الجمعة، 5 يوليو 2019

امتلاك الجرأة والإستثمار في تربية السلام

امتلاك الجرأة والإستثمار في تربية السلام
هل الحوار بين الأديان متوقف؟

     نظم نادي الصحافة السويسري، يوم 26 06 2019، ندوته الدورية بجنيف، وأعطى لها هذه المرة، عنوان "هل الحوار بين الأديان متوقف؟". دعي إليها الشيخ خالد بن تونس، ومجموعة من رواد الحوار الديني. جامعته هذه المحاورة بكل من سعادة رئيس الأساقفة إيفان يوركوفيتش، السفير البابوي، المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، والسيدة القس كارولينا كوستا، والحاخام فرانسوا جارا، والصحفية السيدة لويزا بالين، الذين ساهموا بمداخلاتهم وأثروا هذه المقابلة. منح للجمهور الفرصة لطرح الأسئلة، وتخصيب الحوار.


    بعدما أعطت له الكلمة، واجهته الصحفية بالسؤال، هل الحوار البيديني متوقف أو لا يزال مستمر؟ قال الشيخ خالد بن تونس، مقدما نبذة قصيرة عن عمله البيديني، ومقدما شروحا عن بعض جوانب مجرى مسعى الحوار، فقال مبتدئا.

   "سيداتي سادتي صباح الخير. سعادتك.

   أنا سعيد لوجودي معكم، ولأتمكن من التعبير مع آخرين، في الإتجاه الذي ما للحوار البيديني من الأهمية. شاركت منذ مدة طويلة، وقاسمت مع أشخاص عديدين من ديانات مختلفة، ما نسميه الحوار البيديني، بداية من أسيزي، منذ سنة 1986(1). يبدو أن في أيامنا هذه، الحوار البيديني، أو الفكرة التي لدينا عن الحوار في سنوات نهاية القرن العشرين، لا تستجيب إطلاقا لاحتياجات إنسانية اليوم.

    إن اليوم لا ينقصنا الحوار، لقد تحاورنا كثيرا، وإنما هو الإنتقال إلى المصالحة وإعادة الإعتبار لهذه الإنسانية. مَن نحن في الحقيقة؟ هل نحن إنسانيات، بالجمع، أو إنسانية واحدة؟ فهذا هو التساؤل، برأيي، الذي يفرض نفسه. إذ كيف نصالح بين العائلة الإنسانية في تنوعها، مع احترام الإختلافات؟ قال سعادته أننا نفتقر إلى الأفكار، وأعتقد أنه لدينا الكثير منها، وإنما نفتقد إلى الجرأة".

    ثم أخذ يكشف عن وجه من وجوه الجرأة، وما تقدمه من ثمار. حيث أضاف "حاولنا منذ سنة 2014 مع الأمم المتحدة تقرير هذا اليوم، المسمى باليوم الدولي للعيش معا في سلام. في البداية كان فعليا طوباويا، أمر لا يُصدق، عند استقبالنا بالأمم المتحدة، سواءا في الأمانة العامة أو في المهمات التي تخص الدول. قابلونا بابتسامة عريضة، وقاموا بإفهامنا أن شأن الأمم المتحدة أمر جدي، وأن هذه الفكرة معطاءة، والأيام يوجد منها الكثير، حتى يوما للبطاطس. كيف هو ضمير الذين يمثلون الإنسانية، وكيف هو الضمير السياسي للذي يمثلها؟

    ورغم ذلك، بعد مرور أربع سنوات، وفي الثامن من ديسمبر 2017، تم تبنيها بالإجماع من طرف الدول 193، وهذا ما لم نكن ننتظره أصلا. أقول أننا انتقلنا من طوباوية إلى واقع يتخطى كل الآمال. عندما نمتلك الجرأة.. والمسألة هي أن على المجتمع المدني أن يتحرك، وينبغي عليه أن يعبر، ويجب عليه أن يطالب، وهي ليست من اختصاص أهل السياسة، ليس افتقارا للكفاءة أو الوسائل، وإنما أهل السياسة، برأيي وحسب ما أراه، محتجزين في نظام يمنعهم، نظام مصالح ورأسمالي، نظام ذو مصالح خصوصية ومالية واقتصادية، وغير ذلك. ينبغي على المجتمع المدني والإنساني أن يعبر ويطالب بهذه المصالحة لأفرادها، حتى نتمكن من رؤية الإنسانية كبدن، تجمع أعضاءه، كل بلد وشعب وتقليد وفلسفة، وكل مؤمن وغير مؤمن، ويجد كل فرد مكانته. وهذا يشكل ضميرا جديدا. لبلوغ هذا، يجب توفير وسائل".

    ثم قدم الشيخ خالد بن تونس مثالا ثانيا عن الإقدام في العمل، فذكّر بندوة الرياضيات والعيش معا، وهي الدورة الـ 70 لمؤتمر اللجنة الدولية لدراسة وتحسين وتعليم الرياضيات، التي جرت الصائفة الفائتة في مستغانم، وجاءها رياضيي من جميع أنحاء العالم. وجرت من 15 إلى 19 جويلية 2018، بجامعة مستغانم، تحت عنوان"الرياضيات والعيش معا، عملية اجتماعية ومبدأ تربوي"، وشارك في تنظيمها إضافة إلى تلك اللجنة الدولية الموسومة، كل من المؤسسة المتوسطية للتنمية المستدامة "جنة العارف"، والمنظمة الدولية، غير الحكومية "عيسى"، وجامعة مستغانم.

     حيث أوضح الشيخ خالد بن تونس "لإعطائكم فكرة، ربما تكون من الأفكار الجنونية، ولا يمنع ذلك من وجودها. مع اللجنة الدولية لدراسة وتحسين وتعليم الرياضيات التي تجمع على كل حال، جلّ الرياضيين في العالم، قمنا برهان، وهو تجريب فكرة "الرياضيات والعيش معا". لماذا وكيف؟ انظروا ماذا صدر؟ 26 جامعة في العالم عملت في ندوة دولية لمدة خمسة عشر يوما. انظروا ماذا صدر؟ (هو مطبوع حوى وقائع أشغال تلك الندوة، وما ضمته من فعاليات مؤتمر مستغانم)(2). تواجد جامعيون أمريكيون وروس وأوروبيون، من ألمانيا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا ومالطا وإسبانيا والبرتغال، وأفريقيا الشمالية والشرق الأوسط وأفريقيا الغربية، وجنوب أفريقيا والبرازيل، إلخ... إنها 26 جامعة، وأدعوكم لقراءته، إنه بالمجان، ومنشور بالموقع الذي سنرشدكم إليه، يمكنكم مطالعته، ونشره من حولكم. "الرياضيات والعيش معا" شيئ يبدو أنه لا يقع على شكله. ورغم ذلك يمكن التكلم رياضيا، وفي الآن نفسه، يمكن الإثبات أن هذا العيش معا حقيقة واقعة، وأيضا تعليم أبنائنا التكلم رياضيا. إنه المنطق المحض. فمن خلال الرياضيات لا يظهر وجود لعقيدة أو فلسفة أو روحانية، ومنها نصل إلى استخلاص النتائج، أن بامكان أبنائنا من ها هنا، التوجه نحو العيش معا في سلام.

    هذا إستثمار، ولكن ينبغي أن يسترعي اهتمام المجتمع بأسره. أتكلم عن المجتمع الإنساني. ففيه تمارين وورشات، ويحوي ثراءا هائلا، يسمح بتغيير الضمائر.. فمهما قلنا، يجب وضع استثمار في الثقافة في التربية للسلام هذه، وإلا سنواصل في التدهور. فالأمر يتعلق بجيل بأكمله. فأينما توجهنا تصادفنا مشكلة. مشكلة الإحتباس الحراري وانقراض الكائنات وتلوث المحيطات، وكل شيئ يترك أثره، يوحي أن الأمور ليست على ما يرام. تعدينا عتبة التسامح. وإذا لم تغير الإنسانية ضميرها، وتتوجه نحو هذه الأخوة، وإذا لم نتخل عن أنانيتنا، ونسعى للتآزر والإجتماع فيما بيننا، بالمعرفة والكفاءات والتكنولوجيا. ينبغي أن يكون كل هذا في خدمة الإنسانية، و ليس العكس. في أيامنا كل هذا يقبع في خدمة المال. إذن ينبغي علينا تكييف طريقة إدارتنا وطريقة تحاورنا، وطريقة رؤيتنا لما هو إنساني. الإنساني ليس ذكرا أو أنثى، إنه الكائن كيفما كان. نحن نتمتع بتساوي في الكرامة، وعدالة للجميع، وتضامن بين الجميع. في رأيي هذه هي المسألة التي تفرض نفسها علينا".

    "عدتُ من ألمانيا منذ ثلاثة أيام". حيث أجريت فعاليات يوم الكنيسة الألمانية، من 19 إلى 23 يونيو الفائت، بمدينة دورتموند، وهو حدث مهرجاني، شاركت فيه المستشارة الألمانية، والعديد من الوزراء الفيدراليين. أضاف "كنا في مدينة دورتموند، وملعب المدينة يتسع لمائة ألف شخص، وكان الثلثان من الشباب. إلتقوا. ألقيت محاضرة في إطار يوم الكنيسة البروتستان بألمانيا، وحضرت بالفعل السيدة ميركل، والعديد من الوزراء، منهم وزريرة التربية ووزيرالداخلية. ذلك لأقول لكم أن بعض الدول بدأت تأخذ الأمور بعين الإعتبار. وهو ما أتمناه".

    "إذا لم نقم به، فسيتظاهر شباننا في الشوارع. إنهم يطالبون بمعنى للأمور، وأن نحفظ مستقبلهم، ويستفسروننا عن إدارتنا، ونحن شرعا مسؤولين عن ذلك أمامهم وأمام التاريخ. (ما الفرق) بين الجامع والحصري؟ في الحصري، لانستطيع منع شخص من التصرف في ممتلكاته (عائلتي)، وتوجد أمور، هي جامعة (أرضنا وسمائنا ومحيطنا)، فهذه الأشياء نتقاسمها معا. لا وجود لحدود. إذن ينبغي تواجد توازن، وحمل تربية السلام هذه، والخروج من هذه الأفقية، التي تقود سوى إلى التطور على مستوى واحد، والتحول نحو هذه العمودية، التي هي بالنسبة لي، مكونة من قيم. ماهي القيم التي تجمع الإنسانية؟ ما هي قيمنا، سواء كنا دينيين أو لا دينيين؟ ماهي القيم التي تجمع اليهودية والمسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية، وماهي القيم التي تجمع الجميع، بدون إستثناء؟ إذن يتعلق الأمر بإعادة المعنى لإنسانية اليوم. شكرا جزيلا".

    بعدها فسح المجال للحضور للمشاركة وطرح أسئلتهم، وكانت تتمخض عن دور الحوار البيديني وصيته في المجتمع. قال الشيخ خالد بن تونس مسترسلا في كلامه "هذا النوع من اللقاءات، اجتمعت في الكثير منه، مثلما تكلمت عن أسيزي. احتفلنا بلقاءات من هذا النوع، حتى في روما، بكنيسة سان ايجيديو، ومع ممثلي كل الديانات في العالم. احتفلنا به أيضا في بولونيا، في الفترة التي كانت لتزال شيوعية، في سبتمبر 1989، للإحتفال بذكرى الحرب العالمية الثانية، التي كانت كارثية. ونحن في الجزائر احتفلنا بشيئ فريد من نوعه، وهو تطويب 19 راهب ومؤمن مسيحي، قتلوا في العشرية السوداء، وطوّبوا بحضور ممثلي البابا فرانسوا، وحضر أكثر من 1200 ضيف، جاءوا من مناطق مسيحية أخرى، وكانت هذه المرة الأولى، التي يدخل العديد من الأساقفة ومديري العديد من الأديرة مسجدا، واستقبلهم أئمة ومفاتي. إنها سابقة، وجميعا مسلمين ومسيحيين كاثوليك رومانيين، افتتحوا كنيسة تسمى باسم السيدة مريم، تعلو المدينة، واعتمد بهوها باسم ساحة العيش معا في سلام. لأول مرة في بلد مسلم وعربي، على كل حال، أنا لا أعرف سابقة، لتطويب مسيحيين. إذن، إن هذا ممكن.

    لهذا قلت يجب علينا أن نمتلك الجرأة. وهذا يتطلب عملا فعليا. وبعد عام ونصف العام من العمل مع أسقف وهران، ورئيس الأساقفة بالجزائر العاصمة". بهذا قدم الشيخ خالد بن تونس أمثلة مبينة، فبعد تشكيل الفكرة، تليها الجرأة والإقدام، وبعبارة أخرى القيام بالإستثمار في القضية.

    ثم أوضح "أعتقد أن هذا القرار للأمم المتحدة لليوم الدولي للعيش معا في سلام ساعدنا بشكل كبير. وأرى على سبيل المثال، أن بلدا مثل أثيوبيا أنشأ بفضل هذا اليوم لأول مرة وزارة العيش معا في سلام، وهذه المرة الأولى التي تخلق فيها وزارة تنسب للسلام في بلد في العالم، وهذا أمر عظيم. وفي أوغندا استفادت قبيلتي الهوتو والتوتسي منه من أجل المصالحة فيما بينهما. إن الأمور تتحرك، شيئ لا يمكن إنكاره. وإنني أرى أن الـ 16 مايو، يسترعي إهتمام عدد متزايد من الدول في كل عام. وإن الإستثمار يقوم به دائما المجتمع المدني، وليس أهل السياسة، من ناحية هذا جيد، إذ لا توجد مصالح ولا يستثمر سياسيا، وينبغي علينا أن نعلم أن مثل هذه الأعمال توحّد المجتمع، والذي يعنيه، أن العيش معا يسمح لنا بالإلتقاء والتبادل، والخوض في الأمور ذات الطابع التحريمي، والتصور الذي لدينا عن بعضنا البعض... إن هذه الحصرية للحقيقة، لا نستطيع تجاوزها بالتربية بثقافة السلام ولا بالديني، فالدين بحكم طوره سيحكم لنفسه بامتلاك الحقيقة، وإن تربية للسلام بإمكانها أن تساعدنا، نستطيع أن نقول، أنها تُوحد حقا، وتكون تلك حقيقة متقاسمة. نحن جزء من الحقيقة، ولكننا لا نمتلكها بشكل فردي، فلأنها كبيرة جدا بالنسبة لكل واحد منا. الله أكبر من أي أمة، ولا ينتمي إلى أمة واحدة".  

    وفي رده عن تساؤل حول التطرف قال "تذكرنا مسألة التطرف بأن للحوار البيديني أهمية كبيرة. أنتم ترون أن البابا قام مؤخرا بزيارة إلى الإمارات العربية المتحدة، وخرج نداء على إثرها، وقّعه رفقة شيخ الأزهر، وهذا النداء توبع بنداء مكة المكرمة، أين حضر 1200 عالم ومفتي من العالم الإسلامي، الذين اجتمعوا من أجل تحرير هذا النداء للسلام. دأبهم احترام الديانات الأخرى واحترام الأقليات. والأشياء تتم".

    للعلم قام البابا فرنسيس بزيارة رسمية إلى الإمارات العربية المتحدة، في شهر فبراير 2019، وكان في استقباله شيخ الأزهر المصري، وذلك بصفته رئيس مجلس حكماء المسلمين، تلك الهيئة الإسلامية المستقلة، المؤسسة في جويلية 2014، ومقرها بالعاصمة أبو ظبي.  شهد ختام المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي التوقيع على وثيقة 'الأخوة الإنسانية'، بحضور البابا وشيخ الأزهر. وشهد الجانبان "إطلاق وثيقة الأخوة الإنسانية؛ لتكون إعلانا مشتركا عن نوايا صالحة وصادقة من أجل دعوة كل من يحملون في قلوبهم إيمانا بالله وإيمانا بالأخوة الإنسانية أن يتوحدوا ويعملوا معا من أجل أن تصبح هذه الوثيقة دليلا للأجيال القادمة، يأخذهم إلى ثقافة الاحترام المتبادل، في جو من إدراك النعمة الإلهية الكبرى التي جعلت من الخلق جميعا إخوة"، بحسب وكالة أنباء الإمارات.

    وتضمنت الوثيقة "هدف الأديان الأول والأهم هو الإيمان بالله وعبادته، وحث جميع البشر على الإيمان بأن هذا الكون يعتمد على إله يحكمه، هو الخالق الذي أوجدنا بحكمة إلهية، وأعطانا هبة الحياة لنحافظ عليها، هبة لا يحق لأي إنسان أن ينزعها أو يهددها أو يتصرف بها كما يشاء، بل على الجميع المحافظة عليها منذ بدايتها وحتى نهايتها الطبيعية، لذا ندين كل الممارسات التي تهدد الحياة؛ كالإبادة الجماعية، والعمليات الإرهابية، والتهجير القسري، والمتاجرة بالأعضاء البشرية، والإجهاض، وما يطلق عليه الموت /اللا/ رحيم، والسياسات التي تشجعها". وللإطلاع على وثيقة مكة وقراءة موضوعنا في المسألة اضغط هنا.

    ثم عرج الشيخ خالد بن تونس إلى الدور الإعلامي الهدام، فمثل هذه المواضيع التي تثلج القلب وتدخل السرور وتبشر بمفاتيح أمل، لا تجد لها مبلغا يوصلها للجمهور الواسع، فأشار "إنه لأمر مؤسف، فالصحافة لا تخصه سوى بصدى قليل. وإن الأثير الإعلامي في العالم عائق كبير. والأمر الثاني، ودائما حسب رأيي، هو أن هذه المبادرات التي اتخذت من طرف مسؤولين دينيين، لها بالتأكيد صدى على الجميع، وأما عند المتطرفين من أي جماعة كانت، فإننا لا نعلم. إنها متواجدة وستواصل التواجد فيما بيننا. وهذا يطرح السؤال التالي، أنه ينبغي علينا امتلاك الجرأة والإستثمار في السلام. وإن سبب إيجاد الحرب هو وجود مؤسسات تكوّن أشخاص من أجل الحرب، واستراتيجيات وأكاديميات حربية. أنا آسف لا توجد أكاديمية للسلام. قلنا أنه منذ سنين والأمم المتحدة تعدنا بأكاديمية للسلام. لا أعلم كم وجد من مشروع، وأحد المشاريع كاد يثمر، وهو مشروع كوستاريكا، للرئيس الأسبق الكوستاريكي، الذي وهب قطعة أرض بالعاصمة سان جوزي، ولم ير المشروع النور أبدا. قولوا لي هل تعرفون جامعات بها كراسي للسلام؟ قولوا لي؟ أنا لا أعرف. هنا تكمن المشكلة..".

    واعتبر أن "للتطرف أسباب وجوده". ثم قدم مقارنة "كيف أنفقت 17000 مليار دولار، وهي كلفة العنف في العالم، وتمثل 13.64 % من الإقتصاد العالمي. رقم هائل. وفي الجهة الأخرى، ماذا استثمرنا"؟

    وأردف "يوجد الفقر ودول على حافة الإنحراف. انظروا ماذا يحدث في حوض البحر الأبيض المتوسط؟ لم يعد هناك وجود لسوريا والعراق وأفغانستان واليمن وليبيا، وكل دول الساحل مضطربة، من الشرق إلى الغرب. كل هذا من أجل ماذا؟ ما الذي يوجد وراءه؟ ما هي الأهداف وما هي التحديات؟ نحن بحاجة من أي وقت مضى للسلام، وإلا ستأخذ هذه الدوامة كل شيئ. وماذا عن الهجرة بالنسبة للذين طردوا من بيوتهم وأراضيهم، أين تريدون أن يذهبوا؟ يتفادون الموت، وبحر الأبيض المتوسط أصبح مقبرة. أين تريدون أن يذهبوا؟ لهم الحق في الحياة".

    وختم الشيخ خالد بن تونس قائلا "إن الإستثمار في السلام هو الأكثر أهمية. ويسمح هذا الحوار بصفتكم دينيين بتوسيع نطاق السلام فيما بيننا، وبالنسبة لي، فإنه أولى الأوليات".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). اجتماعات أسيزي، هي سلسلة من الاجتماعات بين الأديان، بدأها البابا، يوحنا بولس الثاني في عام 1986، عقدت في مدينة أسيزي في إيطاليا. وكان الاجتماع الأول، من أجل اليوم العالمي للصلاة، في 27 أكتوبر 1986. ومن ذلك اليوم تقصد كل عام هذه المدينة للصلاة.
(2). رابط المطبوع اضغط هنا.

السبت، 15 يونيو 2019

أمل جديد

أمل جديد


    في عالم في أوج تحوره، تسوده الشكوك والظنون، وتعمه الكراهية والتعصب، وأصبح فيه العنف والريبة أمرا عاديا، وإدارة العالم استشرى فيها الفساد، بؤره الإثراء الفاحش والنهب والتبذير، الذي يهدد بقاء الإنسان وجميع النظم الإيكولوجية؛ فأي طريق ننتهج؟ وأي سبيل نتبع؟ وأي أمل ينتظر إنسان القرن الواحد والعشرين؟

    بات من الضروري الآن، إيجاد طرق لسلام مصالح بين أفراد الأسرة الإنسانية، مواجهة لهواجس الهوية، التي تسبب قطيعة جديدة بين البشر، على الرغم عنهم، نتيجة انتماء إلى جماعة أو مجتمع أو دين. كل حياة محرمة، بالمعنى الذي، أن لها الحق في الاحترام والكرامة. قال الله تعالى "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا". سورة المائدة، الآية 32

    عندما نقول "لا تفعل للآخر ما لا تريد أن يفعل بك"، من الجيد سماع ذلك، ولكن كم هو الأمر مُتطلب. إن احترام الآخر والحياة، هو احترام الله جل وعلا. إنه إثبات على يقينية انتماءنا إلى الأسرة الإنسانية، والمصير المشترك الذي يتجاوز كل واحد منا. نحن نتلقى هذه الهبة، وننقلها بدورنا. وهكذا تتوالى الأجيال. إن الحياة عالية القيمة، لدرجة أنه ينبغي علينا، أن ننظر إليها بعين الإحرام، فتصبح عندها مصونة. يجب أن يقودنا هذا الإدراك إلى تحقيق التوازن في علاقاتنا مع سلسلة الخلق، التي نحن فيها الحلقة الأخيرة. إنها إشكالية فردية، حيث يمكن لكل فرد أن ينظر في سلوكه وعواطفه، لاكتشاف نوعية العلاقات التي تربطه بهذه السلسلة، وفاءا بالتزاماته، تجاه عالم وجب علينا صونه وحفظه بالفضائل.

    إنها الدعوة إلى الجهاد من أجل إيقاظ الضمير؛ جهاد تربوي، يقدم الأخلاق العالمية، ويطالب بالخير والمبادئ التي تحفظ الإنسانية، حتى لا تنهار إلى قاعدة الفوضى والإضطراب. إنه تعزيز مجتمع مبني على الفضائل وحسن النية والصدق، وإنها الرحمة التي وسعت كل فعل وإنسان مخلصٍ لمبدأ التوحيد. وتذكير لكل كائن بسواسية الناس فيما بينهم، أمام الله عز وجل، حتى تحفظ الصلات غير المرئية التي تؤسس إنسانيتنا.

    اليوم، حجبت فكرة الجهاد الأكبر كلية من طرف المتطرفين. يستند تبشيرهم إلى استراتيجية تسويق منمقة. الهوية هي سمعتهم التجارية، والخوف والعزلة الاجتماعية وسائل عملهم. فهم يترصدون عيوب المجتمع، من البطالة والرفض وكراهية الأجانب والعنصرية والطائفية... ويقومون بتلقين عقيدتهم المنغلقة داخل جماعات أو مجموعات صغيرة منعزلة، مفضلين الإنعزال عن التركيبة الإسلامية في المجتمع، الذي أصبح بالنسبة لهم جاهلا ومنحرفا وكافرا، ويجعلون من جميع البلدان، حتى الإسلامية منها، بلدان كفر وخيانة، ينبغي عليها إعتناق عقيدتهم طوعا أو كرها؛ وهو ما يبرر في نظرهم استخدام العنف الأعمى.

    إن الشيخ العلاوي (1869 - 1934)، الذي يعتبر المجدد الصوفي في القرن العشرين، عندما تعامل مع المشاريع الاجتماعية، لم يدعي كما يدعي البعض، تقديم الإجابات الجاهزة. يعلم أن الإنسان متحد الحقيقة وإن تعددت أفراده، فإن هذه الحقيقة تعمل بالخصوص على تقوية إنسانية الفرد(1). كما يؤكد أن، من لم يشكر الناس لم يشكر الله، ومن زهد في الخلق زهد في الحق. بل أكثر من ذلك، ليس الشأن أن تبالغ في التنزيه بل الشأن أن تعرفه في التشبيه(2). فهو مقتنع بطرح الأسئلة الأساسية، واقتراح سبل الإجابة عليها، والتي تمر عبر اكتساب الفضائل. ثم يعرض الشيخ العلاوي إطارا، يستند إلى نموذج القوانين الإلهية، التي تربط السماء بالأرض، وتربط الشمولية بالتوحيد. فيقول "ثم وقع تخلصه منها بالناطقية، أو تقول بالعقل النظري، وهذا المخلص الوحيد، هو الذي ربطه بالعلويات السماويات، مثل ما فصله عن السفليات المنحطة، ولهذا اعتبر بالقدر المشترك لتنازع الرتبتين، أعني العلوية والسفلية"(1). إلى الرجال المحققين والحكماء، عليكم الإلتزام بملئ الفراغ الوسيط، ونسج ثوب القرن المقبل.

    كما يتجلى الارتباط مع السمو أيضا للإنسان في علاقته بالطبيعة. إن المعادن والنباتات والحيوانات جزء لا يتجزأ من نفسه. فهم بدنه. كيف له ألاّ يحترمهم؟ ربما تكون عقيدة التوحيد ذاك الشيء الزائد، المنتظر، والذي من شأنه أن يؤثر على ضمير الجميع. في أوقات الأزمات، للانتقال من العالم القديم إلى العالم الجديد، فلا بد أن نتجاوزه، وأن نتخلى عن "أنا- نفسي" التي يأسر المحبة والسلام والرحمة الموجودة في قلب الإنسان. وثمة ضرورة ملحة لزرع ونفخ حول أنفسنا، هذا الضمير لـ "النحن"، وهذا الضمير لـ "الجميع". لذلك يجب أن ننتقل من ثقافة "أنا- نفسي" إلى ثقافة العيش معا. لهذه الأخيرة متطلبات مبنية على قيم جديدة، ولهذا السبب نحن في أزمة. يمر هذا التجديد عبر إعادة النظر في أدائنا، وتحرر من معتقداتنا ومُثلنا. إنها مهمة كل شخص، من أجل الصالح العام، صالح المجتمع الإنساني. إن الفرد نتاج الثقافة والتعليم التي يتلقاها في بيئة معينة، والتي من شأنها أن تشكل أفكاره ومعتقداته وعلاقته بالآخرين.

    جاء في الأثر، أن الطفل يولد دون تكييف ثقافي أو ديني أو فلسفي، يولد على الفطرة، خالصا من أي تغيير، كصفحة كتاب بيضاء، تدرج ذاكرته، وفقا للسان والعادات والأعراف، وتبعا لواقع البيئة التي نشأ فيها. فتربية أبويه والمجتمع، هي من ستجعل منه، وفقا لمعايير ثقافته، الشخص البالغ الذي سيصبح. إن الطفل قبل كل شيء، ضمير يتيقظ، ينشرح أو ينغلق، تبعا للطبيعة الفكرية أو الروحانية التي يحصل عليها. فمن المهم أن ينقل إليه القيم النبيلة والعالمية؛ فحماية الضعيف، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام في المجتمع. إنها تعدّ المراهق لإدارة حياته وعلاقاته مع إخوانه، باستقامة وشرف. والقيم الإنسانية هي أساس مجتمع السلام، وعالم يدير الصراعات، دون الإستخدام المستمر لميزان القوى. تسمح هذه القيم بالحصول على ما هو مهم. يقول الفيزيائي الأمريكي جون ويلر "نحن مجرد أطفال، نبحث عن إجابات، وبقدر ما اتسعت جزيرة المعرفة عندنا، اتسعت معها شواطئ الجهل".

    إن المرء الذي تهيمن عليه عواطفه، بحاجة إلى الاعتماد على قيم وأفكار ومفاهيم ودراية فنية وسلوكيات، للعيش في تناغم مع نفسه، ومع الآخرين وبيئته الطبيعية. يمكن أن تكون ثقافة السلام بالنسبة إليه الوسيلة، يبد أنها عملية تَحول فردية وجماعية. وفقًا لتعريف الأمم المتحدة، فإن ثقافة السلام هي مجموعة من القيم والمواقف والسلوكيات وأساليب الحياة، التي ترفض العنف وتمنع الصراع، من خلال مهاجمة جذورها، بالحوار والتفاوض، بين الأفراد والمجموعات والدول(3). من الضروري إدراج تعليم ثقافة السلام، لأنها تربية تيقظ، تسمح بتوجيه طاقة المشاعر، وإخلاء كل أشكال العنف. إن غياب الحوار وتفسير كلمات أو سلوكيات معينة، يثير فينا الغضب، مما يطلق شرارة عملية، قد تؤدي بنا تدريجيا إلى القطيعة، بل وأكثر من ذلك، إلى العنف اللفظي أو البدني. وإن تعلم التحكم في الغضب وإدارته، هو عنصر أساسي في العيش معا في سلام. وتعلم التهدئة، واجتناب الدخول في تروس القدح أو الاتهامات المتبادلة، إذ سينتهي حينها الأمر إلى جرح الكبرياء، والذي ستغتنمه النفس، لنفخ الكِبر، وإن النفس الفخورة لا تذعن لتفاهم، وترد الضربة بالضربة. سننتقل بعد ذلك إلى موقف مختلف، مبيح، حيث يدفعنا الكذب والجناية والخيانة نحو اللامعقول، والإفراط يؤدي أحيانا إلى العنف الشديد. ومن هنا جاءت الحاجة إلى عدم إصدار أحكام متسرعة، والدعوة إلى الصبر، لما لها من الأهمية البالغة.

    أما بالنسبة للوضع الحالي، وأمام ظاهرة الاحتباس الحراري، وضرورة التصدي للكارثة المعلنة، والانقراض المبرمج للأنواع، والحوادث الناجمة عن عدم الاستقرار السياسي والمالي، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، وتفشي اللامساواة والفقر، واقتطاع المعلومات، والأخبار المزيفة، ورفض النخب، وأخيرا تصاعد كراهية الأجانب، والإستخفاف بالعنف؛ كيف نعالج كل هذه المشاكل، التي تخلق جوا، ينهال علينا بوابل من الشكوك واليأس، يظلل سبيلنا ويعتم مستقبلنا؟ لأن عالما جديد ماثل بالفعل أمامنا، لطيف وهادئ ومقنع، عالم نظيف، مرتب رياضيا، دون صدفة أو حلم. نتوجه جميعنا، رغما عنا، بطريقة أو بأخرى، نحو عالم يتغير على المستويات الإقتصادية والمالية والتكنولوجية والعلمية؛ العولمة المدفوعة بخطى قسرية، التي لا تأخذ في الاعتبار أي اختلاف، ولا تحترم أي خصوصية، ككسارة تسحق المادة لاستخراج الخام، والمصلحة هي السلطان، والمعلومات المتلاعب بها، والإفراط في الربح نُصب كعقيدة جديدة، يجب أن تنصاغ لها جميع الدول والشعوب، دون استثناء. إن الاحتكار والفساد المصاحب لها، أفقر الجموع، لصالح طموحات غير محدودة لأقلية متعجرفة. يقول بول فاليري (1932) "لم تجمع أبدا الإنسانية هذا الكم من القوة للكثير من الفوضى، وهذا الكم من المخاوف والألعاب، وهذا الكم من المعرفة والشكوك. في أيامنا، يتم تقاسم القلق والعبث".

    في السنوات القادمة، سيتطور العالم التكنولوجي لدرجة أن الآلات الذكية، هي من ستتكفل بالعمل. ما الذي سيتبقى عندئذ للإنسان، لو أصبح كل جانب من جوانب العمل مؤتمت ومرقمن ومميكن؟ على العموم، هل يعد هذا مشكلة؟ هل نحن مستعدون للتخلي عن نزعتنا الاستهلاكية الحالية؟ على أي حال، سنحتاج إلى ثقافة بديلة، ثقافة سلام، تهدف إلى تحقيق أحسن توازن، بين الإنسان والطبيعة والآلات. ثقافة جامعة، وليست حصرية. بيد أنه إذا واصلنا في رغبة المزيد دوما، وطلب المزيد من الاستهلاك، وذلك بوجود أكثر من عشرة مليارات من الأرضيين في نهاية القرن، إذن فلن يتبقى أمامنا سوى خياران، إما العثور على كوكب آخر، يمكننا استغلال كل شيء فيه بطريقة غير منتهية، وإما المراجعة بطريقة أساسية، سلوكنا وموقفنا في الحياة، كبشر تجاه الآخرين، وتجاه الطبيعة وتجاه نهايتنا. إذا اعتقدنا أنه يوجد طريقا وسطا، يمر عبر التكنولوجيا الذكية، فإننا نخدع أنفسنا، ونخون الأجيال القادمة. الوساطة هي أداة ضرورية لمرافقة الانتقال والتغيير الذي يحدث في عالمنا المعاصر. في الواقع، ما هي الوسائل الأخرى التي تجعلنا اليوم قادرين على إعادة إنشاء الروابط بين الأجيال، في مجتمع معولم متعدد الثقافات؟

    فالوساطة أداة ضرورية لمرافقة التحور والتغييرات التي تطرأ في عالمنا المعاصر. في الواقع، أي وسيلة أخرى نملكها، حتى نستعيد الروابط بين الأجيال، في مجتمع معولم ومتعدد الثقافات؟ فلنصالح بين الأسرة الإنسانية، وإن العمل من أجل رفاهيتها، يعود بالنفع بالرفاهية على العامل نفسه، وعلى أسرته. تهدينا الوساطة إلى كينوناتنا، وإلى المواطنة العالمية، ومدرسة، وطريقة تغذي ثقافة السلام، إذ أن عالمنا بحاجة ماسة إليها. إنها ملاذ وطموح لتوليد ضمير متنامي، من أجل الحوار والخروج من الضبابية، التي نتواجد فيها. إن الحياة حقل تحقيق غير متناهي. سعيد من لا يتوقف عند الأشكال والخطابات العقيمة، التي تقزم من المغامرة الإنسانية، وتجعلها طريق ضيق وشرعي. ولنجهد أنفسنا حتى نستخلص المعني من جوهر الحقائق، التي تكتنف الحياة في جميع مناحيها. سنفهم حينها أن شفاء النفس الفردية ونفس العالم لا يمكن تحقيقه، إلا بوجود طريقة أخرى للعيش، وطروء تغيير في نظرتنا لذواتنا والآخرين والعالم.

    لا يوجد علاج جاهز، يتأتى من تعريف أو تصنيف لمختلف الأمراض، التي تصيب عادة النفس والعقل البشري، نستخلص منه جميع الدروس والممارسات اللازمة، تضمن على وجه اليقين شفاء العليل. يخلق الإنسان معظم الأمراض التي يعاني منها، ويغذيها بشعور أو بدون شعور، بمخاوفه وتخيلاته، وكذلك بأوهامه. كما أنه يجد صعوبة في التصديق، أن رعاية نفسه تعتمد عليه، أكثر مما تعتمد على معالجه. علاوة على ذلك، فهو لا يدرك دائما أن الحقيقة المادية والروحية تنبثق من فعل إبداعي فريد، لا نهاية لتجدده، الذي يبرز على الفور من لا شيئ، بتجلياته المختلفة، من أشكاله الأكثر خشونة إلى الأشكال الأكثر لطفا. يقول الشيخ العلاوي:

     داؤك منـك وما تبصـر       دواؤك فيك وما تشعر
     تحسب أنك جرم صغير     وفيك انطوى العالم الأكبر(4)

    إنه حلم، كما يقول البعض، وطوباوية، ولكن ألا يفرض تحدينا تحويل هذا الحلم إلى حقيقة؟ مهمة ذات تحدي عالمي، وضرورية بالنسبة لنا وللأجيال القادمة. إلتزام موطني، ورؤية مشتركة، وإرادة في العيش معا بشكل أفضل، وأن نعرف بعضنا البعض على نحو أفضل، وأن نعرف أنفسنا، في مدننا وبلداننا ومجتمعاتنا ومؤسساتنا. إن العيش معا تعزيزُ رؤية مشتركة لمجتمعنا المصيري، وتمكين مؤسساتنا من الانضمام إلى حركة معترف بها، محليا ووطنيا ودوليا. إن السعي إلى فرض مُثل وقيم حضارة واحدة وقوة واحدة، على بقية العالم، يقودنا إلى تخريب جميع الثقافات، والثقافات بحكم تعريفها، تحمل في طياتها شهادة وإرث جميع جوانب تنوع الحضارة الإنسانية، منذ فجر الإنسانية إلى يومنا هذا. إن السعي إلى معارضتها أو الحد منها، يؤدي بنا إلى إنكار أنها على مر التاريخ، خصبت بعضها البعض. بل على العكس، يتعين علينا الإضطلاع بها، لإبقائها حية، ونبين أن تنوعها الثقافي والديني والفلسفي والذوقي والمعماري والروحي، ليس سوى أوجه متعددة لإنسانية واحدة وكاملة. أما إنكار ذلك، فهو الموت المؤكد لقيم السابقين، للعبقرية البشرية. إذا كان في نظرنا، للسلام قيمة لا تقدر بثمن، فقد حان الوقت لنخصص له أماكن شاملة في أحيائنا، حيث يكون له الحق في أن يعبر عنه، ويناقش بكل حرية، من أجل ربطه بالاحتياجات الملموسة للمجتمع، الناجمة عن سرعة تطوره في جميع المجالات. فإن أماكن الحوار وتعلم الحكمة، "دور السلام" هذه، هي في خدمة المصلحة العامة، تكسوها أخلاقيات عالمية تدافع عن الحق في الكرامة والاختلاف، بغية التعايش المتناغم لتنوع الأسرة الإنسانية، لقلب مجتمع العيش معا في سلام.

    لقد مرت الإنسانية في تاريخها بالعديد من التجارب، وعرفت الحروب والمجاعات والأمراض، والنبوءات التي تنذر بنهاية العالم، وفي كل مرة في رد فعل من أجل البقاء، عرفت كيف تتصدى وتواجه التحديات. أرى في قرار الأمم المتحدة رقم 130/72، الذي أعلن في 8 ديسمبر 2017، يوم 16 مايو من كل عام، اليوم الدولي للعيش معا في سلام، بإجماع 193 دولة، كبصيص أمل، يذكرنا بجوهر العيش معا والعمل معا. أما بالنسبة لي، مازلت أعتقد، أننا إذا استثمرنا في ثقافة السلام، فإن الإنسانية التي تعيش فينا ستخرج كبيرة ومحصنة، لتكسر دورة العنف، وتعالج في نهاية المطاف الشر الملازم الذي يتتبعنا، في كل مرة نقع في غياهب نسيان الغيب الذي يربطنا. أدعو الجميع للقيام بدورهم لتعليم ونقل الأمل في عالم أفضل، من ذاك الذي يراد فرضه علينا كل صباح، وحيث أن العيش معا والعمل معا يسمحان للأجيال المقبلة ببناء عالم، الواحد فيه مع الآخر وليس الواحد ضد الآخر.


    مختصر لمقال للشيخ خالد بن تونس.


    كما لا يفوتني أن أنوه بعضو مؤسسة جنة العارف الذي خصص لهذا المختصر، ترجمة بالعربية، وكلي شكر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). الأبحاث العلاوية في الفلسفة الإسلامية، للشيخ أحمد ابن مصطفى العلاوي.
(2). حكمه، للشيخ أحمد ابن مصطفى العلاوي.
(3). قرار الأمم المتحدة رقم A/RES/52/13 بشأن ثقافة السلام، والقرار رقم A/53/243  حول إعلان وبرنامج عمل بشأن ثقافة السلام.
(4). من الديوان الشعري للشيخ العلاوي.
        





الأربعاء، 12 يونيو 2019

وثيقة مكة المكرمة


وثيقة مكة المكرمة

من مستغانم بالجزائر، حيث احتفلنا بعيد الفطر المبارك، متضرعين للرحمن. فليكن العيش معا في سلام عونا على المصالحة بين القلوب. مع تمنياتي لكم ولعائلتكم بالسلام والإزدهار.

الشيخ خالد بن تونس.

     شارك الشيخ خالد بن تونس، مريديه يوم العيد، عشية يوم الفاتح من شوال، الموافق لـ 04 06 2019، الجمع الروحي، الذي أقيم بمقر جنة العارف، بمدينة مستغانم. وكان مما بادر به قوله "افتتاحا بهذا العيد السعيد، وهذه الجلسة الروحية المباركة... تلقينا مؤخرا من مكة المكرمة، كلمة تعطينا معنى وعبارة وفهما في العيش معا، من طرف علماء المسلمين، اجتمعوا في مكة المكرمة". تليت في الجلسة بنود تلكم الوثيقة، التي صدرت من مكة المكرمة، في آواخر الشهر الفضيل، إثر اختتام المؤتمر الدولي حول القيم الوسطية والاعتدال في الإسلام، أشرف على تنظيمه رابطة العالم الإسلامي. اجتمع 1200 عالم ومفتي، من 139 بلد في العالم، في مكة المكرمة، في الفترة متن 22 إلى 24 رمضان، الموافق للفترة من 27 إلى 29 مايو، حول موضوع "قيم الوسطية والاعتدال في نصوص القرآن والسنة"، أصدروا في الختام وثيقة، عرفت باسم "وثيقة مكة المكرمة".

   وقال الدكتور سالم بن محمد المالك، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة- إيسيسكو-  إن وثيقة مكة المكرمة حددت بشمولية وعمق وبعد نظر استراتيجي مجالات وآفاق العمل الإسلامي المشترك. ودعا الدول الأعضاء والمسلمين خارج العالم الإسلامي، إلى الاسترشاد بتوجهات الوثيقة والعمل على تطبيق مضامينها.

    ودعت الوثيقة إلى التصدي لممارسات الظلم والصدام الحضاري وسلبيات الكراهية، والتنديد بدعاوى الاستعلاء البغيضة. وشددت الوثيقة على أن التنوع الديني والثقافي في المجتمعات الإنسانية لا يُبرر الصراع والصدام، بل يستدعي إقامة شراكة حضارية إيجابية، كما دعت إلى الحوار الحضاري بصفته أفضل السبل إلى التفاهم السوي مع الآخر، والتعرف على المشتركات معه، وتجاوز معوقات التعايش، والتغلب على المشكلات ذات الصلة.

    وطالبت وثيقة مكة المكرمة، بسن التشريعات الرادعة لمروجي الكراهية، والمحرضين على العنف والإرهاب والصدام الحضاري، كما  دعت إلى مكافحة الإرهاب والظلم والقهر، ورفض استغلال مقدرات الشعوب وانتهاك حقوق الإنسان. واعتبرت الوثيقة  أطروحة الصراع الحضاري والدعوة للصدام والتخويف من الآخر؛ مظهرا من مظاهر العزلة، والاستعلاء المتولد عن النزعة العنصرية، والهيمنة الثقافية السلبية، والانغلاق على الذات. وحذرت من أن ظاهرة "الإسلاموفوبيا" وليدة عدم المعرفة بحقيقة الإسلام وإبداعه الحضاري وغاياته السامية. كما أكدت على ترسيخ القيم الأخلاقية النبيلة، ودعت إلى تحصين المجتمعات المسلمة، والأخذ بها نحو مفاهيم الوسطية والاعتدال، واحترام المواطنة الشاملة .

    وأقرت "وثيقة مكة المكرمة" مبادئ التمكين المشروع للمرأة ورفض تهميش دورها، أو امتهان كرامتها، ودعت إلى العناية بالطفل صحياً وتربوياً وتعليمياً، وتعزيز هوية الشباب المسلم وحمايته من أفكار الصدام الحضاري والتعبئة السلبية ضد المخالف، والتطرف الفكري بتشدده أو عنفه أو إرهابه، وتسليحه بقيم التسامح والتعايش بسلام ووئام. وأوصت الوثيقة بأهميةَ إيجادِ منتدىً عالميٍّ (بمبادرة إسلامية)، يعنى بشؤون الشباب بعامة، يعتمد ضمن برامجه التواصل بالحوار الشبابي البناء مع الجميع في الداخل الإسلامي وخارجه؛ تلافياً لغيابٍ مضى، أحدث فراغاً، وعاد بنتائجَ سالبةٍ.

    ودعت الوثيقة إلى  تجاوز المقررات والمبادرات والبرامج كافةً طَرْحَها النظـري، وبخاصة ما يتعلق بإرساء السلم والأمن الدوليين، وإدانة أساليب الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والتهجير القسري، والاتجار بالبشر، والإجهاض غير المشروع. وأكدت  أن لا يُبْرِم شــأن الأمة الإسلامية، ويتحدَّث باسمها في أمرها الدينيّ، وكل ذي صلة به إلا علماؤها الراسخون في جمع كجمع مؤتمر هذه الوثيقة، وما امتازت به من بركة رحاب قبلتهم الجامعة.

    بعد سرد بنود الوثيقة، وكذا مضمون رسالة البابا، التي وجهها للشيخ خالد بن تونس، بمناسبة إحياء اليوم الدولي للعيش معا في سلام، تلقاها في قرطبة يوم 16 مايو الفائت، قال الشيخ خالد بن تونس "جبنا هذه الكلمات يا الأحباب، حتى يستخلص الإنسان أن الفكر والتربية والأسلوب الذي تركوه لنا أسلافنا ومشائخنا، يقام التعريف به حاليا في صميم مولد التوحيد، من مكة المكرمة، وأن هذه الوثيقة أمضى فيها 1020 عالم ومفتي من العالم الإسلامي.

   إذن، فإن فكرة السلام والعيش معا، فكرة الوحدة والتآخي والإحترام فيما بين العائلة الإنسانية، التي كتب عنها الشيخ العلاوي قدس الله روحه في 1911، تكلم عنها في كتابه الأبحاث العلاوية في الفلسفة الإسلامية، قد أعطت غلتها بعد سنين من الكفاح، وها هي ينطق بها ويعترف بها في البقاع المقدسة، ليس فقط عند المسلمين، بل حتى عند المسيحيين". 


    إليكم موقع من المواقع، نشر بنود الوثيقة، التي صدرت في مكة المكرمة، بجوار الكعبة المشرفة عن مؤتمر "وثيقة مكة المكرمة"، المنعقد خلال الفترة 22 -24 من شهر رمضان المبارك لعام 1440 هـ، الموافق لـ 27- 29 مايو لعام 2019 م (1).



ـــــــــــــــــــــــ
(1)  حوت الفقرة الثانية من الوثيقة نتن مقزز، وهي الديباجة اتي سبقت ذكر البنود، إذ ضمت في طياتها محاولة استعلاء، وحرص الدولة المضيفة على تضمينها مآربها، كاعتراف مجموع العلماء باستحقاقية مرجعيتهم، وهذا بعيد كل البعد عن معارف علماء الأمة الإسلامية. والمطلع في شبكة الأنترنيت، يكتشف عدم امكانية ايجاد نص للوثيقة، يكمن فيه قص تلك الفقرة المقززة، لحد الآن ما تحصلت عليه، تكنفه حماية للمحتوى.