الأحد، 26 أبريل 2015

لقاء مع الشيخ خالد بن تونس

لقاء مع الشيخ خالد بن تونس
"ينبغي على الأمم المتحدة أن تنشئ يوما عالميا للعيش معا"

    ولد سنة 1949 بمستغانم. هذا الجزائري هو على رأس إحدى أهم الطرق الصوفية، فرع للإسلام الباطني، منذ أربعين سنة. كان في مدينة ليون هذا الأسبوع للمشاركة في لقاءات إسلامية مسيحية، و التفاعل مع الهجوم المخطط له، الذي أحبط ضد كنائس بالقرب من باريس.

الصحفي: اتهم شاب جزائري، طالب في الإلكترونيات بمحاولة تنفيذ هجوم ضد كنيسة، أو أكثر، في فيلجويف بالقرب من باريس. ماهي ردة فعلك؟

الشيخ خالد بن تونس: أقلية محدودة و متطرفة في الإسلام، تتفاعل بهذا العنف، تجلب كل اهتمام الصحافة الدولية. طائفة منغلقة و منطوية على نفسها، تحاول التضييق على التنوع الكبير الذي يزخر به ديننا، و محوِ لاسيما، ثراء إسلام الأنوار. توجد أقدم كنيسة في العالم في بلد مسلم، بالأردن، و أقدم كنيس بالعالم موجود بتونس. أما عن اليهود الذين فروا من المذابح في أوروبا، فقد لجأوا حتى القرن التاسع عشر، إلى الإمبراطورية العثمانية، التي كانت إمبراطورية إسلامية. من سيذكر أن الرسول صلى الله عليه و سلم، سمح لرهبان و أسقف بإقامة قداس في مسجده بالمدينة و بحضوره.

الصحفي: كيف تفسر أن شبابا، بعضهم متمكنين جدا، و يقومون بدراسات واعدة، ينقلبون نحو الإرهاب؟

الشيخ خالد بن تونس: بدون شك أنهم يعانون من فراغ، في المحبة و الهوية و في تجذرهم لإيجاد قدوة، بمأنهم يدمرون أنفسهم و يدمرون. يجاهرون بحاجتهم للتواجد، باستعمال القتل. لنجعلهم يتواجدون بالمساعدة و التبادل و التعاون. هناك الكثير للقيام به في هذا العالم.

الصحفي: هل سبق و أن اجتمعت بجهاديين، بالمناسبة، و التحدث معهم؟

الشيخ خالد بن تونس: نعم.

الصحفي: ماذا يقولون؟

الشيخ خالد بن تونس: إنهم يعرفون أنهم يواجهون شخص يعرف التاريخ و الفقه. فهم مذبذبين: في السنة الماضية تناقشت مع بعضهم في فرنسا، خلال شهر رمضان. في كل مرة كانوا يجتنبون الخوض في الدين للكلام عن السياسة و الظلم، على الرغم من أنهم ينحدرون من عائلة ثرية أوروبية، لم تعرف القهر.

الصحفي: فلماذا هذا التشدد؟

الشيح خالد بن تونس: يستجيب المجتمع لطلب شبابنا باستهلاكية. و هذا لن يفيد. يلزمنا قدوة.

الصحفي: ماذا تقترح؟

الشيخ خالد بن تونس: طريقتنا نشيطة جدا بين الآخرين، من خلال الكشافة الإسلامية الفرنسية. إننا نحضر للقاء كبير مع 4000 شاب، في الضاحية الباريسية، في صيف 2016. ينبغي أيضا تعزيز التعليم. إنه كعب أخيل (1) في مجتمعاتنا.

الصحفي: فما الذي تعنيه؟

الشيخ خالد بن تونس: يجب على وزارة التربية و التعليم إدخال لجميع التلاميذ، دورات تمهيدية لثقافة السلام و الأنسية. و لكن العالم بأسره بحاجة إلى السلام. هذا هو السبب في أننا كنا بالأمم المتحدة، من 9 إلى 20 مارس 2015 للدفاع عن مشروعنا "اليوم العالمي للعيش معا". جمعت عريضتنا أكثر من 150000 توقيع، و تحصلنا على دعم 24 بلد، بما في ذلك فرنسا و الولايات المتحدة. نحن قريبون من الهدف، و نحتاج فقط دعم ثلاث دول حتى يستكمل الطلب. "العيش معا" هو "العمل معا". نحن نخشى بحق في أيامنا التغير المناخي، و يجب أيضا أن نكون قلقين بشأن مناخ القلوب.

الصحفي: هل تخشى صداما بين الأديان؟

الشيخ خالد بن تونس: يسعى الإرهابيون إلى التسبب فيه، و خصوصا في فرنسا. هناك دائما خطر.  و لكن في هذا البلد مهما يقولون، لقد أظهرت مظاهرات يناير، أن الأشخاص الذين تصرفوا من أجل المساواة و الأخوة و الحرية، أبقوا على كامل قواهم. 

"Le progres.fr" ، في 25 04 2015. جمعه نيكولا بالي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). يقال هذا المثل على نقطة ضعف قاتلة على الرغم من القوة الإجمالية العالية. و أخيل هو البطل الأسطوري اليوناني. و كعب أخيل يعني ببساطة ضعف الشخص.

السبت، 18 أبريل 2015

الشيخ خالد بن تونس في نيويورك

الشيخ خالد بن تونس
 في نيويورك


    شارك الشيخ خالد بن تونس، في الفترة الممتدة بين 9 و 20 مارس 2015، في الدورة الـ 59 للجنة "النظام الأساسي للمرأة"، للمجلس الإقتصادي و الإجتماعي (ECOSOC)، التابع للأمم المتحدة.

بهذه المناسبة طلب الشيخ خالد بن تونس باسمنا و باسم المنظمة غير الحكومية "عيسى" الدولية، من الأمم المتحدة ترسيم يوم عالمي للعيش معا، و أيضا تم تسليم قانون المرأة ودورها في المجتمع، لهيئات الأمم المتحدة، كما تم تحديده في محاور المؤتمر الدولي للأنوثة، المنعقد في وهران شهر أكتوبر الماضي.

    فيما يتعلق بمكانة المرأة، فقد أدلى الشيخ خالد بن تونس بالبيان التالي: 

    "ليس هناك شك في أن تلعب المرأة دورا أساسيا في التنمية والتوازن في المجتمع. من خلال تعليمها، ونقل القيم، وآلام الولادة التي عانتها، و التضحيات الضخمة التي قدمتها، وعلى الرغم من الظلم الذي تتعرض له، فإنها تبقى هي الرحم، و الضمان لاستقرار أمة.

    هي مركز لجاذبيتها،... إذا كان المجتمع المسلم يريد أن يجد السلام و لذة العيش، و إذا كان يحترم كرامة المرأة، و يقوم بتصحيح الظلم والأذى الذي سببه لها، و يعيد إليها مكانتها ورتبتها الحقيقية، عندها كل شيء سيعود ممكنا في المستقبل القريب".

    إن الإتصالات التي خاضها الشيخ خالد بن تونس، بمعية أعضاء من جمعية "عيسى"، مع العديد من الوفود والبعثات الدائمة لبلدان معينة، في الأمم المتحدة، تؤكد على أهمية مشروع اليوم العالمي للعيش معا، وأن هذه المبادرة تستحق أكثر من مجرد يوم دولي بسبب أهمية رسالتها، و الوضع المثير للقلق الذي يواجه العالم اليوم.

    هذا اليوم يقدم مساعي السلام، و يطلق رسالته إلى مواطني العالم، لبناء مجتمع قائم على احترام الذات، والآخر، من كل الأحياء. وهو يمثل التزاما قويا داخل الأسرة البشرية، يربط مفاهيم المواطنة والتعددية والإنسانية والروحانية. إن الهدف المرجو هو خلق حركة عالمية تقوم على القيم الأساسية، التي يطمح إليها قسم كبير من البشرية، والتي تبقى ضرورية لنشر ثقافة السلام.

من برقياته التي كان يبعثها من إقامته بنيويورك، حول مستجدات مشروع اليوم العالمي للعيش معا، و أنشطته و لقاءاته بالأمم المتحدة، ورد في الرسالة الأخيرة ما يلي:

"سيتم عرض ملف اليوم العالمي للعيش معا (JMVE) في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذا توفرت كل الظروف لذلك، خلال شهر سبتمبر من سنة 2016. وإلى حين استيفاء جميع الشروط، يجب الحصول على موافقة خطية لـ 22 حكومة على الأقل على الصعيد الدولي. هذا الاتفاق هو شرط ضروري لدفع مشروعنا، و يكون مندرجا في جدول أعمال الجمعية العامة للمنظمة الدولية.
لتحقيق مشروعنا، فمن الضروري العمل في إطار لوبيات. في هذا الإطار بدأنا الاتصال بالعديد من ممثلي الدول. وفي هذا الاتجاه إلتقينا بمستشار وزارة الخارجية الأمريكية السيد "شاريك زفار" الذي أعجب بمقاربتنا حول قضايا الاسلام، و حول مشروعنا لتخليد اليوم العالمي للعيش معا، وأبدى لنا استعداده لتدعيم والدفع بمشروعنا، مع إبداء رغبته في إعادة لقائنا.
ثم استقبلنا أيضا من طرف السفارة الفرنسية بالأمم المتحدة، من طرف موظفين الذين تحمسوا لمشروعنا (JMVE)، وأكدوا لنا دعمهم الدائم، ووعدونا بإقحام في صفهم الـ 27 دولة الأوروبية.
التقينا كذلك مع وزراء و سفراء من الجزائر و المغرب و تونس و مصر و بنين و السنغال، و تشيلي، و المنسق العام للمحكمة الجنائية الدولية السيد "وليام بيس"، و مع العشرات من المنظمات غير الحكومية، الذين انخرطوا بإجماع في هذا المشروع (JMVE)، واعديننا بالدعم الكلي عند تقديمه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال سبتمبر من سنة 2016.
و بعد كل هذه اللقاءات العديدة والبناءة، تم التأكيد على الاتصال بالمجموعة الأورو متوسطية التي تعيش انتفاضة فعلية وظروفا صعبة.
و فضلا عن انخراط الأمم و الشخصيات في هذا المشروع، لابد من العمل على جلب منخرطين من ممثلين و رياضيين و فنانين و كتاب و سياسيين و شخصيات المجتمع المدني.. الخ.
بناء على التجربة الناجحة لمهرجان "كان"، حيث اختارت مختلف المجتمعات العيش معا بشكل أفضل، الشيء الذي أهلها إلى اعتراف دولي بكونها المدينة الأكثر أخوية في العالم. (1).
سنواصل اتصالاتنا وتحركاتنا على المستوى الدولي، لدعوة أكثر عدد ممكن من المنخرطين في مشروع تخليد اليوم العالمي للعيش معا (JMVE).

تحياتي الأخوية."

    في الختام، نرجو منكم المساندة بترك توقيعكم، رمزا للمشاركة في مشروع السلام العالمي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)    استلم الشيخ خالد بن تونس مع أعضاء من "العيش معا لـ كان"، يوم 17 يناير 2015، جائزة "كيارا لوبيك من أجل الأخوة"، الجائزة الدولية التي نظمتها الجمعية الإيطالية "مدن من أجل الإخاء". فاز بها هذه السنة جماعة "العيش معا" لمدينة كان، التي تظم مسلمين و مسيحيين و يهود و بوذيين و غيرهم.


الجمعة، 13 مارس 2015

علاقة الإنسان مع الله

علاقة الإنسان مع الله


للشيخ خالد بن تونس

    إن عمل الإنسان الفاضل، من أجل خير المجتمع، في حضن الإنسانية، يصبح ضرورة تحفز سعيه و حتمية تقرر صلته بالله، و ليس فقط واجب أخلاقي و ديني.

    من الضروري أولا، أن نفحص مكانة الإنسان في الخلق، و نفحص المعنى المعطى لمفهوم الخلاص، لكي نفهم في الأخير، نطاق أعمالنا، و نقدر أهميته، في الحياة الدنيا.

    لا يؤكد الإسلام على التجسيد أو على تجلي المطلق، أو ينص على طبيعة الإنسان الساقطة و الناقصة و المذنبة، في صلة الإنسان مع الله. بدلا من ذلك، فإنه ينظر إلى الإنسان، كما هو عليه في فطرته، و إلى الله جل و علا، كما هو عليه في حقيقته المطلقة.

    صحيح أن الإنسان، في وضعه العاجل، كائن ضعيف أناني و غير عادل، يكون عادة، أسير رغباته و شهواته و عواطفه الحيوانية، و غالبا، ما يكون جاهل بحقيقة كينونته، التي تجعل منه آنية الضمير الإنساني.

    بأي شكل من الأشكال، لا يتجاهل الإسلام ضعف و قيود الطبيعة البشرية، و لا يعتبر الإنسان رغبة منحرفة، و لكن بالأساس، ككائن تلقى الأمانة من تلك الحضرة الإلهية.

    في هذا، فهو خليفة الله في الأرض. إذا كان جوهر الألوهية منيع و مطلق، بالمقابل، فهو بِصفاته قريب من كل الخلق. بها (1) يتقرب الإنسان منه. في ذلك، فهو على صورة خالقة، كمرآة تعكس بشكل واعٍ، هذه الحضرة الإلهية.

    هذه الفطرة، هي في المقام الأول، ذكاءا، يمكنه أن يميز الحق من الباطل، و يؤدي إلى التوحيد بشكل طبيعي. ثم بعد ذلك، تكون إرادة، يمكنها أن تختار، بشكل حر، بين الصواب و الخطأ. و أخيرا هي قوة الكلمة، التي يعبر بها عن الصلة بين الإنسان و الله، و أيضا بينه و بين أقرانه.

    إن العقل و الإرادة و الكلام، في جوهرها صفات إلهية، عهد بها الله إلى الإنسان، و بواسطتها يسعى إليه. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "إنما الأعمال بالنيات". في الواقع، إن النية هي التي تؤسس، قيمة الأعمال، مؤدية بالإنسان نحو الخلاص، أو أنها تبعده عنه.

    هي تتغذى و تعتمد و تنبني على شعوره. في الحقيقة، إن العقل لا يكفي وحده، فالأمر يتطلب بأن يكون مخصبا بالشعور، الذي بدوره بحاجة إلى هداية، لكي يولد و ينمو. هنا تتدخل التعاليم الروحية و الدينية، التي رافقت الإنسانية منذ الأزل. أنزل الله تربية الإيقاظ، بواسطة الأنبياء و الحكماء و الرسل، التي غذت و أنمت شعورنا الفردي، حتى تحقق في الشعور الكوني.

    عندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة النهائية، فإنه يتوحّد و يبلغ التوازن الكامل لشخصيته، و من هنا تأتي أهمية تربية اليقظة. فكلما ازداد شعورنا، كلما ترقت كينونتنا.

    إن عمل الإنسان الفاضل، من أجل خير المجتمع، في حضن الإنسانية، يصبح ضرورة تحفز سعيه و حتمية تقرر صلته بالله، و ليس فقط واجب أخلاقي و ديني. فهو خلاص للنفس، في هذه الدنيا، دون انتظار جزاء آجل في الآخرة. إنه طريق المحبة غير الأناني، الذي يؤدي إلى السلام و الإخاء، و السمو نحو الألوهية، منبع الرحمة، التي تمنح بشفاعتها للإنسان، نعمة الخلاص الأبدي.

    بالمقابل، إذا كانت فكرة الخلاص، مرتبطة بمنح مكافأة في المستقبل، و الخوف من العقاب الأبدي، فإن هذا سيُكيف سلوكنا، باتباع، بلا تبصر، معتقد أو أدبية، باعتبارهما السبيل الحصري للخلاص. و من ثم، تصبح مرجع وخيم العواقب، يواجه حرية الآخر، و الإحترام الواجب لمن هو مختلف عنا، و لا يفكر مثلنا، و لا نملك نفس المعتقد.

    لا يجعل منا مفهوم الخلاص، كائنات أخوية منفتحة للشمولية، بل بالعكس، كائنات تفكر في أن الذين لديهم نفس معتقدنا، أنهم هم على حق و يستحقون الخلاص. بهذا الموقف، فإننا نفقد الإعتراف برحمة الله الواسعة، التي تستوعب في حضنها جميع المخلوقات.

    يسمح هذا التنوع و هذه الإنقسامات للإنسان بالتساؤل و بالبحث. في مجال الإيمان، فإن الحقيقة دائما ثابتة. تنكشف لنا من خلال التجربة العميقة المعاشة في صميم الفؤاد، و بيقين راسخ في صِلاتنا بالله. لكل تقليد منهجه. هذا التنوع مقصود، حتى يتلقى كل الناس الحقيقة، وِفقا لثقافاتهم و عقولهم.

    قال محمد صلى الله عليه و سلم "حدثوا الناس على قدر عقولهم" (2)، و قال الله تعالى "و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة". سورة المائدة، الآية 48. دائما و في كل مكان، زعم رجال أنهم على حق، و جعلوا الآخرين يعانون، الذين لم يكونوا متفقين معهم. على الرغم من الإبادات الجماعية، فإنهم لم يتمكنوا من إيقاف مصير الإنسانية.

    إن الوحي الذي جاء به كل نبي، يُحفز و يوقظ الإنسان لكي يستعيد الكونية المندرجة فيه. لا يوجد أي عداء بين الأنبياء، و لا يوجد أي معارضة بين الرسائل السماوية، و لكن استمرارية مثالية في وئام. فلنتخلى عن ادعاءاتنا التي تجعلنا نعتقد أننا الوحيدين الموجودين على الطريق الصحيح. إذا كانت الرسالة هي نفسها عالمية، فإن الإنسان بأنانيته، يقوم بتحويلها و التقليص منها و جعلها جافة، مُستليا عليها باستغلالها من أجل تحقيق مكاسب شخصية.

    إن الخلاص و وسائل الخلاص، تصبح مجالا مخصصا للبعض، مُقصية البعض الآخر. إستحوذت عليها "نُخب"، و إذ أنهم يستغنون عنها أو يقيدونها، تعسفا، إستنادا إلى تفسيرهم للنصوص المقدسة. على الرغم من أن هذا الإجراء، يستند أحيانا على النوايا الحسنة.

    لا يُتحصل على الخلاص بوصفة سحرية أو عقائدية أو طائفية، يمنحها أشخاص "علماء" أو "مستنيرين". هو رحمة عظيمة، يمنحها الرحمن إلى كل مخلوق يعود إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). أي صفاته.
(2). عن عبد الله ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلا كَانَ فِتْنَةً عَلَيْهِمْ". رواه مسلم.
         

الثلاثاء، 27 يناير 2015

يجب أن نعلم أبنائنا من جديد قيمة الحياة


يجب أن نعلم أبنائنا من جديد قيمة الحياة


    بعد تعرض الجريدة  الساخرة "شارلي إيبدو" لهجوم إجرامي يوم 07 01 2015 بباريس، تسبب في مقتل عدد من موظفيها، و ما ألقاه هذا الحدث من وبال على الجالية الإسلامية بفرنسا و أوروبا، إذ نسبت الجريمة لمسلمين فرنسيين من أجل جزائري، و نهوض كل الأمة ضد العملية و توحدها، دفع بالمسلمين الغيورين على دينهم و المتمسكين بوطنيتهم إلى النهوض و التعبير عن سخطهم و التنديد بالجريمة النكراء التي ألصقت بالإسلام و المسلمين.

    في هذا السياق، كان للشيخ خالد بن تونس دورا فعالا و بارزا في الكشف عن خطته في إظهار أنسية الإسلام و الرحمة الكبيرة التي ينشرها، و مؤكدا على الدعوة للعيش معا، في ظل عالم يتميز بمخاض تكشفه الأيام و الليالي المتوالية. خرج الشيخ خالد بن تونس و التقى بالصحافة مبرءا ذمة الإسلام، و منبها المسلمين إلى التوحد و إلى أخذ الحيطة، و الوقوف في وجه من ألصق بالإسلام كل تطرف و عنف.

    في لقاء له مع تليفزيون France 24 Arab، جرى الحوار التالي:

الصحفي: سواء من نيس إلى باريس، و إلى بوردو، الصدمة عمت عدة مدن، و المجتمع الفرنسي. كيف عشتم هذا الحدث، أنتم في نيس؟

الشيخ خالد بن تونس: على كل حال، ليس العالم الفرنسي فقط، بل العالم ككل. و أتمنى أن الصدمة تكون كذلك، في العالم الإسلامي. ما وقع في فرنسا البارحة و اليوم، فهو عبارة عن أذى، أذى للإسلام، و قد أصاب خاصة الرسول صلى الله عليه و سلم، و تربيته. فإننا نرى أن هذه الجماعات المتطرفة، عكست حقيقة الرسالة المحمدية، التي قبل كل شيئ، أتت رحمة للعالمين.

الصحفي: خالد بن تونس، ما المفروض على المجتمع، أو على من يعيش على الأقل، على الأراضي الفرنسية في المرحلة القادمة، ما الذي يجب فعله كمسلمين بالتحديد؟

الشيخ خالد بن تونس: كمسلمين بالتحديد، مع ما نقوم به، مع بقية الأديان، هو التثبت في المواطنة، و أن نؤكد الآن، على جمع الشمل، و أن نعزم على بناء مجتمع سلمي أخوي، فيما بين أفراده، كالذات الواحدة، لها أعضاء، تقوم للسعي لبعضها البعض، في الخير و السلام، و التعايش. و هذا مفروض علينا، سواء رضينا أو لم نرضى. إننا نعيش في وطن آمن، فيه سلم و فيه قانون. من يتعدى على السلم و القانون، فقد تعدى على جميع الناس.

الصحفي: في نيس، ماهي ردة الفعل القادمة، و هل لديكم خوف كمسلمين في نيس، في الجنوب الفرنسي، في المرحلة القادمة بالذات؟

الشيخ خالد بن تونس: عند كل واحد اليوم، لا أقول خوف، بل قلق، و وصلت المسألة الآن في هذا العمل، إلى اللاإنسانية. و قد وُجّه هذا العمل لتشويه صورة الإسلام، و صورة المسلمين هنا بفرنسا. و هذا خطير. لأن متطرفين آخرين ينتظرون الفرصة، و قدمت لهم ذريعة، بأن يُدهم الإسلام و المسلمين، كالذي وقعنا فيه اليوم. إننا في مأزق. و الخروج من هذا المأزق، لا يكون إلاّ بتوحد المسلمين، الآن، و أن يفرضوا على أنفسهم، بأن يكونوا مع القانون، و مع الإنسانية، و ينددون بهذه الجماعة و كل هؤلاء المتطرفين، بأن ليس من حقهم أن يتكلموا باسم الإسلام، أو أن يرفعوا لوائه، أو  يكون لهم حظ في نصرته. خرجنا من دائرة الفضائل و الجود إلى دائرة التطرف و العنف. (1).

    و في تصريح خص به جريدة الخبر الجزائرية، قال مايلي "نتأسف لما يحدث اليوم بفرنسا من طرف شباب طائش مصاب بمرض السرطان، يعمل على تخريب السيرة المحمدية، لم يتكون لا في مسجد ولا داخل جامعة، و إنما داخل السجون و أماكن الانحراف و المخدرات، و ليس له تكوين روحي و ديني بل تكوين سطحي من الأنترنت، و يصل به الأمر إلى التحدث على أنه مؤمن ومسلم يسعى إلى نصرة الإسلام والدفاع عن شرف الرسول صلى الله عليه و سلم، الرسول أوصانا من خلال أحاديثه “كلكم من آدم وآدم من تراب”، ويقول “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. وأضاف محدثنا “الدين مبني على ثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، واليوم نقول إن الإسلام في خطر وهو ما قد يعود سلبا على مسلمي فرنسا". (2).

    و يقول الشيخ خالد بن تونس منبها "يشعر العالم الإسلامي بالإعتداء من كل جانب، و يشعر بالإنطواء على نفسه، و لا يجد دوره في عالم اليوم، و هذه مسألة عميقة". و يضيف "نحن بحاجة اليوم إلى بيداغوجية، تستند على أسس ثقافة السلام. ينبغي الإستثمار في ثقافة السلام، و في العيش معا. ليس كواقع معاش، و لكن كواقع تحدوه التربية، و نقل القيم الإنسانية التي تجمع. هذه القيم الموجودة في تقاليدنا، و موجودة في ثقافاتنا، و موجودة في دياناتنا".

    بالنسبة للشيخ خالد بن تونس، لا يريد الجهاديون سوى شيئ واحد، و هو أن يصبحوا مشهورين، بأي ثمن، و لو على حساب حياتهم. الحل الوحيد لمحاربة هذه الإنحرافات، هو التربية. " يجب أن نعلم أبنائنا، انه قبل أن نكون سودا أو يهودا أو مسلمينا، فنحن قبل كل شيئ، ضميرا و كائنا إنسانيا". هي رسالة حكمة و انشراح، موجهة للمجتمع بأسره، و للأمة الإسلامية، ضحية الإسلام المتطرف.

    بالنسبة لهؤلاء الشباب، أصبح الإسلام قمع لكل الإحباطات، و قمع لفشلهم. لم يتعلموا استنباط قوة الكلمة و الحرف. و لكن من دون التعليم، قد تكون المعلومة الدينية خطيرة.

    و في حوار أجرته معه مجلة Le Point، حول العملية، و تحركاته المستقبلية لمواجهة مخلفات الواقعة، كان رده كمايلي:

الصحفي: ألم يحن الوقت للمسلمين للرد بحزم ضد العنف الجهادي؟

الشيخ خالد بن تونس: المشكلة تتجاوز الإسلام. مجتمعنا هو الذي يدور في فراغ. شبابنا استُهلك من طرف النزعة الإستهلاكية. لأننا أصبحنا نسمع فقط عن العنف، و إن الذين يعيشون في خوف، ينطوون على أنفسهم، و ينتهي بهم الأمر إلى إنكار الآخر. يجني المتطرفون ثمرة هذا الخوف، و يتذرعون به للدعوة إلى الإقصاء.

الصحفي: هل تذهب إلى حد القول أن في نهاية المطاف، أن اليمين المتطرف الشعبوي المعادي للأجانب، له نفس مصالح الإسلام المتطرف؟

الشيخ خالد بن تونس: لا، و لكن لديهم شيئ مشترك: كلهم يدعون إلى إراقة الدماء، من خلال حث المجتمعات على المعارضة. علينا أن نتساءل عن ما تقوم به، من أجل العيش معا و جني القيم التي تحمينا من الخرق.

الصحفي: ما هي قيم المستقبل في رأيك؟

الشيخ خالد بن تونس: إن الشيئ الأكثر أهمية، هو الإنسانية. فمن الضروري جدا، أن نتعلم أين يتواجد الخط الأحمر، بين الإنسانية و اللاإنسانية. و أن نعلم أولادنا قدسية الحياة. كل إنسان، أيا كان، مؤمنا أم لا، مسلما أو لا، بغض النظر عن دينه، و فلسفته و شعبه، و جنسه و عرقه، يجب أن يحترم. هذا واجب أساسي على كل واحد منا. و لكن من الضروري أيضا، نبذ العنف و كل ما يعنيه ذلك. يجب أن نتحد كمواطنين للدفاع عن مبادئ المساواة و الإخاء. عندما نكون متحدين، يمكن أن نعطي معنى للحياة. هذا هو السبب، في أننا قد طلبنا من الأمم المتحدة، إنشاء يوم عالمي للعيش معا.

الصحفي: يوم للمرأة و يوم للعيش معا... أليس هذا النوع من المبادرات عبثا؟

الشيخ خالد بن تونس: لا، إنني مقتنع أنها وسيلة لطرح مشكلة الحياة في المجتمع، و رسم الحدود، بين الذين لديهم ثقة في الإنسانية، و يكافحون من أجلها، و الذين ليس لديهم سوى الرغبة في تدميرها.(3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  تليفزيون France 24 Arab في 09 01 2015.
(2). جريدة الخبر في 10 01 2015.
(3). مجلة Le Point، في 14 01 2015.