السبت، 25 ديسمبر 2021

نهج التصوف وتحديات زماننا

نهج التصوف وتحديات زماننا

الجزء الأول

 



 
    حصلت Zeteo على فرصة محاورة الشيخ خالد بن تونس، وتم اللقاء في بيت الشيخ، حيث رصد لنا مؤسسها السيد غيوم دوفو معلومات غزيرة، جاد بها الشيخ خالد بن تونس. زيتيو هي منصة بث إذاعي رقمي، وتهتم بنشر وبث تسجيلات صوتية مستوحاة من المسيحية. لأول مرة يحاور صاحبها شخصية غير مسيحية، وقد كتب عبر موقع البث:

    فرحة كبيرة وسابقة عظيمة لـ "زيتيو" في لقاء مع رجل، يمثل ديانة غير مسيحية. رجل يقدم نظرة حكيمة ومسالمة للغاية حول ما يوحّد، بدل ما يفرق. إن رؤيته المتشبعة بثراء التصوف، هي رؤية تعبر بأمانة عن الإسلام الشرعي التقليدي: دين الأخوة والسلام، واحترام الغير، والليونة، وكذلك احترام الطبيعة والحي. دين يتضمن أيضًا بُعدًا شعريًا وصوفيًا وروحيًا لا جدال فيه، حيث غالبًا ما تجتمع أدياننا وتتشارك.

     ما يوحدنا أقوى مما يفرقنا. مع الشيخ بن تونس، تختفي المخاوف والجهل، الذي غالبًا ما يعارض المسيحيين والمسلمين. دائمًا معه، أصبحت الروابط الروحية التي تقربنا أكثر وضوحًا...

    تم تسجيل اللقاء في بيت الشيخ خالد بن تونس، وبث يوم 12 12 2021.

 الصحفي: للحديث، إنه من دواعي اعتزازي وسروري أن يكون أمامي الشيخ، أمام ميكروفون زيتيو. الشيخ بن تونس صباح الخير.

الشيخ: صباح الخير.

الصحفي: الشيخ بن تونس، إن الفرنسيين متعودين على كلمة "شيك"، ولكننا ننطقها شيخ.

الشيخ: بالضبط.

الصحفي: إن الشيخ تعني المعلم.

الشيخ: له عدة دلالات. إن المعنى الحقيقي للشيخ هو المسن، بشكل ما.

الصحفي: الرجل المسن الحكيم.

الشيخ: هكذا، بشكل ما. من هو مسن حكيم، ولكن اليوم ننعت به مشائخ البترول، ولكنه لفظ يعني الشخص الذي هو في الوسط ووسيط القبيلة والمجتمع، ويوجد السن أيضا الذي يحدد الشخص الذي نتوجه إليه لنحصل منه على نصائح أو المصالحة.

الصحفي: إذن، أريد أن أشكرك من كل قلبي على قبول دعوتنا، للمشاركة في هذه الحلقة من البث الإذاعي المسيحي لزيتيو. وكلمة زيتيو إغريقية، تعني البحث للعثور، وموجهة لكل من يبحث. أنا معتنق، وأرى أنني استنتجت بعد عدة سنوات، أننا نبحث عن نفس الشيء.

الشيخ: بالتأكيد، كل الناس تبحث عن نفس الشيء، وكلُّ حسب نهجه.

الصحفي: أنت رجل حوار وانفتاح وتقارب وليس تنافر، تعمل خصيصا من أجل الحوار البيديني، سنتكلم عن ذلك أثناء اللقاء، إن شئتَ، وتستقبلني هنا في بيتك، على مرتفعات المناطق الداخلية لِكان، حيث تقود جميع نشاطاتك، التي سنتحدث عنها طيلة لقائنا. لتقديمك في بضع كلمات، ولدت بالجزائر، وأنت الوريث لسلسلة روحية غير منقطعة تصل إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأنت المرشد الروحي 44 للطريقة الصوفية العلاوية، لا أدري إن نطقتها بالشكل الصحيح.

الشيخ: هذا صحيح.

الصحفي: وبعدها كلمات أخرى تبدو لي معقدة النطق.

الشيخ: نعم، إنها فرع الشاذلية للإمام الشاذلي من القرن 12، والدرقاوية بالمغرب، لشيخ هو أيضا مغربي، من القرن 19.

الصحفي: وأنت وريث هذه السلسلة الروحية، ليست وراثة عائلية، حتى ولو كان أبوك بنفسه شيخا. يتم ذلك بالتعيين؟

الشيخ: بالتأكيد. إنه مجلس حكماء الطريقة، الذي يعين الشخص، بعد وفاة الشيخ السابق، ويحدد الشخص الذي ينبغي عليه أن يواصل المسيرة.

الصحفي: إنك أحد مؤسسي المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، ومؤسس المنظمة الدولية الصوفية العلاوية، المعترف بها كمنظمة غير حكومية دولية، سنتكلم عنها، معترف بها لدى الأمم المتحدة.

الشيخ: لدى المجلس الإقتصادي والإجتماعي للأمم المتحدة.

الصحفي: أنت مؤلف لـ 15 كتاب، يعالج مواضيع التصوف والبيئة والإسلام، والعلاقات بين الإسلام والغرب، والقرآن والسلام والسمو. أنت نشط جدا في كان وفي العالم بأسره، ولكنك في كان، في حضن جمعية، تكلمنا عنها، في هذا البث عندما استقبلنا فيرونيك فرنكو، منذ بضعة أشهر، الذي تكلم عن جمعية العيش معا هذه. ما هو العيش معا في كان؟

الشيخ: كان العيش معا في كان التجربة الأولى لهذه المبادرة، التي هي اليوم معترف بها من طرف الأمم المتحدة، وأعطت ميلاد اليوم الدولي للعيش معا في سلام، الذي صُوّت عليه بالإجماع، من طرف 193 دولة.

الصحفي: سنتكلم عنه.

الشيخ: وكان هذا مختبر طيلة عشر سنين، احتفلنا بمرور العشر سنين منذ مدة قصيرة، في شهر أكتوبر الماضي. إنها عشر سنين في هذا المختبر.

الصحفي: من هذا الحوار البيديني.

الشيخ: من الحوار البيديني بين المسلمين والمسيحيين، واليهود والبوذيين، وتمكين بطريقة ما المجتمع، فهذه الجمعية تريد أن تمس، إن شئتَ، القاعدة، لأنه محكوم علينا أن نعيش معا، ولكنه اختيار العيش معا في سلام، حتى يخفف التوتر، وتجد العلاقات بين الناس، من مختلف الديانات والثقافات، تجد ميدان ومركز للتبادل، وإزالة المخاوف والمسافات التي قد تؤدي بنا أحيانا، حيث عدم تعارفنا وجهل بعضنا بعضا، قد يؤدي إلى صعوبات.

الصحفي: وهي التوترات التي نعرفها.

الشيخ: هذه هي.         

الصحفي: سنتكلم حتما طيلة هذا التبادل، إن شئتَ. منذ أكثر من 40 سنة أنت تجوب العالم، لتعزيز الحوار البيديني والمساواة بين الرجل والمرأة، وحماية البيئة وإحلال السلام، وأنت تعمل من أجل تبليغ ثقافة السلام والعيش معا. تكلمنا للتو عن هذا الأمر، وأنت الباعث، كما قلنا لهذا اليوم الدولي للعيش معا في سلام، الذي تم تبنيه بالإجماع من طرف 193 دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة، ويحتفل به في 16 من مايو.

الشيخ: 16 مايو من كل سنة، ويجري منذ خمس سنين، والقادم في سنة 2022 ستكون سنته الخامسة.

الصحفي: مرحى.

الشيخ: مرحى! لست الوحيد الذي حمل المشروع، هو مشروع منظمة غير حكومية دولية، وتتطلب حوالي أربع سنوات من العمل، والإلتماس من الدول لإقناعهم أن هذا قد يكون وسيلة لنا جميعا، حتى نتمكن من استعادة معنىَ لِما نسميه الإنسانية، وإعطاء معنى لإنسانيتنا، وننظر إليها كالجسد الواحد، حيث كل خلية فيه جزء لا يتجزأ.

الصحفي: إن شئتم الشيخ بن تونس، أودّ الكلام شيئا ما، وأطرح عليك أسئلة حول التصوف، الذي لا نعرف عنه سوى القليل، ومستمعي زيتيو أغلبيتهم مسيحيين، ويمثل التصوف 300 مليون متصوف، من ضمن حوالي 1.7 مليار مسلم، ومتواجدين في جميع أنحاء العالم.

الشيخ: إن التصوف مدرسة قديمة في الفكر، وقد كتبتُ كتابا، سميته "التصوف قلب الإسلام"، ذلك يعني، أن هذا التقليد الروحي، الذي جمع كل هذا التعليم، الذي لم يكن موجّه إلى عامة الناس، ولكنه كان موجّه للذين يرغبون الذهاب أبعد بعض الشيء من الشريعة، وذلك بالإنتقال من الشريعة إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الإحسان، في هذا الإحسان، يحاول التصوف بتعليمه أن يجعل المرء في سلام مع نفسه،   وفي سلام مع الغير، وأيضا مع بيئته، أي مع الطبيعة. ولماذا؟ لأن بالنسبة للتصوف، فإن الخلق مرآة الألوهية، توجب الإحترام، وعلى الخصوص الحياة، لأن الحياة شيء محرّم، أُعطيت لنا، لمْ نرغبها، ولا أحد طلب بأن يأتي إلى هذا العالم، أو اختار والديه، أو اختار لون بشرته، ولا أحد اختار لغته، ولا حتى إسمه. بمأننا تلقينا هبة الحياة هذه، فما الذي فعلناه بها، وماذا سنفعل، نسبة إلى أنفسنا، ونسبة إلى الغير، سواء كنا أناس إيجابيين، أناس يتحلون بالأخوة، ويتحلون بالصدق.

الصحفي: يمكننا أن نقول أنه يوجد بشكل ما، بعدٌ أفقي وبعدٌ عمودي.

الشيخ: بالتأكيد.

الصحفي: يوجد بعد أفقي لهذا البعد الأخوي، الذي تكلمتَ عنه، وكذا بُعد عمودي، وهو بُعد أكثر باطنية، سنتكلم عنه بعد قليل، ومعرفتنا قليلة، على كل حال نحن المسيحيين، بوجود هذا البعد الأخوي في قلب الإسلام.

الشيخ: نعم، ولكن ليس فقط المسيحيين، أعتقد أن الكثير من المسلمين يجهلونه. نحن في عصر، أصبحت فيه الروحانية أقل بروزا، في حين أننا نسعى في بحث عنها، فالكثير من الباحثين المتدينين أو غير المتدينين يبحثون عن شيء يشبع رغباتهم الباطنية، ويجلب لهم هذا الرفاه، هذا الرفاه الباطني، وفرحة القدرة على العيش بكل اطمئنان، والإغداق بالشكر الأبدي، والتمتع الكامل بالحياة التي أعطيت لنا.

الصحفي: يقال أن التصوف يقوم على القيم الأنسية الشاملة، كالأخوة والإيثار والكرم. نحن دائما مع هذا البعد الأفقي، الذي أتكلم عنه، ويتجاوز كثيرا نطاق المسلمين، ويتعلق بجميع الناس.

الشيخ: بالطبع، لا يمكن للروحانية أن تكون محتواة في أي معتقد أو دين روحاني معين، فهي توجد في كل مكان، وحتى لدى الطفل. أريد القول أنها باطنية كل فرد.

الصحفي: قرأت وأنا أحضّر هذه الحلقة أن التصوف بشكل ما هو قلب الإسلام، يستمد مورده وطاقته من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يُعرّف المسلم أنه من سلِم الناس من لسانه ويده.

الشيخ: بكل تأكيد.

الصحفي: نحن بعيدون عندما ننظر إلى الإسلام اليوم، وما يقوله الكثيرون عن الإسلام وانحرافاته. نحن بعيدون عن هذه الفكرة.

الشيخ: إنه هذا الجهل ببعضنا البعض، إننا نجهل هذا الجانب الكامن في الرسائل، سواء كان ذلك في اليهودية أو المسيحية أو حتى في الديانات الأخرى، هذا الجانب لبُعد تلك العمودية، وما تتضمنه من قيم منقولة، والدين قبل كل شيء عبادة وثقافة وأيضا روحانية، وإذا أبعدنا أحد هذه الأسس، سنعيش في شقاء وعدم استقرار.

- الصحفي: في هذا السلوك الصوفي يوجد الطيبة والمودة نحو الإخوان، والعدل والإحسان الذي ذكرته، إنها حقا أساسيات السلوك الإجتماعي، بشكل ما.

الشيخ: بالتأكيد، كما قلتَ، إنه السلوك الإجتماعي، لأن التصوف ليس انعزال عن المجتمع، ينبغي البقاء في قلب المجتمع، ولا يوجد انعزال عن المجتمع، والتصوف يعاش أيضا في الحياة اليومية. يمارس تعاليم الصوفية الأستاذ والمشرع ورجل الدين والعامل من خلال أحسن ما يستطيع أن يقدمه للآخرين فيما هم بحاجة إليه.

الصحفي: مما جلب إنتباهي وأنا أحضّر هذه الحلقة، أنني تعلمت أن التصوف غذاء روحي، وتكلمنا آنفا عن البعد الأكثر روحانية، الذي يستهدف إيقاظ الضمير الإنساني، وهي طريقة تيقظ. أنا الذي أعرف بعض الشيء البوذية، ذكّرني بما تقوله البوذية دوما عن التيقظ. هل توجد صلات؟

الشيخ: بالطبع. هذا ما قلته، أنها موجودة في كل رسالة دينية، إنها تلك اللؤلؤة الموجودة في المحار، وهي أساسية في كل الرسائل. إذا نظرنا وإذا تحلينا بالصبر في البحث، سنجدها في جميع الأبعاد. في الإسلام إذا نظرنا من هي مسّت ومَن كان حامليها وممثليها، سنرى أناس مِن جميع المستويات، ذوي أبعاد روحية، وأيضا كان منهم شعراء كبار ومشاهير الفلاسفة، ومنهم ممن امتهن الفن، وأناس ذوي إحساس مرهف.

الصحفي: المهم هو الممارسة الدينية كالصلاة والذكر والسماع، وإنها معالجة النفس، وهذا شيء مهم، بتذكير جميع الناس أن الممارسة الدينية واجبة.

الشيخ: نعم، ولكنها الممارسة الدينية التي تتجاوز الشريعة، الذي يعنيه، أن في كل ممارسة نتذكر تلك الحضرة الإلهية في الأفعال والحركات والتصرفات، وفي العلاقة مع الغير.

الصحفي: نعم، إن التصوف والإعتقادية لا يمتان بصلة، لا يوجد اعتقادية في التصوف.

الشيخ: لا يمكننا حجزه فيها. ليست مسألة كمية، فهي مسألة نوعية.

الصحفي: لا اعتقادية ولا حَرْفية. يقال أن التصوف يعتبر أن لا أحد يستحوذ على الحقيقة.

الشيخ: نعم بالتأكيد. يقول الصوفية إن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.

الصحفي: أذكر واحدة، من كتيب قرأته، فيه أن التنوع الديني ثراء، والغير مرآتي، وضروريّ بالنسبة لي.

الشيخ: بالفعل. الغير يستفهمني، والغير هو الغريب والأجنبي، والذي لا أفهمه، ولا أعرفه، ويستفهمني عن أعماق نفسي، من أنا؟

الصحفي: أذكر لك الشيخ بن تونس ما قلته أنت بنفسك، أن التصوف ليس بإيديولوجية وليس معرفة كما هي عليه، ولكنه شذى.

الشيخ: بشكل ما، هو الجوهر، لأنه فما معنى الشذى؟ إنه خلاصة الوردة وخلاصة الزهرة، وهو الجوهر المخفي الذي ينكشف، ولشدة خفته، لا نستطيع تقنينه، ولا الإستحواذ عليه، فنحن لا نملكه.

الصحفي: تعود المدارس الصوفية الأولى إلى القرن 12.

الشيخ: لا. قبل ذلك بكثير. إن المدارس الأولى، على كل حال، عند تأريخ التصوف، ترجع إلى أهل الصُفة، وهم أناس كانوا بالمدينة المنورة، وكانوا يعكفون على العبادة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ويوجد مكان في مقابلة ضريحه صلى الله عليه وسلم، يدعى أهل الصفة، وهو دكة ترتفع عن باقي المسجد، وفي هذا المكان كان يلتقي هؤلاء للعبادة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

الصحفي: طيب. كيف يمكن وصف الروحانية والباطنية الصوفية في بضع كلمات؟

الشيخ: إذن، في بضع كلمات، علينا أن نفهم معنى كلمة إسلام، التي تعني التسليم لإرادة الله. لنرى في التسليم، تلك المحبة الفياضة، التي تجعل من الطائر الذي يطير بجناحية، لا يسأل كيف يطير، ولكنه التسليم لذلك المفهوم، بأن تتخلله كلية الألوهية، ويحمل على محمل التسليم من طرفه هو، كما أنا أجلس على هذا الكرسي، وأنا متيقن ومتأكد أن هذا الكرسي سيحملني، وإنه ذلك اليقين الباطني الذي يثبت لي أن الألوهية حاضرة فيّ، ومن خلالي في كل شيء، لا تنتهي عندي أو فيما أعتقده، ولكنها في كل شيء، كالحروف في المداد، والمداد سائل، وبه تكتب جميع حروف الأبجدية في تنوعها، المستقيمة منها والمنحنية. إذا لم يعجبني حرف لن أستطيع الكتابة، إذا رفضت أحد الحروف من هذه الأبجدية، من هذه الكيمياء الكونية، لن يكون هناك كون، كل شيء كائن في مكانه.

الصحفي: إذن، إن الباطنية تعني وجود ممارسة، وينبغي أن تكون هناك ممارسة الذكر.

الشيخ: بلى.

الصحفي: أعتقد أن الدراويش الدوارة الذين نعرفهم، بالوجه السياحي، تلك أيضا ممارسة.

الشيخ: إنها ممارسة، لأن المشائخ عبر مختلف العصور، حاول كل شيخ في هذا الجانب أن يصطحب المريد، حتى يتمكن من الحصول على أدوات يستطيع بها العمل على نفسه، فالبعض اتخذ السماع وآخرين الرقص، ومنهم من اعتمد الذكر، وتطورت مع الأزمنة مناهج مختلفة، فمع الفن..

الصحفي: ومع الفن أيضا..

الشيخ: طرق مختلفة، ولكن الذكر هو الأكثر أهمية في الممارسة الصوفية، وبطبيعة الحال كل ما هو فرض في الإسلام، كالصوم والصلاة والعبادات، ولكن فوق ذلك عليه أن يذكر.

الصحفي: فيما يتمثل الذكر، إذا نظرنا إلى التأمل المسيحي أو الذكر البوذي؟ هل نستطيع المقارنة؟

الشيخ: إنها أسماء الله الحسنى. لدينا 99 إسم، وهذه الصفات الإلهية، يقدمها الشيخ للمريد، ويوصيه بذكر بعض أسماء الله الحسنى، وهذه الأسماء تذكر من خلال النفَس، مما يعنيه أنه توجد طريقة للتنفس.

الصحفي: يدفعنا للتفكير إلى صلاة القلب الممارسة في الكنيسة الشرقية.

الشيخ: ها هو. إننا نتحدث عن نفس الشيء بلغات متعددة، وفي هذه الممارسات، تبقى الأسماء الإلهية بالنسبة للصوفية طاقات. فلو أخذنا على سبيل المثال كلمة السلام، التي هو من أسماء الله الحسنى. كيف يتخللني هذا السلام الباطني؟

الصحفي: مثل تصويت المانترا بشكل ما.

الشيخ: تقريبا مثل المانترا. نستطيع أن نقول أنه مثل المانترا "كلمات أو أصوات يتم ترديدها للمساعدة في التركيز خلال ممارسة التأمل". لكل تقليد تعريفه، ولكن عندنا هي طاقات، هذه الأسماء طاقات، نقوم بترتيلها، ولهذا ينبغي بعض الحذر، لا نذكرها بأي حال، ولا في أي مكان. يوجد تحضير، ويجب أن نذكرها باتباع طريقة أو كيفية حتى يكون نفَسنا، حيث أن كلمة نفْس تشبه كلمة نفَس، من تنفس. فالكلمة تعني نفْسي وتعني نفَسي، نفَس حياتي، الذي بدونه لا أستطيع التنفس.

الصحفي: هذا جميل ومُطمئِّن، ونحن نميل إلى أن لا نحب، ونعتقد أنه ينبغي له أن لا يحب نفسه؟ وهذا ضروري.

الشيخ: مسالمتها وليس محبتها، لا ننبذها، والشيخ العلاوي، جدي الأكبر، مجدد هذا التقليد كان يقول دائما:

      لا تترك نفسك وتعاديها، بل اصحبها وابحث عمّا فيها.

الصحفي: جميل. عند النظر إلى كبار شخصيات التصوف في التاريخ، يتواجد أحدهم، بلغنا أمره حديثا، بفضل الترجمات، وإني أفكر في الرومي، الذي كان شاعرا باطنيا فارسيا، ترك تأثيره في التصوف، كتب الآلاف من القصائد، وترك مجموعة من المواعظ وتفسير الأحلام. هل الرومي ذو أهمية؟

الشيخ: تتمثل أهميته في أنه بعد مضي قرون من الزمن، يبقى واحدا من أشهر شعراء العالم، ولا أقصد به فقط العالم الإسلامي، ولكنه عبر العالم بأسره. ترجمات كتبه وجميع أعماله التي تركها لنا، وتعد بمئات الآلاف من الأبيات الشعرية، واعتبار ما كتبه، كما لو أنه لا يزال حيا في زماننا، وإنه لا يزال يغذي الضمائر. وهذا من الأهمية بمكان.

الصحفي: قرأتُ له منذ بضع سنين، وإن الذي أذهلني هو ذلك الحنين للأصل الإلهي، وكتبَ، كل روح بعد تنزله في الوجود، يميل للرجوع إلى الله، ولديه ذلك الحنين، وهي حركة إرتقائية تدريجية.

الشيخ: بالتأكيد، مستمرة، غير منقطعة، وإنه احتياج، كما قلتُ، إنه مرتبط بالشهيق والزفير، فإننا نستنشقه وننفره، وإذا توصلنا إلى القيام بما هو آلي وحسي ويتخلل الروحانية، إذن فهو التيقظ والسعادة الباطنية، وهو رؤية أن الذي أستنشقه وأنفره ليس سوى هو. يقول بعض الصوفية أنا الظل وهو الشمس. إنها تلك الشمس التي تسطع علينا، والشمس التي تجعل منا ذلك الكائن الذي يتصرف ويتكلم ويساهم في سعادة الغير. والمشكلة ليست ذاتية فقط، في المقابل، فإن كبار المشائخ يسمونه الغيث، الذي يغيث الغير.

الصحفي: إذن، بالضبط، أنت واحد من زعماء التصوف العالميين.

الشيخ: يا إلهي، لا يجب المبالغة.

الصحفي: أرى أنك أنت الذي يجوب العالم، ليس من السهل أن تكون صوفيا، لأنك لا تملك دورا سياسيا، ولكنه أحيانا، بعض السلطات لبعض الدول الإسلامية تعتبر التصوف اعتبارا سيئا إلى حد ما.

الشيخ: هناك تناقض. يرون التصوف خارج عن الجانب، إن شئتَ، الحَرْفي، وهذا يزعجهم، لأن الدين غالبا ما أصبح اليوم إيديولوجية، وبين يديّ البعض، الذين يسخرونه من خلال سياساتهم وتحكم زعمائهم، الذين يحبذون الظهور، فيحوّلون الدين إلى إيديولوجية، في حين أن الصوفي، وذلك هو المزعج، لا يرى الدين مثل إيديولوجية، ولكنه وسيلة تحقيق، أتحقق بالدين، ولا أصبح أسير المظهر التديني، وهنا يكمن الإختلاف. ويقولون أن التصوف ليس أصلا من الإسلام، أقصوه، وهو شيء جاء من الهند، ويوجد من يدعي أنه أتى من عند الإغريق، وبعضهم ينسبه للفرس. يريدون إقصاءه من الإرث الإسلامي. ولكنه متجذر للغاية، بوجود مشائخ لعبوا دورا معتبرا، وتركوا كتابات سقت مشارب الدين الإسلامي، وخصوصا في الأوقات الصعبة التي مرّ بها.

الصحفي: هذه الأوقات الصعبة هي أيضا أحداث الساعة، يوجد تراجع للتصوف اليوم. أنت أيضا تشد الرحال، وكنت حاضرا في لقاء أسيزي في 1986، وإلتقيت بيوحنا بولس الثاني حينها.

الشيخ: نعم، وحتى أنه عدة مرات.

الصحفي: عدة مرات، ولكن أسيزي كانت المرة الأولى.

الشيخ: نعم، بروما.

الصحفي: من ناحية ما، إنه العيش معا لكان.

الشيخ: كان ذلك في الثمانينيات.

 

                                                              يتبع...                           

الأحد، 12 ديسمبر 2021

ميزة العمل بنظام الدائرة

ميزة العمل بنظام الدائرة

 

    جاء في تغريدة صفحة الفايسبوك للشيخ خالد بن تونس، يوم 28 11 2021.

    أصدقائي الأعزاء، بدعوة من الأسابيع الاجتماعية لفرنسا (SSF)، سألقي مداخلة هذا الأحد، 28 نوفمبر 2021، على المباشر من فرساي، بالضواحي الباريسية، حول موضوع "لنستسقي من مواردنا الداخلية والشخصية"

    بالفعل، انعقد الاجتماع الخامس والتسعون للأسابيع الاجتماعية في فرنسا (SSF) أيام 26 و 27 و 28 نوفمبر عبر الإنترنت، واليوم الأخير جرى في قصر المؤتمرات في فرساي(1).

    شارك الشيخ خالد بن تونس، بعد الظهيرة في اجتماع شاركه فيه كل من السيد جان غيلام كزيري، طبيب نفساني وكاتب، والسيدة أليس ديسبيولز، طبيبة الصحة العامة، واستضافت اللقاء الصحفية باتريسيا دو سالف. رصد الحوار موضوع "الموارد الداخلية والشخصية"، الذي أفاض فيه المشاركون، وكشفوا عن جوانب وأدوات لتعبئة مواردنا النفسية.

    فيما يلي مساهمة الشيخ خالد بن تونس الفكرية في الحوار، وما جاد به قدس الله سره في اللقاء.

 

 


    قالت المنشطة باتريسيا دو سالف:

  يشكل الصوفية 300 مليون مسلم في العالم، وأنت تمارس إسلام روحي منفتح حول الرفاه العام والسلام، وأنت الباعث ليوم دولي حول السلام، الذي أنشئ سنة 2017، وإن لم أخطئ، أنت تجوب العالم منذ أكثر من 40 سنة لتعزيز الحوار البيديني. ما الذي تقوم به لتستبقي على الإيمان، وأنت الذي يعمل من أجل السلام، وهو هدف بعيد للغاية. ماذا تفعل حتى تبقى نشطا لأكثر من 40 سنة؟

    قال الشيخ خالد بن تونس:

    بادئ ذي بدء، أنعم صباحكم، وأشكر المنظمين الذي دعوني مرة أخرى لهذا اللقاء، وأن أكون الشخص الذي بشكل ما، سيمكن للإسلام الروحي من أن يقدم مساهمته البسيطة، ونتقاسم معا لحظة، ونحاول أن نجد علاج لهذه الأمراض، بحيث أننا جميعا، والعالم بأسره، يطرح نفس السؤال، ما هو مصير المستقبل؟ كيف سيكون مستقبلنا، وعلى الخصوص مستقبل الأجيال، ومستقبل أبنائنا وأحفادنا؟

    للعودة إلى شخصي أنا، أنا لا أرتئي هذا الأنا. في التصوف ينبغي أن تتم مسالمة هذا الأنا. إن إحلال السلام في النفس هو في قلب التقليد الروحي، وفي تربية التقليد الروحي. إنها طمأنينة النفس. ومن يتكلم عن طمأنينة النفس فهو يتكلم عن السلام الذاتي، حتى نتمكن دوما في أفعالنا وعلاقاتنا ونياتنا المتحلية من إعطاء ذلك المنظور السامح بإيجاد دائما الطريق الوسط، الذي يتيح الحوار مع الناس وأيضا مع الخليقة. إن الحواس هي البصر والسمع والذوق واللمس والشم، وأضاف الإسلام إثنتين. من خلال الحواس نكتشف العالم الذي نستشعره، وتتشارك جميع الحواس في أفعالنا التيقظية، حتى تعطي لضميرنا امكانية اقتناص السلام. إن السلام الذي أتكلم عنه هنا، هو إسم من أسمائه تعالى الحسنى، ويدل ذلك على أن السلام مصدر كل التزامنا، ويصبح طاقة نستسقي منها، حتى تنسج علاقات مع أقراننا ومع الطبيعة. هذا السلام يُقتطف، وهو ثقافة. ومن ثم نحن نقتطف في الضمير، مثل جنة ينبغي الإعتناء بها، حتى لا تتحول إلى أدغال، وإذا أهملناها تحولت قطوفها إلى أدغال، ويتم ذلك بالذكر، الكامن في أعماق ضميرنا. وينطلق الصوفية من مبدأ، كميلاد إنسان خرج للحياة، والحياة هبة، ولا واحد منا طلبها، ولا واحد منا اختار والديه، أو اختار لون بشرته أو الشعب أو القبيلة أو التقليد الذي يولد فيه، فالحياة هبة. في المقابل، فأما في التواجد، ما الذي سنفعله بهذه الهبة التي تلقيناها؟ كيف سنتصرف في تواجدنا حيال أنفسنا، وحيال أقراننا والقاصي والداني، وحيال المخلوقات الأخرى، فما هو تصرفنا؟ وهذا السلوك، ينبغي أن يكون ملاحظ، وحيويته وقوته وطاقته ينبغي أن تكون راسخة في السلام، والسلام يكون مع النفس، والسلام مع الغير، والسلام في البيئة.  

    إنه عمل شخصي وتيقظي ووجداني، كما لو أننا في كل مرة، يكون بوسعنا القول ماهي حدودي؟ حتى لا يغرّنا الغرور، ماهي حدودي؟ يجب أن أخطّ حدودي حتى لا يتمكن منا العجب والغيرة والطمع. كل واحد منا يصبح منظم أموره، يحرص في نفسه، وجهة من ضميره ستنظم سلوكه إزاء الغير، وهذا الغير، سواء أكان هو الإنسان أو المخلوقات الأخرى.

    نقدم مثالا، حتى نجلي بعض الشيء هذه الحقيقة الروحية حول الصوفية. إنها حروف الأبجدية، مادام أنها تمثلنا جميعا. نحن حروف كحروف الأبجدية 26 (اللاتنية). كل حرف منفصل، حسنا، سيعطي صوتا، وله شكل. فالألف لا يشبه الباء، والباء لا يشبه السين، إلخ.. لديها صوت وتُنطق ولها شكل، ومن ثم تمثيل. بصفتها حروف ذاتية لديها حقيقة، وإذا بقيت منفصلة، لن يكون لحقيقتها أي معنى، وعندما تتقبل بأن ترتبط، فمثلا، يتقبل الميم الإرتباط بالحاء والباء والتاء المربوطة، فيعطون معنى، وتصبح محبة، وهنا تأخذ معنى، لأن ذاتيات الحروف تقبلت الإشتراك وأصبحت حقيقة، وبمجرد أن تظهر هذه الحقيقة، يصدع مضادها ويقول، احذروا توجد المحبة، ويوجد أيضا نقيضها، وهي الكراهية. فلأننا نتواجد في عالم الثنائية. يوجد الفرح وتوجد الحرب ويوجد السلام، ويوجد اليوم والليل. إذن لنكون حذرين لوجود (صراع) مستمر، عِلما بأننا قادرين على الإنتقال من حال إلى آخر، وأننا متواجدين في الآن نفسه في التعددية،  وفي كل ما يحيط بنا، وكل ما يتوجه إلينا، وكل ما يمكننا إنتاجه، وكل ما يجيئ منا ويتوجه للغير، وما نتلقاه من الغير، وما نمنحه نحن بأنفسنا للغير، وإذا ذهبنا أبعد، ونرى أننا إذا أخذنا عشرة أشخاص أو خمسة عشر من الذين هم متواجدين هنا، ونطلب منهم كتابة أسمائهم: جان، بول، بيار، ألكسندر وعلي، ولا أعلم من، ونطلب منهم أن يروا إن كان لهم حروف مشتركة في أسمائهم مثل جارهم، سوف نرى أن لدينا بالنسبة للعشرة أو خمسة عشر شخص حروفا نشترك فيها، مثل الألف والباء واللام والكاف، وسنرى أن جزءا في الغير هو موجود لديّ حتى أتكمن أنا من أن أتواجد، وأنه ينبغي عليّ أن أقترض حرفا وربما حرفين. لذلك، فنحن نرى الصِلات. وإذا ذهبنا مرة أخرى أبعد، باتخاذ إسمي أو ألقابي، وقمنا بتبادل الحروف مع بعضنا البعض، سيكون بمقدورنا كتابة كلمة شمس أو قمر أو شجرة أو بحر أو قط أو كلب، بالفعل، نحن جميعا من نفس الأبجدية، الكون كله من 26 حرف. نكتب كل المعرفة المحتواة في جميع الكتب وجميع مكتبات العالم بـ 26 حرف، لأن هذه الحروف قبلت بأن ترتبط، لتعطي معنى وكلمة وجملة وفصلا وكتابا، إلخ.. ولكن إلى رجعنا إلى البداية، وعندما نمحُوَ جميع الحروف، ما الذي يتبقى؟ تبقى النقطة. كل شيء بدأ بالنقطة. وهذا هو.

 

    بعد تدخّل الشيخ خالد بن تونس ومن اشترك معه في تلك الجلسة، جاءت فترة الاسئلة، وتوجهت باتريسيا دو سلف بالسؤال قائلة:

    تكلمتم عن المنابع الباطنية، وبالفعل، فهذه المنابع الباطنية يتم تنشيطها بشكل يومي، وهذه سيرة حقيقية. أكثر من الأبجدية يوجد شيئين يربطوننا الشيخ بن تونس والسيد جان غيلان كزيري، إنه الذكر الذي تكلمتم عنه سالفا. لا نستطيع العمل بدون صلاة وبدون ذكر، أينبغي حتما اقتطاف كل يوم هذا الذكر؟

    قال الشيخ خالد بن تونس: إذن. مما يعنيه، أننا إذا رجعنا إلى التقليد والتربية الروحية التي تلقيناها، فنعَم، ويوميا. بشكل يومي، للإحتفاظ بلحظة ارتباط، لأنه تذكير يومي، فالعالم يمتصنا، والعالم يجرنا، ويجعلنا ننسى أنفسنا، وهذا التذكير في الصباح الباكر أو في وقت متأخر من الليل يؤدي بنا إلى حقيقتنا. ما الذي جنيته في يومي، ماهي لحظة الحضرة التي وسمت بها يومي. بابتسامة، وليس فقط بالصلاة، بإيماءة ونية، فهذا يذهب بي بعيدا، وحتى حسن نية، بدون الإقدام على عمل يغذي ضميري، يقوم بتغذية هذه الحضرة التي تصلني.

    إذا كان العالم متواجد في الأفقية. فنحن نسير في الحياة ونستهلك الحياة يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، وعام بعد عام. إن العمودية تسكن ضميري وتصلني بهذه الحضرة الأبدية، وأعتقد أن العالم المادي، شيئا فشيئا تغلب على العالم، ونقول أنه العالم الديني بصفة عامة، وعلى الخصوص العالم الروحي، الذي أزيح شيئا فشيئا، في خصوصية وانعزالية، وغير ذلك، إلى حد أنه نُسي فعليا، حيث أن في تربية أولادنا اليوم، ليس لهم أي عمودية، ونعالج مشاكلنا سوى في الأفقية، والأفقية حتما تقودنا في كل مرة عندما نجد حلا، نجد أننا خلقنا مشكلا إضافيا.

     كما تم إلقاء أسئلة من بعض الحاضرين في القاعة، ومن المتصلين عبر الخطوط. طُرح هذا التساؤل، هل عليّ أولا أن أتغير، ليتغير العالم في نهاية المطاف؟

    رد الشيخ خالد بن تونس: في البداية، هل أتغير أو العالم يتغير؟ على سبيل المثال، قدِمتُ من جزيرة، يقطنها 12000 نسمة، في منطقة بها المياه شحيحة، ومنطقة يقصدها سواح كثر(2). في الجانب يوجد هذه الجزيرة، جزيرة صغيرة، فبدل أن يعتمدوا على السياحة، قالوا نحن نريد أن نحافظ على نظافة جزيرتنا، لا مجال للكراهية، وحافظوا على جزيرتهم من تأثير السياحة، واختاروا الفلاحة. للفلاحة يتوجب الماء، وإذا نظروا إلى الماء فلديهم المحيط الأطلسي. قاموا بضخ الماء من المحيط، وبنوا خزانات في الأعلى، على الجبل، فوق البركان، وسكبت المياه لإنتاج الكهرباء، وفي نفس الوقت لسقي مجمل الزراعة، وحاليا هذه الجزيرة مكتفية ذاتيا، وتسمى إلهييرو، يوجد بها فندق واحد، يحتوي على 15 غرفة، وإذا ذهبتم هناك، يفرض عليكم المبيت عند أحد السكان، وأجمل ما في ذلك، أن الأمر يجري بغير رضى الحكومة الإسبانية، أي الحكومة المركزية، وكان عليهم بأن يقوموا بشراكة، كي يؤسسوا شركة إنتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر، وهم مساهمين فيها، ولا تمتلك الدولة سوى 3 % من الأسهم. إنهم يدفعون مصاريف الكهرباء، وهم مساهمين في هذه الشركة. هذا الأمر موجود. يقومون اليوم بالتصدير، ليس فقط أنهم مكتفين ذاتيا، بل يزودون كل جزر الكناري الأخرى، الستة المتبقية، التي تعاني اليوم من صعوبات، لأنهم بنوا الفنادق، الواحد بجانب الأخر، وأفسدوا بشكل كلي طبيعة جزرهم، وبعد تفشي أزمة السياحة، أغلب الفنادق أعلنت إفلاسها. هذا، للإجابة على السؤال المطروح.

    إنه اختيار، واختيار مجتمعي. فاليوم لم تعد صياغة القرار في النظام الهرمي، ليس الهرمي من سينقذنا، إنها الدائرة. الفرق كبير.

     في الهرم، توجد حتما نخبة، التي تتموضع من فوق، تملك السلطة والأصول، وتوزعها بمنهجية مبنية حتما على المصلحة المتوخاة مع البعض إزاء البعض الآخر، ولكن في الدائرة، حسنا، إنها القاعدة، إنه نحن، وكل واحد منا يمكنه أن يغير العالم بكيفيته، وإذا ما تكلمت عن السلام، لأنني متأكد أننا نملك اليوم الأدوات التي تمكننا من بلوغه. إنها التربية. القيام بتعليم في مدارسنا التربية بالسلام، لأنه يجب الإدخال في المناهج المدرسية التربية بثقافة السلام.

    ثم وجّه سارج لوفر، أحد القائمين باللقاء إلى الشيخ خالد بن تونس خصيصا سؤالين، قائلا:

    يكون السؤال الأول حول التصوف الذي يقتبس السلام، فماهي العلاقة وأي تأثير كائن مع بقية المسلمين؟ سؤال آخر، وهو، ما الذي يمنحه إيمانك المسلم الصوفي، حتى يستعمل كبوصلة، من أجل مستقبل عالمنا؟ وأخيرا، ينبغي أن نسالم أنفسنا حتى نسالم العالم، حقا، ولكن أليس العكس صحيح؟ أي، بانفتاحنا على الغير ننفتح على العالم، فيمكننا أن نسالم أنفسنا وأيضا أن نعرف أنفسنا بشكل أفضل.

    قال الشيخ خالد بن تونس: إن الأسئلة مترابطة.  

    فقالت باتريسيا دو سالف: الحوار بين المسلمين.

    الشيخ خالد بن تونس: الحوار بين المسلمين. تعرض التصوف خلال القرن العشرين، أقول، لضغط، لنتكلم بحكمة، ضغط من طرف الأصولية، التي تم تمويلها وحمايتها من طرف دول قوية جدا، وكلٌ هنا يعرف جليا أن في الغرب، يجب قول ذلك أيضا، تلقى طعنات، وهذه حقيقة. وينبغي التذكير على كل حال، أنه يوجد 350 مليون صوفي في العالم، وهذا ليس بالعدد القليل. لهذا وزنه. ولكن الصوفي لا يبتغي أن يشتهر، لا يهمش نفسه، ولكنه مثل الجميع، يعيش في العالم، لا هو منعزل عنه، ولا هو يريد أن يظهر. يقطف كل شيء من باطنيته، ويحرص على هذه الباطنية. أما إسهامه في العالم، فالدليل هو اليوم الدولي للعيش معا في سلام. على كل حال، إنها منظمة غير حكومية صوفية من استطاع بعد ثلاث سنوات من الجهد لدى الأمم المتحدة ومجلسها الإقتصادي والإجتماعي من التوصل، نوعا ما، من إيجاد يوم، يحتفل به في يوم 16 مايو من السنة المقبلة. يوجد فيلم عنوانه "نحن جميعا"، يوثّق للعيش معا في مناطق النزاع، حيث تقاتل الناس مع بعضهم بعضا، عند المسلمين، وعند المسيحيين فيما بينهم، أو عند آخرين، وأردنا أن نعرف ما الذي يقدمه العيش معا عندما يضطلع به أناس عاشوا في نزاع، وكيف أن المجتمع أو جمعيات بسيطة في الميدان، يمكنها أن تعيد العمل وتنسج من جديد العلاقات وتعيد خياطة الجرح، والضحية والجلاد يلتقيان، ويواصلان المسار معا، ويتحاوران ويعيشان جنب إلى جنب من جديد. وبالنسبة لهذا الفيلم، توجد 54 عاصمة في العالم ستبرمجه يوم 16 مايو، وبعض المدن في فرنسا، وهنا، وفي أفريقيا وآسيا، ويتواجد بعدة لغات. بالنسبة للذين فيكم أو اللواتي فيكن يرغبن، إذا كان لديكم جمعية أو تعاونية، أو أي شيء، سنقترحه عليكم يوم 16 مايو، وهو جد تربوي، لأنه يتكلم عن الدول، ويتكلم عن المشاكل، وكيف استطاع العيش معا من إصلاح ذات البين بين أناس عاشوا في نزاع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1). يعد "les Semaines sociales de France(SSF)" مرصدًا للحياة الاجتماعية ومكانًا للتفكير والاقتراح من بين الأقدم في فرنسا. الهدف من الأسابيع الاجتماعية - التي تعرف نفسها على أنها "جمعية علمانية للبحث والتدريب"- لا يزال حتى يومنا هذا هو التعريف بالفكر الاجتماعي المسيحي وللمساهمة في النقاش الاجتماعي. اشتهروا بالدورة السنوية التي ينظمونها في نوفمبر، والتي تجمع أكثر من 3000 شخص كل عام.

(2). تعتبر جزيرة إل هيرو أصغر جزر الكناري السبعة الإسبانية مساحة وأقلهن سكانا وأعزلهن بقعة، وتقع في المحيط الأطلسي، غرب القارة الأفريقية. وتتميز ببركانها التي شهد آخر نشاط له في العصر الحديث سنة 2011. الأرض فيها قاحلة والمياه العذبة شحيحة. بلغ عدد سكانها عشرة آلاف سنة في تعداد 2015، وتقدر مساحتها أقل من 300 كيلومتر مربع.

    واعترفت اليونسكو بجزيرة إل هيرو باعتبارها "محمية حيوية" عام 2000، وحققت سياسة حماية الساحل نجاحا ملحوظا، وأثبت قدرة على الحفاظ على التنوع البيئي، وكذا عرفت كيف تصالح بين الطبيعة والنشاط البشري، وتضع موضع التنفيذ أهداف التنمية المستدامة.

    ولكن أهم ما يميز أصغر جزر أرخبيل الكناري، هو استقلالها الطقوي، بفضل استخدامها الطاقات المتجددة بدون احتباس حراري، وأصبحت بفضل إنجازها يضرب بها المثل، وجلبت إليها عددا من المحققين والمعجبين وكذا الفضوليين، الذين أرادوا أن يقفوا عن قرب، ويتعرفون على التجربة المتميزة.

    دفعت شحاحة المياه وطبيعة تضاريس الجزيرة مسؤوليها إلى التفكير في مشروع ينهض بالمنطقة، مع المحافظة على المقومات المحلية، فأنشأت إلهيرو محطة لتحلية مياه البحر، ومحطة لتوليد الطاقة الكهرومائية، وهي أول محطة لتوليد الكهرباء في العالم، تجمع بين توربينات الرياح ومحطة تحلية المياه والخزانات الهيدروليكية للتخزين والمولدات الكهرومائية.

المياه والرياح في خدمة جزيرة إلهييرو

    تولد جميع توربينات الرياح الخمسة طاقة إجمالية تبلغ 11.5 ميغاوات. يتم استخدام الكهرباء المنتجة في المقام الأول لتزويد المنازل ومحطة تحلية مياه البحر مباشرة. ويتيح الفائض، بفضل نظام الضخ، نقل المياه من حوض اصطناعي بمساحة 150 ألف متر مكعب، يقع بالقرب من العاصمة فالفيردي، يصل إلى حوض ثانٍ بمساحة 550،000 متر مكعب يقع على ارتفاع 700 متر، في موضع فوهة بركان. وبالتالي، في حالة عدم وجود رياح كافية، يكفي إطلاق المياه من البحيرة العليا لتزويد ستة توربينات هيدروليكية بطاقة إجمالية تبلغ 11.3 ميغاوات.

    حققت جزيرة إلهيرو إكتفاءا ذاتيا طاقويا ومع ذلك، فإن المشروع لا ينتهي عند هذا الحد، فقد كان في الأساس جهدًا جماعيًا تم تكريسه من خلال تصنيف الجزيرة بأكملها في عام 2000 كمحمية للمحيط الحيوي من قبل اليونسكو، في ضوء النجاحات التالية:

    تم تغيير جميع قطاعات الإنتاج. يتعلق الأمر بالزراعة والثروة الحيوانية بشكل أساسي: فقد حلت الأغنام والماعز محل الأبقار التي دمرت التربة. يتم تصدير منتجات حليب الماعز أو الأغنام ذات النوعية الجيدة.

    تم تعزيز الأنشطة التقليدية على مدى عقود بالفواكه (الموز والأناناس) ومنتجات الألبان والنبيذ والجبن وتربية النحل وصيد الأسماك؛ إعادة التحريج بالأنواع المحلية، وزرع أشجار الينابيع، وتركيب شبكات لالتقاط الضباب. وغيرها من الأعمال والإنجازات التي تستعمل الأساليب المحافظة على البيئة.

    ولذلك فإن جزيرة إلهييرو هي نموذج للتنمية المستدامة الفعالة، دفعت سيدنا الشيخ خالد بن تونس لزيارة المكان، وينقل إلينا تجربة عملية متميزة، ودفعنا لإجراء بحث، يجلي نوعا ما هذه التجربة.

   في الأسفل شكل توضيحي باللغة الفرنسية.