السبت، 12 أكتوبر 2019

الروحانية والمواطنة نحو إسلام أوروبي



الروحانية والمواطنة
نحو إسلام أوروبي


مقابلة مع الشيخ خالد بن تونس
مونتوبان في 19 أكتوبر 2002. قابله محمد حبيب سمرقندي

    "إذا كانت السياسة هي إدارة مدينة الناس، فإن الروحانية هي إدارة مدينتنا الداخلية. فلما نسي الناس هذا، ألمّت بهم المعاناة، وأصبحوا لا يفهمون بعضهم بعضًا". الشيخ بن تونس، 2002.



    تشتهر مستغانم أساسًا بميناء الصيد، والحي التركي، وعائلاته ذوي الأصول الأندلسية، وتأوي واحدة من أهم الطرق في عالم الصوفية، وهي الطريقة العلاوية.

    الشيخ خالد بن تونس، الذي عين في عام 1975 من قبل حكماء الطريقة، يجول العالم، ليعرّف بالقيم التي يحملها. يمكن إيجاد أهم أسسها في كتاب مثير، هو "التصوف قلب الإسلام"، (من إصدار LaTable Ronde، 1996)، المكرس لهذا التقليد، الطريق الباطني للإسلام. يقوم بالتذكير على وجه الخصوص، أنه "إذا كان الإسلام بدنا، فإن التصوف هو قلبه، إذ أننا نتعلم تذوق نكهة الألوهية في اللحظة. وغايته السعي وراء الحقيقة عن طريق التجربة". وجدُ جدِ الشيخ بن تونس هو الشيخ العلاوي الشهير. فهو يجسد في الآن نفسه، تقليد وحداثة شعيرة من الشعائر، يذكر فيها "بالدور الرئيسي في حماية تراث موسيقي هائل". نظمت جمعية أرض أوروبا(1) أيام دراسية في مونتوبان (فرنسا)، في الفترة من 18 إلى 19 أكتوبر 2002، حول موضوع "الروحانية والمواطنة". في هذه المناسبة، أولى الشيخ خالد بن تونس  مجلة "Horizons Maghrébin"(2) المقابلة الموالية.

محمد حبيب سمرقندي: أنت في مونتوبان، المدينة التي قضى فيها الأمير عبد القادر بعض الوقت. أنت واحد من الورثة وأحد المتابعين لرسالته الروحية؛ ما هو التأثير الذي تشعر به اليوم، على خطى الأمير في مونتوبان؟

الشيخ خالد بن تونس: أنت تقيم علاقة رمزية بين مسار رجل، كان رجل حركة وتأمل. أقول أننا لسنا المتابعين. لأننا سنضع أنفسنا في مكان ليس لنا. لكن على الأقل فإننا نعتبره أسوة، لكفاحه ودفاعه عن استقلال بلده؛ قد كافح من أجل حرية بلده، وفي الوقت نفسه، حافظ على رؤية عالمية للإنسان. إنه رجل عرف كيف يكسب حتى قلوب أعدائه. إذا كان خسر معركة السلاح، فإنه فاز بمعركة الإنساني. ونحن في أمس الحاجة إلى مثل هذه الأسوة اليوم، على الخصوص في الجزائر وفي أماكن أخرى.
    هذا الاجتماع اليوم في مونتوبان هو ببساطة نتيجة للصدفة. عبَر الأمير عبد القادر المدينة في طريقه إلى بو، حيث سُجن لعدة سنوات(3). لكن بعد 150 عامًا، تم تقديم موعد جديد لنا، خلال "سنة الجزائر في فرنسا في 2003"(4).
    أعتقد أن كل إنسان بحاجة إلى معالم. وبالنسبة لنا، فإن فكرنا وفكر الأمير، هو فكر واحد. ونأمل أن يكون هذا هو الحال، بالنسبة لشبابنا الذي يعيش في أوروبا والجزائر وأماكن أخرى، فلأن رسالته عالمية.
    ربما ارتكب أخطاء على المستوى السياسي. كان يفتقر إلى الوسائل. لكنه كان رجلاً متجذرًا تمامًا في التقليد، مع نظرة ونهج حديثين. لقد أسس دولة، أول دولة  جزائرية حقا. كرس آخر حياته للتعليم والتربية والاستيقاظ الروحي. وكتاباته موجودة للشهادة.

محمد حبيب سمرقندي: أشار ميشيل تشودكوفيتش(5) إلى أن الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي (المتوفي سنة 1934)، مؤسس طريقكم، كان يستعير موضوعات من عقيدة ابن عربي (المتوفي سنة 1242)، دون ذكر مصدرها. هل يمكننا وصفه بالأكبري(6)؟

الشيخ خالد بن تونس: أعتقد أن ما يجب رؤيته في هذا البعد الروحي للباطنية الإسلامية، هو أن جميع الرجال الذين جسدوها، هم أولاً وقبل كل شيء محمديون. وهذا لا يختص فقط بسيدي محيي الدين ابن عربي. الأمر نفسه بالنسبة للشيخ العلاوي، لأنه من خلال قصائده وخاصة من خلال كتابه "المنح القدسية"، الذي هو تفسير للشريعة المحمدية ومبادئها على مستوى الحقيقة. إنه كتاب بارع، كما أعتقد، سوف يجد عاجلاً أو آجلاً قراء ومعلقين. إنه يلهمنا ويدعونا إلى النظر إلى الشريعة كدينامية. لأنه، ابتداءا منها، توجد إمكانية للذهاب نحو عمق الباطن. لذلك سأقول أنهم جميعهم يستوحون من الفكر المحمدي. أقول، بطريقة ما، إنهم جداول تصل الوادي، والوديان بالأنهار، والأنهار بالبحر. وفي المجموع، وبوجود فوارق دقيقة، كلّ بطريقته، يستعيد هذا الإرث، هذا العطر المحمدي، من خلال هذا الإرث الباطني .

محمد حبيب سمرقندي: لقد أكدت بالأمس أن ازدهار الممارسة الروحية مضمون بشكل أفضل في سياق العلمانية، منه في إطار نظام سياسي ثيوقراطي.

الشيخ خالد بن تونس: أولاً، الإسلام لم يترك لنا نظام سياسي. والذين يدّعون ذلك، لا يقدمون مراجع، وإشارات (قرآنية أو نبوية). يتم تقديم صفة الخليفة كنموذج. ولكن تم إنشاؤه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يقدم لنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مخطط توجيهي لنظام دولة سياسي إسلامي.
    اقترح علينا الإسلام طريقة ومنهجية تقاربية هي المشاورة، "وشاورهم في الأمر". إذن توجد هذه المشاورة، بالمعنى الذي، أن الجميع يشارك في بناء مجتمع، مجتمع في تطور دائم. علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون هناك تطور في العالم، وأن الأفكار ستتقدم أو تتراجع. يجب أن يبقى قرار إدارة المدينة في أيدي الناس. نتحدث اليوم عن مجتمعنا المسلم، الذي يعيش في أوروبا، في بيئة ديمقراطية وعلمانية، وخاصة في فرنسا. نرى أن العلمانية هي الضامن الوحيد لحقوق الأقليات.
    في البلدان الإسلامية، فإن النهج الذي نعطيه للعلمانية هو اللاديني.
    إذا استطعنا تطوير مقاربة للعلمانية، تضمن الحقوق الإنسانية أولاً، وتؤسس لسيادة القانون، فستساعد بالتأكيد على تحسين إسلامنا، واحترام الأقليات التي تعيش بيننا، بشكل أفضل.

محمد حبيب سمرقندي: لمتابعة تطور تفكيرك، في موضوع التيقظ الروحي، يبدو أنك، في مسعى تبليغ هذا التراث التاريخي للحضارة الإسلامية، تؤكد على نموذج الإنسان الكامل، الذي يرمز إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ما مدى صلة هذا النموذج بالشباب المسلمين اليوم؟ 

الشيخ خالد بن تونس: قال تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". سورة الأنبياء، الآية 107. تسمح هذه الآية لكل مسلم بأن يندرج في الحياة كرحمة. عندما أفكر في هذه الرحمة، تتصدر فكرة، وهي ألا نفعل بالآخر ما لا نريد أن يفعل بنا.
    إذن هي نوع من الرحمة، تكون شخصية في عمق كل واحد منا، وتكون مجتمعية / اجتماعية، مندمجة في مفهوم المجتمع نفسه. وبعبارة أخرى، يجب أن يكون المجتمع مبنيًا على الرحمة، مادام أن الإنسان ضعيف، وتستحضر فيه الأنانية والمصالح الضيقة، فضلاً عن مخاطر القوة والرهانات الاقتصادية.. إذن فمن الضروري أن نطور في كل شخص هذا الجانب من الرحمة، هذه الرحمة المحمدية فيه، رحمة تتجاوزالمجتمع البشري. إذ هي رحمة تعنى أيضًا بالحيوان والنباتي والعالم المعدني. إنها تعني إدارة الأرض، بما أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض. ولا يكون كذلك، إلا إذا اتصف بهذا النهج، على صورة خالقه. على هذا النحو، فإن النبي هو نموذج لا يزال يتعين علينا اكتشافه، في ضوء قيم الرحمة الواردة في الآية المذكورة آنفًا، خصوصا اليوم، حيث يمكننا من خلال العلوم الإنسانية والاجتماعية، تعميق الفكر المحمدي، لمواجهة آفات مجتمع يتعولم، ويفقد روحه أحيانا.

محمد حبيب سمرقندي: إن إحدى الوسائل لبلوغ هذه الثقافة المحمدية هو الجهاد الأكبر، لكن هذه الفكرة يتم تجاهلها أو يساء فهمها، في جزء كبير جدًا من الرأي العام الغربي.

الشيخ خالد بن تونس: لقد أسيء تفسيرها، وأقول غالبا، عن قصد. بالنسبة لي عندما نترجم  كلمة "الجهاد" إلى "الحرب المقدسة" (بالفرنسية)، هو بالفعل تفسير سيئ. القداسة هي كل ما هو مقدس. وعندنا في الإسلام، لم يقل أبدًا أن الجهاد مقدس.
     لم نقدس الحرب أبداً. في الفرنسية تترجم كلمة "La guerre" بالحرب، وليس الجهاد. الجهاد هو جهد يستعمل للدفاع عن النفس. لكن يمكن للإنسان أن يدافع عن نفسه من خلال العديد من الأشياء: أفكاره وعقله، وبالمعرفة تصديا للجهل.
    يقاوم روحيا ضد هذه الظلامية الداخلية، التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب أعمال شديدة الضراوة، هي أسوأ من شراسة الحيوان.
    وبالتالي، يجب القيام بالجهاد الأكبر على عدة جبهات، وخاصة على الجبهة الاجتماعية في البلدان الإسلامية. لماذا لا يقاد الجهاد ضد الأمية، والفقر، والصحة، وتسيير الطرقات، والمياه... فهذا شكل من أشكال الجهاد، بالنسبة لي، ينبغي تسليط الضوء عليه. ثم هناك الجهاد الفكري الذي يجب على علماءنا رفعه. قال النبي صلى الله عليه وسلم "مداد العلماء أفضل من دم الشهداء"(7). لا يمكن للجهاد إلا أن يكون شاملا عالميا. وبمجرد أن يصبح المثقف متحزبا، يتخطفه هذا الحزب أو ذاك، ولا يقوم بدوره المحوري.

محمد حبيب سمرقندي: ما هي مشاركة المسلمين اليوم في تطور العالم؟

الشيخ خالد بن تونس: في نهاية المطاف، يوجد هذا الجهاد الروحي، الذي يقودنا دائمًا إلى التشكيك في أنفسنا، ولا يسمح لنا أبدًا بالرضى عن النفس. إن الإدعاء اليوم أن ديننا هو الأفضل، هو افتخار، الذي هو علامة واضحة على موت محتمل. لهذا السبب، من الضروري الحفاظ على النقد الذاتي، هذه المحسابة التي تؤثر على غيرية البقية: هل كانت تصرفاتي صحيحة؟
    إن البحث عن الله يجرى في قلب كل واحد منا، في تلك حالة العبودية، التي جاءنا بها النبي صلى الله عليه وسلم.

محمد حبيب سمرقندي: أرى أنك المرشد الروحي الوحيد، الذي يعيش خارج دار الإسلام. 

الشيخ خالد بن تونس: أعتقد أن هناك آخرين، الحمد لله.

محمد حبيب سمرقندي: لا أعرف شيوخ طرق آخرين، يعيشون في أوروبا.

 الشيخ خالد بن تونس: يوجد شيوخ قدموا من تركيا والمغرب، بالطبع زائرين، لكن لديهم ممثلين فعالين، وأشكرهم على العمل الذي يقومون به في أوروبا. أعتقد أنه قدر كل واحد. لم أتحضر لهذا، عندما اختارني إخواني لتمثيل الطريقة العلاوية.
    أحاول القيام بذلك على أفضل وجه، لكنني لا أعرف ما إذا كان بإمكاني حقاً أن أمثل هذا الطريق الوسطي، هذا الطريق الباطني والروحي والإنساني.
     أحاول القيام بذلك، خاصة من خلال عمل الإستشارة، الذي بدأ بمبادرة من وزارة الداخلية، وزارة الشؤون الدينية الفرنسية(8)، لإعطاء الإسلام تمثيلا ثقافيا. نحتاج إلى هيئة تسمح للمسلمين بالحوار مع الدولة والمناطق، وبشكل عام، مع صانعي القرار في هذا البلد، للتعبير عن احتياجاتهم (التعليم، أماكن العبادة، إلخ)، وباختصار، لصياغة احتياجات معترف بها للأديان الأخرى.
    لا ننسى أن الإسلام هو الديانة الثانية في فرنسا، وثاني أكبر الأديان في أوروبا (15 مليون).
    هناك قضايا مهمة. ولهذا السبب لا يمكننا ترك الإسلام دون هذا النوع من التمثيل. إن الرؤية المرغوبة ستسمح للمسلمين بالخروج من الأقبية. صحيح أنه ليس من السهل إيجاد وحدة بين المسلمين، بسبب التحديات السياسية، التي تؤخر ظهور هذه الهيئة المستقلة. ولسوء الحظ  ما زلنا في هذه العملية، حيث يشير المسلمون إلى جنسياتهم.
  أعتقد أن هذا الموقف من الولاء لبلد المنشأ، لا يتعلق إلا بالجيل الأول. أما الأجيال الأخرى التي ولدت على الأراضي الفرنسية، لديها تعطش لإعطاء معنى لحياتهم، مع تجاوز كلي للإسلام العرفي (من تركيا وشمال أفريقيا وأفريقيا السوداء)، الذي يشير إلى القرية.

محمد حبيب سمرقندي: في نهاية شهر أكتوبر، ستنظم الطريقة العلاوية إحتفالية وإشادة عظيمة للشيخ عدة، جدكم، بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاته(9). ما هو المعنى الذي تحمله هذه الذكرى؟ وما هي الرسالة التي ينبغي توجيهها إلى الشعب الجزائري، لمساعدته في إيجاد السلام المدني؟

الشيخ خالد بن تونس: إنه شيئ عزيز علي جدا. عندما طرح السؤال على الشيخ الحاج عدة (1898-1952) "من أنت يا شيخ؟ أجاب "أنا واحد من الأخوة". كان لديه فكرة استثنائية عن الأخوة، في وقت كانت فيه بلاده تعيش في صعوبات، وفي كل ذلك الاستعمار، وما يمكن أن يكون في أبشع صوره، أي إنكار الآخر. وقال "أنا واحد من الأخوة". ممدا يده للجميع.
    إن تذكير الجزائر بأن هناك رجالاً من هذا النوع ، كان كفاحهم بالوسائل السلمية، هو إظهار هذا البعد الإنساني لتقليدنا. نود أن ترجع أفكار مثل هذا الرجل، ومثله أفكار الأمير عبد القادر، وتلهم شعبنا ونخبه.
    "أنا واحد من الأخوة" يعني أنه لا يوجد أدنى أو أعلى. الأخوة هي دائرة، الأول هو أيضا الآخر. في سنوات الأربعينيات من القرن الماضي، جعل الشيخ الحاج عدة من مستغانم مفترق طرق غير عادي، يلتقي فيها أهل المغرب واليمنيين... سأله صحفي تونسي  في ذلك الوقت "ما هي نظريتك"؟ أجاب الشيخ عدة "مفهومنا هو أن نقود الإنسان، بمعنوية أخلاقية عالية وروح سامية، حتى تنبثق (تستخلص) الأخوة من قلبه، كما يستخلص الزبد من اللبن".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). جمعية أرض أوروبا، هي إحدى الجمعيات التي أسسها الشيخ خالد بن تونس، سنة 1999، وغايتها أن تكون همزة وصل بين الإسلام والمجتمع الغربي، وتجسد أواصر الأخوة والمصالحة، وتعتبر الجمعية الأم التي انبثقت منها الجمعية الدولية الصوفية العلاوية سنة 2001، وأصبحت سنة 2014، منظمة دولية غير حكومية، المعروفة اختصارا باسم عيسى.
(2). "Horizons Maghrébins" مجلة دورية، كانت تصدر في فرنسا، في 62 عدد، بين سنتي 1984 و 2010. اهتمت بالأدب والمجتمعات المغاربية،  وتعريفها بالكامل هو"آفاق مغاربية - الحق في الذاكرة"، ونشرت دراسات عن تاريخ الغرب المسلم، ومستقبل المسلمين في أوروبا وعملية دمج المغاربيين في فرنسا، وغيرها من الموضوعات.
(3). استسلم الأمير عبد القادر في عام 1847، بعد جهاد خاضه دام 16 سنة ضد الإستعمار الفرنسي، وعلى الرغم من الوعود التي قطعت له، سُجن في فرنسا، في تولون، بقصر بو (1848)، ثم في قلعة أمبواز. أطلق سراحه نابليون الثالث عام 1852، وسمح له بالعودة إلى أرض الإسلام. توفي في سوريا في 26 مايو 1883.
(4). تمثلت في حدث فريد، تمثل في عرض التراث الجزائري على تنوع جوانبه وثرواته عبر التراب الفرنسي على امتداد سنة .2003 وكانت هذه التظاهرة التي أخذت تسمية ''الجزائر 2003، سنة الجزائر في فرنسا''، فرصة غير مسبوقة، أتيحت للبلدين للالتقاء بعيدا عن الاختلافات التي ميزت تاريخهما المشترك، بهدف الإثراء المتبادل. اتخذ قرار تنظيم ''الجزائر 2003، سنة الجزائر في فرنسا'' من طرف رئيسي البلدين، جاك شيراك وعبد العزيز بوتفليقة، إثر زيارة هذا الأخير لفرنسا سنة 2000. كانت المناسبة موعد بالنسبة للشعب الفرنسي من أجل اكتشاف الأبعاد المتعددة والفريدة التي تميزت بها إبداعات الشعب الجزائري. فقد تقرر حينها إحياء تظاهرات مختلفة عبر 100 مدينة فرنسية على امتداد السنة، حيث تمت برمجة حوالي 2000 تظاهرة تخص جميع النشاطات الثقافية، منها الأدب، الموسيقى، المسرح، السينما، الرقص، الفروسية التقليدية، الهندسة المعمارية، الفنون التشكيلية، وإقامة ندوات وتشريفات وغيرها.
(5). ميشيل تشودكوفيتش (من مواليد سنة 1929)، هو ناشر وفيلسوف فرنسي، وخبير كبير في التصوف. إعتنق الإسلام في سن السابعة عشر، وله مؤلفات عديدة بالفرنسية، نذكر منها كتاب "الأمير عبد القادر، كتابات روحية، عرض، ترجمة وملاحظات"، صدر سنة 1982، و"ختم الأولياء، النبوة والولاية في عقيدة ابن عربي"، صدر سنة 1986.
(6). الأكبرية هي طريقة صوفية، تنسب إلى الشيخ محيي الدين ابن عربي، ويلقب بالشيخ الأكبر، ومن هذه التسمية جاء إسم طريقته بالأكبرية.
(7). حديث "مداد العلماء أفضل من دم الشهداء"، فيه نظر عند علماء الحديث يصل إلى حد التضعيف، والله أعلم. ومثله حديثه صلى الله عليه وسلم "يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء". أخرجه الشيرازي في الألقاب عن أنس بن مالك، والموهبي بفتح الميم وكسر الهاء في فضل العلم عن عمران بن حصين، وابن عبد البر في كتاب العلم عن أبي الدرداء، وابن الجوزي في كتاب العلل المتناهية عن النعمان بن بشير، بأسانيد ضعيفة لكن يقوى بعضها بعضا.
(8). وزارة الداخلية، وزارة الشؤون الدينية الفرنسية، أخذت هذه التسمية بعد إلغاء سنة 1912 هيئة وزارة الشؤون الدينية، وضمت حقائبها إلى وزارة الداخلية. وبمبادرة من وزير الداخلية الفرنسي السيد (جان بيار شيفنمون)، شُرع في  مشاورات منتظمة ابتداء من سنة 2000، قصد إنشاء بنية ملائمة وكفيلة للتعبيرعن الإسلام بفرنسا. ونظرا للمقام الذي يحتله الشيخ خالد بن تونس في هذا المجال، دعي للمساهمة في هذا الورش. استأنفت المبادرة من جديد من طرف السيد (ميشال فييون)، وزير الداخلية، ووصلت أخيرا بعد عملية طويلة من النضج مع السيد (نيكولا ساركوزي)، وزير الداخلية حينها، إلى إحداث "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية"، في 3 ماي 2003. ونتيجة الصراعات العديدة، وعقم النتائج أحيانا، تنحى الشيخ خالد بن تونس عن المجلس، ولم يعد يشارك فيه.
(9). نظم ملتقى دولي، تحت إشراف جمعية الشيخ العلاوي للعلاوي والثقافة الصوفية، بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاة الشيخ عدة بن تونس، نوقشت فيه أعماله الشخصية، تحت عنوان (رجل الإصلاح و مربي الأرواح)، عقد يومي 23 و 24 شعبان 1423، الموافق لـ 30 و 31 أكتوبر 2002 بدار الثقافة لمدينة مستغانم.

الجمعة، 4 أكتوبر 2019

عندما تتحدث الطبيعة: محادثة مع شيخ الطريقة الصوفية العلاوية

عندما تتحدث الطبيعة: محادثة مع شيخ الطريقة الصوفية العلاوية




ملحوظة المحرر: أصبح التفكير القائم على البيئة والعلاقات بين المجتمعات الدينية والطبيعة في جميع أنحاء إندونيسيا وخارجها من القضايا الرئيسية، هنا في مركز الدراسات الدينية والتعددية الثقافية(1). وفي محاولة لمشاركة أبحاثه ونشاطاته وتعزيزها، نشر موقع مركز الدراسات الدينية والتعددية الثقافية على الإنترنت مقالات عن الدين والبيئة، بما في ذلك موضوعات مثل الغابات المطيرة والديانات الأصلية، والحركات البيئية في إندونيسيا، والسياحة البيئية والأعراف البيئة. وإن التالي هو جزء من هذه السلسلة، التي تهدف إلى زيادة الوعي البيئي، وتعتمد بشكل خاص على النظرة الإسلامية للعالم. نحن ممتنون للكاتبة إليزابيث إيناندياك القاطنة بيوجياكرتا على هذه المساهمة القيمة(2).
    
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    "الرق هو نظام يتم فيه تطبيق مبادئ قانون الملكية على الناس، مما يسمح للأفراد بامتلاك وشراء وبيع أفراد آخرين، كشكل من أشكال الملكية القانونية". في هذا التعريف "للرق"، إذا قمنا باستبدال كلمة "شعب" بكلمة "طبيعة"، فيجب أن نعترف أن مجتمعاتنا الحديثة، هي من مرتكبي الرق الجماعي. لقد جعلنا الموارد الطبيعية، وخاصة المياه، ملكيتنا الحصرية، ومنحنا أنفسنا "حقًا قانونيًا" في استغلالها دون حدود. حتى البذور، التي هي مصدر جميع أشكال الحياة، أصبحت اليوم، مشمولة بحقوق الملكية، من قبل تكتلات. ومع ذلك، اكتشف العلم الحديث أن الماء به ذاكرة، وأن النباتات يمكنها أن تتواصل وتتعاون مع بعضها البعض. يقوم العلماء بإعادة اكتشاف ما تخبرنا به النصوص المقدسة. يجب أن نتعلم من جديد كيفية قراءتها.

    لفهم هذه "القراءة الجديدة" بشكل أفضل، أنقل هنا، حديثي مع الشيخ خالد بن تونس، شيخ الطريقة الصوفية العلاوية، التي أسسها جده الشيخ أحمد العلاوي (1869-1934)، في عام 1909 في مستغانم بالجزائر، والذي يُعتبر من كبار الصالحين، وأحد مجددي الفكر الإسلامي الحديث. قبل بضع سنوات، عندما سألت الشيخ بن تونس عن عبارة باروخ سبينوزا الشهيرة، (الله أو الطبيعة)(3)، أجاب "هذا موضوع عميق. قبل أن تستجوبيني، ينبغي عليك أن تغذي تفكيرك". لقد أعطاني العديد من النصوص المثيرة للإعجاب لجده الأكبر، وعلى الخصوص كتابه "الأبحاث العلاوية في الفلسفة الإسلامية" (1918).

    بدأنا حديثنا في نوفمبر 2014 في الجزائر، بعد المؤتمر الدولي للأنوثة بوهران، من أجل ثقافة السلام، في محل إقامته في مدينة مستغانم الساحلية الصغيرة، حيث تتواجد جنة العارف، مؤسسة التنمية المستدامة. واصلنا حوارنا في الضباب الشتوي لمدينة ليون في فرنسا، حيث شارك الشيخ بن تونس للعام الرابع على التوالي، في لقاء بين أئمة وأساقفة فرنسا، ثم عبر سكايب، بين يوجياكارتا وجنيف، بحيث أن الجمعية الدولية الصوفية العلاوية (عيسى)، أصبحت شريكًا معتمدًا رسميًا لمجلس الأمم المتحدة الاقتصادي والاجتماعي (Ecosoc).



    في الفصل الرابع عشر من التحقيقات الفلسفية بعنوان "فيما هو السبب الحامل لبعض الفلاسفة العصريين على نفي المدبر"، كتب الشيخ العلاوي "فيتضح للفيلسوف يقينا أن الأشياء مرتبطة ببعضها، والمسببات موقوفة على أسبابها، والطبيعة فعالة في مركباتها. ولكن لا يخلص تماما من تحسس سلطة زائدة، تشير إليه بالوجود، من وراء ما وصل إليه إدراكه، ولكن يعجل القول بمجرد الطبيعة".


-         إذن، وفقًا للشيخ العلاوي، إن الله ليس هو الطبيعة؟

    في الواقع، فإن الله ليس هو الطبيعة. انبثقت الطبيعة من الله، وهي المرآة التي ينعكس فيها. عندما نتحدث عن الطبيعة، فإننا نحصرها فيما هو مرئي، المشهود؛ فيما هو مادي. ولكن في خلق الله، هناك شيء آخر، يسمى المادة المضادة، وهي غير مرئية. وإن غير المرئي والمرئي يشكلان معا، جزء من الخلق. تصف سورة النور في القرآن الكريم الله سبحانه وتعالى بأنه نور السماوات والأرض. فهو النور. يندرج الفضاء والكون والطبيعة في هذا النور الإلهي، الذي يسير نهجهم ويحدد مصيرهم، وفي الآن نفسه، انقراضهم وتجددهم.


-         هل الخلق والطبيعة شيئ واحد؟

    الخلق والطبيعة هما امتداد الواحد للآخر. هما مثل البدن والروح. وإن البدن ما كان مرئيا، والروح هو ذلك غير المرئي، ولكنه جلي. هل للطبيعة شكل من أشكال الذكاء؟ نعم، ذكر في القرآن أن للطبيعة شكل من أشكال الذكاء. فهي تتكلم وتتصرف. سواء كانت الشمس والنجوم والحيوانات والذرات، فكلها تتحرك بواسطة شكل من الذكاء، وهذا الذكاء إلهي.


-         هل الهيأة غير ساكنة؟

    لا، كل شيء يتلقى صورة من صور الحياة من هذا النور الإلهي. في المبحث الفلسفي الثالث للشيخ العلاوي، ستجدين إجابة لسؤالك. يقتبس الشيخ العلاوي من القرآن قوله "والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم اخراجا". سورة نوح، الآياتان 17 و 18. ثم يصرح الشيخ العلاوي، فيضيف "فلا ممتنع أن يقال، فما الحيوان إلا نبات فصل عن الأرض يستمد من أعلاه، وما النبات إلا حيوان ركز في الأرض يستمد من أسفله".

-         عندما يقوم الإندونيسيون، على سبيل المثال، بتقديم قرابين إلى المحيط أو الينابيع أو البراكين، فإن بعض الجماعات الدينية تعتبرها عبادة الأصنام. هل هذه مشكلة؟

    هناك تصور سيء عندما يتعلق الأمر بالعبادة. في الإسلام - ويمكننا أن نقول هذا عن الديانات السماوية بشكل عام- نعتبر أن الله عز وجل هو مبدأ التوحيد؛ والعبودية لله وحده. في القرآن، يعتبر الإنسان، في طبيعة حاله، قائدا وليس مفترسًا. نحن لا نعتمد على مجالات المعادن والنباتات والحيوانات فحسب، بل هي أيضًا موالدنا؛ إنها مندرجة فينا، لذا ينبغي احترامها. لا نعبد الطبيعة ككيان بعينه، بل نحافظ على علاقة معها كمديرين رحيمين. لهذا السبب نتحدث عن التقليد القرآني باعتباره "تقليد طبيعي".

    لكن هذه القرابين المقدمة إلى المحيط أو الينابيع أو البراكين ليست في الغالب طقسا للعبادة، بل عيد الشكر، ووسيلة رمزية لاسترداد الطبيعة جزءًا صغيرًا مما أعطته إيانا. من خلال هذه الطقوس، يبقى البشر مدركين لواجب احترام الطبيعة، وعدم تخريبها أو استغلالها بشكل مفرط.

    لهذا السبب، في النهج الروحي، يتم احترام كل كائن في حد ذاته. طائر، نملة... لدينا في القرآن الكريم سورة النمل، تروي قصة رمزية، على الطريقة التي تتحدث فيها نملة مع سليمان عليه السلام. عندما رأت نملة سيدنا سليمان مارا بجنوده، قالت منادية النمل "يَا أَيُّهَا النمل ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ". سورة النمل، الآية 18. سمع سيدنا سليمان، الذي كان ملكا ورسولا في الآن نفسه، كلمات هذه الحشرة الصغيرة. إن إدراكه للحياة متجسد فيه بعمق، مما منحه إمكانية التوصل إلى عالمية لغة الخلق. ثم أوقف جيشه لإعطاء النمل الوقت للعودة إلى المنملة. تتجلى عظمة سليمان في القرآن، من خلال احترامه للحياة، وحتى حياة نملة. من هذا نستنتج أن القرآن يدعو إلى احترام جميع أشكال الحياة. تأتي الحياة من إسم من أسماء الله االحسنى، وهو الحي. من خلال احترام الأحياء نحترم الله. لكن العبودية تبقى إلا له.

-         في نفس السورة، يقول سليمان أنه عُلم منطق الطير، وأوتي مشمول الحكمة التي أتيت الإنسانية. هل تستطيع الطيور نقل الحكمة للبشر؟

في حكمه، يجيب الشيخ العلاوي بشكل ما على سؤالك "من هو على حق، أهي الزهرة التي تتخيل الله كشذى، أم أرسطو الذي يتصور الله الذي يتفكر سرمديا؟ أرسطو والزهرة يتخذان نفس النهج. فالواحد يؤله فكره، والآخر شذاه. كلاهما على حق، لأن الله موجود في كل جزء من الخلق، وكلّ يراه إلا من زاوية ضئيلة".

-         تقول سورة الزلزلة في الأيات 1 و 4 "إذا زلزلت الأرض زلزالها.. يومئذ تحدث أخبارها.." 

    نعم، الأرض تتكلم. وفي سورات أخرى، يتكلم الشمس والقمر، وحتى السحب بين النجمية الأولى. عندما دعا الله الخلق، وقال "كن"، فكانت الخليقة. توجد صلة بين الله عز وجل وخلقه. يفهم الخلق الله، والله يفهم الخلق، ومنه تتلقى الخليقة توجيهها، ومنه تستمد حياتها وشكلها.


-         هل يوجد في الإسلام تحذير، حول القيمة المقدسة للبذور، يفيد في معارضة براءات الاختراع (البذور)، التي تمارسها اليوم شركات الأعمال التجارية الزراعية؟

    لا توجد إجابة على هذا النحو، ولكن إذا فكرتِ في الأمر، فإن البذور جزء من التراث الإنساني. لا ينبغي أن يستولي عليها أحد لأنها هبة إلهية. لا نقوم سوى بنقلها من جيل إلى جيل. ورد في الشريعة المحمدية، أنه إذا قمتُ بغرس شجرة اليوم أو زرعت بذورا، وأن تلك البذرة أو النبتة أو الشجرة أعطت ثمارها، ويأتي آخر غيري،  طير أو إنسان أو حيوان ويطعم منها، سأجازى روحيًّا جزاءا يرفعني ويقربني من الله. لا ينبغي أن يكون هناك أي نفوذ على شيء، قد أعطته لنا الطبيعة، وبالتالي هو من الله. لا يمكننا سوى تقديره ونقله من بعدنا ليستفيد منه الجميع، البشر وغيرهم من المخلوقات.

    وهذه هي الطريقة التي نشارك بها هذه الهدية التي قدمت لنا. مصارف البذور هي ملك للبشرية وليس لأي بلد، ولا ينبغي أن تأخذها النخبة من أجل نفسها. كل بذرة تحتوي على فضيلة مباركة وهائلة، وهي البركة. والذي لا يظهر أي احترام لها وللأغذية التي تنتجها، يتعرض لعقوبات رهيبة. على كل حبة قمح مكتوب لا إله إلا الله. تؤدي هذه الحكمة البسيطة إلى الإيقاظ لدى الإنسان المعنى المقدس الموجود في كل كائن حي، بما في ذلك حبة القمح، التي قيمتها ليست فقط قيمة غذائية. 



    من بين النصوص المدهشة التي نصحني الشيخ بن تونس بقراءتها، تلك القصة الرمزية المأخوذة من موسوعة علوم، كُتبت في بغداد في القرن العاشر الميلادي، وهي رسائل إخوان الصفاء(3). تروي الرسالة الثانية والعشرين القصة التالية: في جزيرة بالقرب من خط الاستواء، في البحر الأخضر، يسود الملك الحكيم للجن. تعيش الحيوانات هناك بسلام مع بعضها البعض. على متن سفينة تقاذفتها العاصفة، وصل رجال إلى الجزيرة، ووجدوها ممتعة في كل شيء، واستقروا بها، وألفوا الحيوانات واستهلكوها. تمكنت الحيوانات من الهرب من الجشع البشري، وتشاورت مع بعضها البعض وقررت تقديم شكوى إلى الملك. استدعى الملك المتسللين. كانت حجتهم الأولى أن الله خلق الحيوانات من أجل المتعة الإنسانية. واستشهدوا بمدنهم وهياكلهم السياسية. وبنموذج التنظيم الاجتماعي والعدالة. اتهم الرجال بأنهم ألحقوا أضرارا كبيرة، بحيث أنهم لا يتبعون القواعد الأخلاقية والدينية التي يفتخرون بها. وإذا أصبحت الحيوانات شرسة، فذلك بسبب البشر وضررهم الأشد خطورة. أضف إلى ذلك يوجد نساك يفضلون العيش بصحبة الحيوانات البرية. ولشدة استعباد الشر للرجال، ينبغي أن تكون الحيوانات أسيادهم... أمام ملك الجن، أكدوا على رفعتهم، بقولهم "من أطاعنا فقد أطاع الله".

-         إن هذه المحاكمة المجازية للرجال من قبل الحيوانات، تشبه محاكمة التجاوزات الدينية التي حولت لمصلحتها الخاصة، الرسالة الإلهية، للعلاقة التي تجمع بين الناس والمخلوقات الأخرى والطبيعة.

    صحيح جدا. تجسد فلسفة إخوان الصفا الرسالة الروحية، التي تقول أن الأديان أخفت مضامنها بشكل تدريجي، من خلال إبراز سوى الجوانب الخارجية: الطقوس والعقيدة والأيديولوجيات الحالية.

-         ولكن هذه التجاوزات ليست جديدة، حيث يعود تاريخ النص إلى عام 969. ومن الواضح أن هذا الاتجاه قديم جدًا.

    نعم، ونحن ندفع الكثير الآن بما يجري. نحن في مأزق. بعد صراع الحضارات، الذي هو ليس سوى صراع الجهالات، نحن نستعد لصدمة جديدة، ألا وهي حرب المياه. وإلهامًا من حكمة أسلافنا الذين جعلوا الماء عنصرًا مقدسًا، يجب علينا رعاية تفكيرنا لمحاولة إقامة علاقة جديدة معه. لقد نسينا المعجزة اليومية المحصَّلة من فوائده. لقد أصبح سلعة، ومادة أولية مطلوبة. الماء هو أم البشرية جمعاء، مصدر القوة والتوازن، والجمال والأحلام. إن الإستحواذ عليه من طرف جماعة على حساب البقية، يجب أن يقودنا إلى التفكير بعمق في المستقبل. إن مشكلة المياه في بداية القرن الحادي والعشرين، وإدارتها وتوزيعها على الجميع، تؤثر على الضمير الإنساني بأعلى درجة، وتختبر أساسات التضامن الدولي. تضعنا مسألة الماء في تحدي، مواجهة للعقم المحتمل لكوكبنا، وكذلك لأرواح ونفوس سكانه.

-         كيف ينظر إلى الرسالة الثانية والعشرين لإخوان الصفا في العالم الإسلامي؟

    إنها غير معروفة تماما. ومع ذلك، فهي موجودة باللغتين العربية والفارسية وترجمت إلى الفرنسية(4)، ولكن فقط من قبل الأكاديميين. فهي الآن مخفية تماما، في طي النسيان. كلما تقدمنا في الزمن، كلما زاد الفساد/ التشويه. بالنسبة للهندوس، نحن الآن في دورة العصر الحديدي. من دورة إلى أخرى، كلما ابتعدنا عن النبع، كلما كانت الحقيقة مخفية. لكن كسوف الحقيقة هذا سينتهي عاجلاً أم آجلاً، سيكون هناك تجديد، لأن الإنسانية ستبلغ حالة من الفساد، تضطرها إلى الرجوع، بحثًا عن معنى. سيتعين علينا إعادة الاتصال بهذه الرؤيا، التي للذي حيدناه، كما لو أن الله عز وجل كان في مكان ما هناك. لأننا ننسى أن الغاية لا تكمن في وحدانية الله، بقدر ما تكمن في وحدة الإنسان. لأن إذا كان الله واحد، فأنا كذلك. ولكن إذا كنت واحدًا، فالخلق واحد. تجسد التعددية بنفسها المبدأ الأساسي للتوحيد. وعلى وجه التحديد، كل شيء مصنوع من نفس العناصر: الشمس والمجرات والأرض، وفي الأرض أصغر ذرة من الغبار، وعلى الشجرة حتى الورقة الصغيرة التي تسقط، كل شيء هو جزء منه. من هذه اللعبة للحي، الذي تحول، والذي ولد من جديد من نفسه، والذي يختبئ، ومن ثم يُكتشف.
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1). تأسس مركز الدراسات الدينية والتعددية الثقافية في كلية الدراسات العليا بجامعة جادجا مادا بإندونيسيا في عام 2000، باعتباره البرنامج الأكاديمي المتعدد التخصصات الوحيد، الذي يركز على الدراسات الدينية في جامعة غير تابعة للدين في إندونيسيا.



(2). نشرها مترجمة باللغة الأندونيسية، مركز الدراسات الدينية والتعددية الثقافية لجامعة جادجا مادا (اندونيسيا)، من تأليف الكاتبة والصحفية إليزابيث إيناندياك، وظهر مقالها بالإنجليزية بالموقع الرسمي للشيخ خالد بن تونس، بتاريخ 03 05 2018.

(3). Deus sive Natura أو Deus seu Natura باللغة اللاتينية، "الله أو الطبيعة"، وبطريقة ما تشير العبارة إلى أن "الله هو الطبيعة"، وهو تعبير أنشأه الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (1632- 1677). 

(4). إخوان الصفا هم جماعة من فلاسفة المسلمين من أهل القرن الثالث الهجري والعاشر الميلادي، ظهرت بالبصرة بالعراق، اتحدوا على أن يوفقوا بين العقائد الإسلامية والحقائق الفلسفية المعروفة في ذلك العهد، فكتبوا في ذلك اثنين وخمسين مقالة، عرفت باسم "رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا". عملت هذه الجماعة في الخفاء، لكون الفلسفة كانت منبوذة آنذاك عند غالبية الفقهاء، لاحتوائها أفكار الفلاسفة اليونانيين القدماء، ولا يعرف منها إلا خمسة أسماء، وهم: أبو سليمان محمد بن مشعر البيستي ويعرف (بالمقدسي)، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي، وزيد بن رفاعة. ولسلامة أفرادها وضمان استمراريتها، كانت اجتماعاتها تجرى بسرية وحذر، لهذا بقت لغزا عند الباحثين في مختلف العصور، واعتبرت أفكارهم ضرب من ضروب الفلسفة النقدية، وبادرة من بوادر الفكر الحر. ألهمت الرسالة الثانية والعشرين الكثير من الباحثين، شرقيين وغربيين، وهي واحدة من إحدى وخمسين رسالة، على ما يبدو ألفها أكثر من واحد، وذلك واضح لاختلاف التعابير وتباين النهج اللغوي، إضافة إلى الرسالة الجامعة، وهي تمام إثنين وخمسين رسالة. 

(5). صدرت عدة طبعات من رسائل اخوان الصفاء وخلان الوفاء، أولها في العام 1812 في كلكاتا (الهند)، وتبعتها اصدارات هامة وضعت باللغة الألمانية من قبل المستشرق فريديريك ديتيريشي، في الفترة الممتدة بين 1861 و1872. أما النسخة المحّققة والكاملة الأولى من رسائل اخوان الصفاء، فقد طبعت في أربعة مجلدات (مطبعة نخبة الأخبار) من 1887 إلى 1889 في بومباي (الهند)، من تحقيق ولاية حسين. وبعد ذلك نشرت طبعة القاهرة في العام 1928 (المطبعة العربية بمصر)، وقد حققها خير الدين الزركلي. أما الطبعة الأكثر تداولا بين أصحاب الاختصاص في دراسة ارث اخوان الصفاء، تعود إلى نصوص الرسائل التي حققها بطرس بستاني، ونشرتها دار صادر في بيروت في العام 1957. هنالك أيضا طبعة حققها عارف تامر، وأصدرتها منشورات عويدات في بيروت في العام 1995.