، و لو ليلة، القيام بخطوة نحو البحث عن الحقيقة خارج ذواتهم، و خارج عالمهم الصغير.

كيف يتم إكتشافها؟ يتم عيشها في كل مكان، في حين أننا لا نكف عن إنكارها باعتدائنا و بكذبنا على الآخرين و على أنفسنا. 

إن الحقيقة تقتضي قبل كل شيئ الدخول في انسجام مع كل تناقضاتنا، و الأخذ بعصا الترحال. و الروحانية ماهي إلا تعبير عن البساطة و لا شيئ آخر، إنها توجد حيثما كان، عند الطفل و الشيخ و الجاهل و العالم. و التصوف يقتضي ببساطة، أن نتطور باطنيا، و أن نعكس هذا التطور.

و إذا كانت هذه الفكرة أو هذه المدرسة قد استطاعت أن تقطع الزمان و تصل إلينا سليمة، فهذا ليس لكونها لم تقاوَم و لم يقدح فيها، بل بالعكس فالكثير من الصوفية قد استشهدوا على أيدي أنظمة طاغية مرتابة، و على أيدي علماء مغترين بمعترفهم، و على أيدي نساك يظنون أن العالم على شاكلتهم، و على أيدي فقهاء منافقين يبيعون أنفسهم لمن يعطي أكثر، و على أيدي جهلة يصدقون الأكاذيب.

معاذ الله أن يكون التصوف محتاجا لأنصار، أو لمن يدافع عنه، و لا حتى بشكل قليل لمن يمجده، إنه طريق "الذين يمشون على الأرض هونا و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما". سورة الفرقان، الآية 63. هناك من يعنيهم الأمر و مَن ليسوا كذلك، قال مولانا رسول الله صلى الله عليه و سلم "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

إن الإدعاء و الكبرياء هما اللذان يجعلان المرء دائما يقول "أنا أفضل من الآخرين، و إني أمتلك الحقيقة و لدي أفضل شيخ، و أفضل نبي، و أفضل ديانة". فلا يوجد إلا واحد أفضل "إنه الإله"، الذي لا يوصف و لا يدرك، و الذي يجب علينا قبل كل شيئ أن نتوجه إليه سبحانه.

نحن في التصوف نلتجئ إلى الله جل ثناؤه، ليسكن ضمائرنا و قلوبنا المفعمة جدا برغباتنا و شهواتنا، و حتى يمكن أن يسكنها الله سبحانه يجب أن تكون فارغة و مطهرة من جميع الرذائل المرتبطة بم يُتوهم معرفته، فالله عز و جل موجود بقرب المحتاجين إليه. و لإعانة أنفسنا على ذلك، فالصلاة ضرورية.

أنا لا أومن بالصدفة، و لكني أومن بالإرادة الإلهية، و كل واحد له إيمانه و عقيدته، و هذه الإرادة مختصة به سبحانه، للتلاقي فيما بين مختلف الديانات التي ليست وليدة الصدفة، كما يصرح بهذا القرآن الكريم " يا أيها إن خلقناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أتقاكم" سورة الحجرات، الآية 13. نحن لسنا مختلفين من أجل التصارع فيما بيننا، و لكن من أجل التعارف، حتى نكون مرآة لبعضنا البعض، و حتى نغتني باختلافاتنا.

لقد وصلت البشرية إلى عتبة، فإما أن تعرف نفسها و تختار الرجوع إلى الوحدانية، و إما أن تسعى إلى التهلكة. و بما أننا بشر، فنحن إذا ما تغيرنا باطنيا، و إذا ما ألهم التسامح لقاءنا مع الآخرين، يمكننا تغيير المصير الحرج الذي يبدو أن البشرية تتجه نحوه. 

فعلى الغرب مثل الشرق أن يكفا، عن الإعتقاد أن ثقافتيهما فريدتان، لأنه توجد نماذج أخرى في عداد التراث الروحي و الثقافي للبشرية، فإذا ما حكمنا على الديانات و الثقافات و الأجناس الأخرى باسم ما نراه حقيقة قُدوسية ما، فقد يكون هذا بالنسبة لنا جميعا ضررا و خسارة لا تعوض، فالحقيقة الربانية ليست حكرا على أحد، إذ إنها ليست بشرية، بل ربانية، فيجب البحث عنها في كل يوم بقوة، و إحياؤها و تمجيدها من طرف الجميع، لأننا محتاجون إليها من أجل توجيهنا و هدايتنا.

و إذا أمكن القيام بالدعاء فلنسأل الله عز و جل، أن يسدد خطانا، و يجعلنا أكثر تسامحا، و أن ينزع الحقد من قلوبنا و يعوضه بالمحبة، و يذهب الغضب و يعوضه بحكمته، حتى يجعلنا أكثر وعيا بأنفسنا و بالآخرين، و يسمح لنا بمقاسة هذه الهبة التي تلقيناها، إنها هبة الحياة.

و هكذا، فالطريق الذي يوصل إلى الله الحق هو طريق الأمل و التسامح، و هو الذي يحمل في طياته الحياة الإنسانية القادرة لاستقبال "المُخلِّص- المسيح" عليه السلام، و كذا الساعة التي ينتصر فيها الحق على الباطل، و ينتصر الخير على الشر، و الكرم على الأنانية، و الصلاح على الفساد، و أخيرا تنتصر الإنسانية على الحيوانية، فالديانات كلها تبشر بهذه الساعة المسيحية و تنتظرها.

لكن، من منا سيتعرف على هذا المخلص و سيتبعه؟ و هذا ما جعل الشيخ الحاج عدة رضي الله عنه، يقول "إن الجماعة المهيأة لاستقبال المسيح عليه السلام، ستكون قد جردت نفسها من فكرة أناها. فلا يمكنها إذا أن تقول: أسرتي، أصلي، ديني. إنها زمرة الصالحين المطهرين".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). نبثَ فلان البئر، أي إستخرج ترابها.
(2). الحكيم بوذا، مؤسس الديانة البوذية في القرن السادس قبل الميلاد.
(3). أتيلا، كان ملك الهون، عاش في القرن الخامس الميلادي.

             الشيخ خالد عدلان بن تونس، "التصوف قلب الإسلام"، الطبعة الأولى سنة 1996.