الأحد، 16 ديسمبر 2018

العيش معا في سلام تحديات وآفاق

العيش معا في سلام
تحديات وآفاق

    ألقى الشيخ خالد بن تونس، يوم 09 ديسمبر 2018، محاضرة، عنوانها "العيش معا في سلام، تحديات وآفاق"، بمقر المركز الوطني للبحث في الأنتربولوجية الإجتماعية والثقافية، الذي نظمها بالتعاون مع مكتب مدينة وهران، للمؤسسة المتوسطية للتنمية المستدامة "جنة العارف". فيما يلي كلمة الشيخ خالد بن تونس في اللقاء. للعلم تبع مداخلته مناقشة مفيدة، نسرد لها مقالا لاحقا، بحول الله. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    السلام عليكم

    بعد بسم الله الرحمن الرحيم

    إني فخور بهذا اللقاء الكريم، ومقابلة الحضور. أتمنى إن شاء الله، أن نحقق هدفنا، وأن يكون العيش معا فيما بيننا، حسا ومعنى. وأن يتحقق في أخلاقنا وتفكيرنا، ومعاملتنا مع بعضنا البعض، ومع كل بني آدم. يقول عليه الصلاة والسلام "كلكم من آدم وآدم من تراب". يذكرنا العيش معا، بتكريم الله سبحانه وتعالى للعائلة أو الأسرة الإنسانية، لقوله عز وجل "ولقد كرمنا بني آدم". سورة الإسراء، الآية 70.

    في البداية، أرحب بكم. ويثير إعجابي جموع الأشخاص والأخصائيين، وخصوصا مختصي التاريخ، الحاضرين في هذا المحل الذي زرته، وأنا سعيد اليوم، لما أراه أنه توسع وازداد حجما، وكل ما يقدمه لهذا الإرث المشترك العزيز علينا.

    كيف نغذي الضمائر، حتى يتمكن الناس من إعادة قراءة التاريخ بطريقة مختلفة؟ عندما أقول بطريقة مختلفة، كما لو أنه يوجد تاريخ موازٍ مخفي، وفقط البحث وإصرار الباحثين والعلميين قد يكشفه لنا. لقد امتاز بلدنا، والدليل اليومين السابقين، في مدينة وهران، اللذين قدما لنا القناعة الأكيدة، أن بلدنا نضج، وهذا النضج بلغه، عبر تجربة مريرة خاضها، كادت تدمره، وخرج منها أكثر قوة، بما أنه قدم اقترحا، من خلال القرار الذي رفعه حتى النهاية، على مستوى الأمم المتحدة. اقترح فكرة أو مفهوما، يسمى العيش معا في سلام، ابثق منه يوما، الذي لم يتعرض فقط للتحليل، وتم قبوله واعترف به، من طرف 193 بلد أو دولة، التي تشكل مجموع منخرطي الأمم المتحدة؛ بل يتعدى الأمر ذلك، مادام أن اليومين اللذين عشناهما بوهران، كان مفهوم العيش معا، هو داعي الناس، بأن يضعوا حجر الأساس، حتى يصلوا إلى تطويب هؤلاء 19 شهيد مسيحي، الذين وهبوا حياتهم في العشرية السوداء. وسميناها العشرية السوداء. إذن سمح لنا العيش معا بتجسيد المبدأ واقعيا، وتحويله إلى حقيقة، حقيقة إنسانية واجتماعية وسياسية، وأتمنى أن يكون أكثر من ذلك.

    لدينا على سبيل المثال، بلد مثل أثيوبيا، منذ حوالي شهرين، قررت حكومة هذا البلد، خلق وزارة السلام والعيش معا(1). إذن هو أمر يشرفنا. يوجد بلد أفريقي، والأول في العالم، قام بفتح الفجوة، بطريقة ما، واخترق طابو. إن العيش معا والسلام، يستحقان أن نمنحهما مؤسسة، يستحقان أن نمنحهما فعليا كراسي، على مستوى جامعاتنا، ويستحقان بأن يدرّسا في أكاديميات، ويستحقان بأن يندرجا لأطفالنا، في البرامج التربوية لمدارسنا. وهذا في كل مكان في العالم. إن هذا المفهوم مفيد على عدة مستويات، الفلسفية والروحية والإجتماعية والإقتصادية، ويسمح بخلق صِلات، ويسمح بالذهاب إلى ما وراء الجدران، التي بناها الناس بينهم، وخلق جسور تبادل، وجسور تسمح بمساعدة كل شخص، للإستفادة من الآخر. فالحياة دوما مبادلة متكاملة. تبادل دائم، ينال كل شخص ما له وما يحتاجه، ومعطيا للآخر، بالمقابل.

    لعل هذا المفهوم يرشدنا، إلى رؤية عن أنفسنا، ورؤية أخرى لإدارة العالم. لحد اليوم لا تتم إدارة العالم، إلا من خلال نظام هرمي. في النظام الهرمي، توجد للهرم قاعدة وقمة. والقمة محتلة من طرف من؟ من طرف اللذين يملكون السلطات والأصول ويوزعون الخيرات، والقاعدة موجودة، إما لتتحمل ما يجيئ من الفوق، أو تتفاعل للصعود إلى الأعلى. في وضعية نزاع دائم، وتسبب حراك المجتمع باستمرار، فلأنها ترتكز على مفهوم، هو قسرا مفهوم منافسة، ونسميه حقا التسلسل الهرمي، وننعت الناس نسبة إلى الدرجة التي يتواجدون فيها. كلما تواجدتَ في الفوق في التصاعدات، كلما كنتَ تملك الأصول والتشريفات والسلطات وغيرها، في حين، أن نظام العيش معا في سلام، هو نظام دائري، فهي الدائرة، وما يعنيه، أنك عندما تضع إصبعك على المحيط الدائري، سواء أخذت النقطة المتواجدة في الأعلى، أو التي تواجدت في الأسفل، فعليك أن تبدأ من مكان ما، وهذا المكان الذي شكلته هو الواحد، وعندما تدورون حول الدائرة وتعودون إليها، ستجدون أنه في الآن نفسه، هو الأول والآخر. يدعوننا مفهوم الدائرة إلى رؤية أخرى، وفي هذه الرؤية، يكون الأول فينا، هو أيضا الآخِر (بكسر الخاء). نحن من أجل الجود والقيم، وما ننتجه وما نجلبه، يكون لمجموع ما يشكل الدائرة. نحن أيضا يطرأ علينا الضعف، وتعترينا سلوكات تكون أحيانا سلبية، وتركبنا المخاوف. كل واحد فينا، يحوي في نفسه، في الآن نفسه، السالب والموجب، في الآن نفسه الأول والآخر. على كل واحد منا أن يعمل في الجانب الإيجابي الذي ينشطه، وجميعنا سواسية، بصفتنا آدميين، على نفس المبدأ. سواء كنا دينيين أو لا دينيين، مؤمنين أو غير مؤمنين، بيض أو سود، نبقى آدميين، مع الحقيقة التي تسكننا. وهنا تقودنا الدائرة، إلى النظر إلى أنفسنا بشكل مختلف، لأن النقطة المتواجدة في الأعلى، كالحضارة والمجتمع، اللذان يسيطران اليوم، فحتما سيأتي يوم بفعل حركة الدائرة، وتنقلب الأمور. فالشخص لن يبقى للأبد في أعلى الدائرة، فحتما سيأتي اليوم ويصبح في الأسفل. وهل الذي يتواجد في الأسفل، هو أقل شأنا من الذي يتواجد في الأعلى؟ بالطبع لا. إن المتواجِد في الأسفل يحمل كل البقية، والنقطة التي ترتكز عليها الدائرة، نقطة الأسفل، تكون المكان الذي سيحمل مجموع هذه الحقيقة الوحدوية، التي نسميها الإنسانية. تسمح لنا الدائرة بإضفاء الطابع الشخصي وتعريف هذه الإنسانية، كجسد، كل عضو فيه خلية، وكل شعب وكل حضارة فيه طرف، وكل ثقافة عضو. نَصِف جسد وُلد بصحة جيدة، بقدر ما يعمل كل طرف وكل عضو، الذين يشكلونه، يعملون معا، من أجل رفاه الجسد، وإذا وجد أن جزء من الجسد قرر، أن يعمل لوحده، فما الذي سيحدث للجسد؟ سيمرض، وإذا جرح طرف من الجسد، سيتداعى الجسد كله بالحمى. إذن فمن صالحنا أن ننظر إلى الإنسانية كجسد وكحقيقة واحدة. علينا أن نمنحها وضعا، وضعٌ قانوني، ووضعٌ يجعلها مرئية في عيوننا، وعلى الخصوص لأطفالنا، والأجيال القادمة، حتى يتمكنون من بناء حول هذه الفكرة مستقبلهم معا، الواحد مع الآخر، وليس الواحد ضد الآخر. أكثر من أي وقت مضى، تدعوننا فكرة العيش معا، إلى أن نضع موضع الشك، رؤيتنا الخاصة لذواتنا، ومجموع هذا الجسد، الذي نسميه الإنسانية. أتذكر أننا في تركيا، في قمة العمل الإنساني الأولى في اسطمبول، من 24 إلى 26 ماي 2016، قمنا بطرح هذا الإقتراح، وكان يتواجد مع الأمين العام للأمم المتحدة، عدة رؤساء دول، وبعض الملوك، وبالفعل ممثلي جميع الدول، و 4000 منظمة غير حكومية. وبرفع الأيدي، عندما قدمنا الإقتراح للأمانة العامة، قائلين حان الوقت، كي تتخذ الأمم المتحدة القرار، وتغير المفهوم، فللإنسانية اليوم بالنسبة لنا، مفهوم فلسفي، وينبغي إعطائها جسد، وجعلها حسية، ومنحها جسد قانوني واجتماعي وسياسي. لماذا؟ حتى لا يعتدى عليها أبدا. حتى يكون للإنسانية لسان تنطق به، وأناس يدافعون عنها، وحتى تدافع الإنسانية عن نفسها من اللاإنسانية والعدوانية، أينما كانت وأينما تواجدت، سواء كانت سياسية أو دينية، وإذا ما استعمل أحد الزعماء الدين وجعل منه ايديولوجية، للإعتداء على الإنسانية، يجد أمامه إنسانية تستطيع أن تدافع عن نفسها وتتكلم. ليست دول، بل إنسانية لها لسان وكلمة، ولها قانونيا وضعا. إني أذكر لكم الإمكانيات الموجودة وراء العيش معا. لا نريد هذا العيش معا حدثا، ويوما يندرج ضمن الأيام الموجودة في العالم، في رزنامة الأمم المتحدة، ولكن نجعل من هذا الحدث حادِثة وبداية، وليست نهاية، بداية لإدراك جديد، تتحلى به الأجيال القادمة.

    أعلم أنه يبدو اليوم بعيد المنال، وكما قلنا، في أكتوبر 2014، ولدت هذه الفكرة، هنا في وهران، وكانت تلك الدفعة الأولى، وطرح هذا الإقتراح لدى الأمم المتحدة. في الحقيقة، وقّع 3600 شخص على العريضة، والحق أنه لم يكونوا يعلمون متى سيتحقق ذلك، بما فيهم أنا شخصيا، ورغم ذلك أربع سنوات من بعد، نرى أنها أصبح حقيقة، وحقيقة معترف بها من طرف الجميع. وكيف إذا بقينا بالإستنتاج أننا نجحنا في تأسيس يوم، بدون إعطائه حركية والمعنى الذي هو بحاجة إليه، معنى من أجل الإستمرار في الحياة والتطور، وبدون ترجمته في الحياة اليومية، وفي تربية أبنائنا، من الحضانة إلى الإبتدائية والثانوية وحتى الجامعة؟

    أقول لماذا لا توجد أكاديمية للسلام، مادام توجد أكاديمية البيلياردو، وأكاديمية ما لا أعلم، ومربي الحمام، وكل الأنواع، ولا تجدون في أي مكان واحدة للسلام. نعم يتكلمون عنها، فمثلا كوستاريكا، لما زرتها، فرئيسها السابق "سانشيز"، كان البادر لهذه الفكرة، لفكرة أكاديمية السلام، ولكنها لم تتحقق أبدا. كيف يمكن أن ليس للسلام أي محل، ولا أي مؤسسة جديرة بهذا الإسم، تمثله وتحمله؟ في كل بلد توجد وزارة الدفاع، في السابق لم نكن نخفي الأمر، كنا نسميها وزارة الحرب. في أيامنا غُيّر الإسم، ونقول أنها وزارة الدفاع أو وزارة الإستراتيجيات، والحقيقة أن للحرب مؤسساتها. والحرب شيئ ما يتم تدريسه، كتكتيك وتطبيق وكل ما تريدون. في أي مكان لا توجد دبلوماسية السلام. نعم توجد في الأمم المتحدة، ولكن في الحقيقة، لا توجد في أي بلد. في كندا قامت حكومة هذا البلد مؤخرا، بإنشاء خلية تعمل على الدبلوماسية والعيش معا، وهي حديثة، ولدينا في كندا المرصد الدولي لرؤساء بلديات العيش معا.

    إذن أنتم ترون العمل، الذي ينبغي القيام به، وأنا أتكلم مع المدينة التي انطلقت منها هذه الفكرة.  انظروا كيف تمت تعبئة هذا الحدث، الذي جرى منذ يومين، و نقش العيش معا هذا، بحروف من ذهب، تحول إلى واقع، وكسر طابو، فتطويب رهبان وأشخاص وأسقف وهران، مع وجود مبعوث خاص للفاتيكان وممثلي كل الأديرة، التي ينتمي إليها الرهبان والراهبات، فهذا حدث رئيسي، يحدث لأول مرة في بلد عربي وإسلامي وأفريقي، عواقبه هائلة على صورة البلد، وعلى صورة مدينة وهران، وهو ما يبرز أن هذا البلد منفتح ومرحب. غادر الناس من هنا وهم باكين، وأهالي العائلات الذين رافقونا طيلة هذه الأيام في وهران، تأثروا بحسن الضيافة والإستقبال، والسلك الدبلوماسي الذي كان حاضرا. هي شهادة تعطي نظرة أخرى عن بلدنا، ونظرة أخرى عن مدينتكم. يجب عليكم أن تدركوا ذلك، وعلى الخصوص الباحثين والجامعيين والأساتذة، حتى نبلغه لأبنائنا، ونذكر لهم أهمية العيش معا، وعواقبه على واقع مبادلات بلدنا، مع أوروبا، وأيضا مع أعماق القارة الأفريقية، حيث تواجد كذلك مسيحيي أفريقيا، احتفلوا معنا وغنوا. تمثل الجزائر شيئا ما في القارة الأفريقية، فهي ذات زعامة، وهذا الإنفتاح البيديني، وهذا القبول للآخر، يسمح بوضع بلدنا في الحوار. لا أقول لكم هذا فخرا، أنتم تفهمون هذا. أقول لكم هذا، حتى يكون هذا البلد جاهزا، لتقديم أحسن ما عنده، ويتبادل مع العالم بأسره، حول مبدأ العيش معا، والإقتصاد التضامني الدائري، فالمصالح تختلف. كما في الجسد، لا يمكننا أن نفضل اليد اليمنى عن الشمالية، أو العين اليمنى عن الشمالية، أو القدم اليمنى عن الشمالية. هذا غير معقول. في الجسد الأعضاء متضامنة. لنتشارك في فعل الخير، مع العمل من أجل خير الصالح العام، وكل واحد ينال حقه من خير الصالح العام. إحترام الآخر وكرامته. حرمة الغير وسلامة الغير. فمن المهم أن نرسخ في ذهن أبنائنا مبكرا فكرة الغيرية.

    يعتبر الآخر جزء من أنفسنا، في الإتجاه الذي ننتقل فيه من ثقافة الأنا إلى ثقافة النحن، من ثقافة الذاتية إلى ثقافة الجميع، نحو القيم العالمية (الشاملة). ما هي ثقافة الأنا؟ إنها ثقافة الأفقية، أي أننا نتطور ونخلق إقتصادا ناميا. مثلا عندما نتكلم عن الدول التي تتطور، نتكلم عن بلدان ذات رمز برقمين. هذه أفقية الأشياء، ويوجد أيضا مفهوم العمودية. أي إذا قمنا بتطوير بلد أو أمة فقط على الأفقية، فإننا نقتل هذه الإنسانية. إذا لم يحتسب العمودية والقيم، وإذا لم يدرّس القيم لمجتمعه، وحوّله فقط إلى مستهلك، وفتح لاستهلاكية جامحة، إنتاج من أجل الإستهلاك، فسنفقد معنى الإنساني الكامن فينا، ونتحول إلى معدة. نحرص على ملئ شيئ يفرغ في الحال. لتحفيز القيم، ينبغي العودة إلى الأفقية. من أجل قيومية الإثنين معا، نحن بحاجة إلى تطور إقتصادي. اتجهت بعض الدول أبعد من ذلك، ولسوء الحظ، إنها دول صغيرة، ومن يستمع إليها. في نيبال وبوتان، لا يتكلمون عن الناتج القومي الإجمالي، بل عن السعادة القومية الإجمالية(2). ماذا ننتج من سعادة لمواطنيينا؟ ليس الناتج القومي، بل السعادة القومية، هي التي تحتسب عندهم. وهمية على الإطلاق. نعم ربما هي فكرة ينبغي الرجوع إليها. سعادة المواطنين، وكل واحد منا ينال نصيبه. نصيبه من الكرامة، نصيبه من الإنسانية، ونصيبه الإقتصادي. كل هذه الكلمات هي طوباوية خيالية. نعم هي كذلك، وإنه الحلم. حلم يتقاسمه العديد من الناس يتحقق. إذا حلمنا بعالم يتغير، وإذا أعطينا، ونبدأ بكم، أنتم هنا، إذا أردتم أن تعطوا لمدينتكم هذا الواقع، ينبغي العمل له. إذا أردنا أن نعطي هذه الحقيقة، لهذا البلد، ينبغي العمل لها. والعمل هو التربية. والعمل في المدارس وأيضا في المساجد وكنائسنا، فلا يوجد كنس، لسوء الحظ، ويكون أيضا في تطورنا الإقتصادي وزراعتنا، ليست الزراعة الصناعية، فهي زراعة محترمة للأرض. يكون العيش معا حتى مع المماليك الأخرى، فالأرض حية، ومعدن حي، لا نستطيع أن نعيش مع الأرض، ونسممها، فهي سترد إلينا ما وضعنا فيها، وتوجد بقية المماليك، الحيوانية والنباتية. هل تعلمون أن 90 %من الطحالب الجافة تختفي، وهذه كارثة على المستوى الإنساني. ماذا تعني حشرة؟ خذوا نحلة، لا تزن شيئا، ولكن في اقتصاد العالم، وتلقيح الحي، لها دور أساسي، بدونها لا نحصل على فاكهة.  عندما تمتص رحيق نحلة، تقوم بالتلقيح، وبفضل النحلة أو أي حشرة نحصل على فاكهة. انظروا إلى أهمية النحلة، وتأثيراتها المباشرة علينا. يمكنكم أخذ كل شيئ، فدودة الأرض تجعل الأرض حية، والتراب الذي ترده، يمثل عمل الملايين من الجرارات. إن العمل الذي تقوم الحشرات، لا يستطيع الإنسان أن يقوم بمثله، رغم تقنياته العالية. لا يستطيع القيام به، والعمل بمثله. ويستعيد العيش معا تكامله مع بيئتنا. يدعوننا هذا التقارب إلى العيش في الدائرة، ما معناه، في أقصى معاني الإنفتاح، وليس بالنظر إلى جزء من الدائرة، ولكن العيش في الدائرة، وفي الحقيقة الشاملة. نعيش في سلام مع أنفسنا وأقراننا، وأيضا مع المماليك الأخرى، المعدنية والنباتية والحيوانية، حتى تستديم الحياة، ونتركها لأحفادنا. المسألة البيئيىة، مسألة الإحتباس الحراري، وذوبان الجليد والقطبين. سيؤدي كل هذا إلى مشاكل لا تصدق لنا جميعا. انقلاب كلي، يتحمل الإنسان بعض جوانبه. كيف ستتصرف هذه الأجيال، إذا لم نعي من الآن، ونبدأ في إرشادهم إلى مناهج، يمكنهم التوجه إليها غذا، ونترك لهم رأسمال، يسمى العيش معا في سلام.

  أشكركم.

ــــــــــــــــــــــــ
 (1). أنشأت شهر أكتوبرالماضي أثيوبيا، أول وزارة في العالم، أطلقت عليها إسم وزارة السلام. قال رئيس وزراء البلد السيد أحمد  لنواب البرلمان "المشكلة الرئيسية في هذا البلد هي الافتقار للسلام. هذه الوزارة (وزارة السلام) ستعمل جاهدة على أن يسود السلام".
    جاءت هذه الوزارة بعدما مر هذا البلد، بموجة من العنف في الداخل ومع الجيران، فيما مضى، ويحاول الإستقرار بقوة ثابتة. لم تتوضح بعد خصوصيات هذه الوزارة، وقالت الحكومة، إن وزارة السلام الجديدة ستشرف على أجهزة المخابرات والأمن.

(2). السعادة القومية الإجمالية، هو مصطلح صاغه ملك دولة بوتان، السيد جيغمي سينغي وانغشوك، في سنة 1972، يتضمن دليلاً لمقياس الرفاهية الفعلية لمواطني البلد، بدلاً من الاستهلاك، وهو ما يعبر بشكل أكثر ملاءمة عن الحقائق الاجتماعية والإنسانية والبيئية. فرضيته هي أن السعادة الأساسية يمكن قياسها، لأنها تنتمي إلى نوعية التغذية والمسكن والتعليم والرعاية الصحية والحياة المجتمعية. على عكس ذلك، فإن مفهوم التقليدي للناتج القومي الإجمالي، يقيس فقط مجموع الإنتاج المادي الصرف في البلد.
    وُضعت السعادة الوطنية الإجمالية، كهدف لحكومة بوتان في دستور الدولة، الذي صدر في 18 07 2008، وجاءت قصة انشاء المصطلح، عندما أجرى صحفي بريطاني في صحيفة فاينانشيال تايمز، مقابلة في مطار بومباي، مع ملك بوتان الشاب، السيد جيغمي سينغي وانغشوك، و قال حينها "إن السعادة الوطنية الإجمالية أكثر أهمية من الناتج القومي الإجمال".
    في عام 2011، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة  قرار "السعادة: نحو نهج شامل للتنمية"، حث الدول الأعضاء على اتباع مثال بوتان، وقياس السعادة والرفاهية، إجمالي الناتج المحلي، من خلال تقييم السعادة الجماعية كهدف للحكومة، من خلال التأكيد على الانسجام مع الطبيعة والقيم التقليدية، كما هو موضح في مجالات السعادة القومية الإجمالية التسعة وأركانها الأربعة. وتتكثل الأركان الأربعة في: التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة والعادلة، الحفاظ على البيئة، الحفاظ على الثقافة والترويج لها، والحكم الراشد.
    تصنف دراسة أجراها باحثون أميركيون لصالح الأمم المتحدة، يحدد ترتيب 156 دولة، وفقًا لمستوى السعادة، وهو أسلوب مماثل لـ تصنيف يخص للناتج القومي الإجمالي، في صدارة الترتيب من تصنيف يعود 2013، الدنمارك (7693)، ثم تليها النرويج (7655)، فسويسرا (7650). لا تظهر بوتان في القائمة. واحتلت النرويج المرتبة الأولى في إجراء نفس الدراسة، سنة 2017.
    المصدر: ويكيبيديا.


الخميس، 13 ديسمبر 2018

الشيخ خالد بن تونس بكراسك وهران

   الشيخ خالد بن تونس بكراسك وهران


الشيخ خالد بن تونس يتسلم درع الكراسك

    خص الشيخ خالد بن تونس، يوم 09 12 2018، المركز الوطني للبحث في الأنتروبولوجية الإجتماعية والثقافية (كراسك)، بمحاضرة عنوانها "ثقافة العيش معا في سلام، تحديات وأفاق"، حضرها جمع غفير، حيث ملئ المدرج عن آخره، وكان ملفتا عدد الحضور، والإهتمام المتزايد، الذي بات يوليه، عددا أكبر من الناس، بمشاريع الشيخ خالد بن تونس.

    قبل أن يبدأ محاضرته، قُلد الشيخ خالد بن تونس، بدرع الكراسك، وهو هدية رمزية، سلمها إياه مدير المركز، السيد جيلالي المستاري، وتوبع بتوقيع إتفاق شراكة، جمع بين مركز الوطني للبحث في الانتروبولوجية الإجتماعية والثقافية، في شخضية مديره، من جهة، والشيخ خالد بن تونس، من الجهة الأخرى، ممثلا عن المؤسسة المتوسطية للتنمية المستدامة (جنةالعارف)، بصفته رئيسها الشرفي. تواصل اللقاء بنقاش واسع، نشطه الحضور، من أخصائيين و شباب ودبلوماسيين، الذين خصبوا الموضوع بأفكار واراء، أثرت معايير ثقافة السلام.

    وتم عرض في فناء المركز، معرض "الجزائر المحمية بالله"، الذي يحكي تاريخ مدينة الجزائر، منذ العهد الفينيقي، وبيعت بعض كتب الشيخ خالد بن تونس، الذي خصص مجلسا، ليوقع عليها لمقتنيها.

فيما يلي مقالين لجريدتي النصر والجمهورية، يبرزان بعض جوانب اللقاء. 
ــــــــــــــــــــــــــ


الشيخ خالد بن تونس يدعو إلى التصالح
مع الذات والطبيعة بكراسك وهران



توقيع اتفاقية لإدراج موضوع "العيش معا بسلام" في برامج الجامعة


جريدة الجمهورية، في 10 12 2018 . بقلم. حيزية ت 

    دعا شيخ الطريقة العلاوية، خالد بن تونس أمس، إلى التصالح مع الذات والطبيعة و الكائنات، من خلال إرساء ثقافة العيش معا في سلام، مؤكدا على ضرورة إدراج هذا المفهوم الفلسفي و الاجتماعي والإقتصادي، في الجامعات و في برامج التعليم في المؤسسات التربوية.

    وقد جاء هذا ضمن محاضرته التي نشطها بعد ظهر أمس، على مستوى مركز البحث في العلوم الاجتماعية و الانتروبولوجية، كراسك وهران، حيث فصّل في أبعاد ثقافة السلم، انطلاقا من مفهوم العيش معا في سلام، وسط حضور قوي للأساتذة الجامعيين و الباحثين و ممثلي المجتمع المدني، إلى جانب حضور القنصل العام الفرنسي ورئيسة معهد سارفنتس. اللقاء نظم من قبل المؤسسة المتوسطية للتنمية المستدامة جنة العارف، مكتب وهران، بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لإعلان هيئة الأمم المتحد 16 ماي، يوما دوليا للعيش معا في سلام، هذا و تم على هامش الفعالية، توقيع اتفاقية شراكة بين مركز كراسك و مؤسسة جنة العارف، التي يعتبر الشيخ خالد بن تونس رئيسها الشرفي، و تنص الاتفاقية على العمل حول إدراج  موضوع العيش معا في سلام، في مجال الدراسات الاجتماعية و الثقافية، ومع الجامعات وعرض الموضوع في البرامج التعليمية.
    وتم بالمناسبة تكريم الشيخ خالد بن تونس، صاحب مبادرة مشروع اليوم الدولي للعيش معا في سلام، من قبل مركز كراسك، بتقديمه ذرع الكراسك، كما تم أيضا في سياق اللقاء، بيع بالتوقيع لأخر أعمال الشيخ خالد بن تونس كتاب "الإسلام و الغرب، الدعوة للعيش معا في سلام". و يحتضن بهو الكراسك أيضا معرض الجزائر المحمية من الله، التي تحكي تاريخ مدينة الجزائر، من قبل المسيح إلى غاية 1830.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــ



بن تونس يكشف عن مشروع لتدريس "العيش معا في سلام" ويؤكد


    الجزائر بلد ناضج رغم التجارب المؤلمة التي مر بها

    جريدة النصر، في 11 12 2018. بقلم. خيرة بن ودان 

    كشف شيخ الزاوية العلاوية، خالد بن تونس  أول أمس، أن العمل متواصل مع وزارة التربية الوطنية، من أجل إيجاد طرق بيداغوجية، تسمح بإدراج مفهوم العيش معا في سلام، في المنظومة التربوية، كي تتشبع الأجيال القادمة بهذه الثقافة من الآن، حيث أشار الشيخ أنه التقى بوزيرة التربية الوطنية نورية بن غبريط، على هامش ملتقى "الرياضيات والعيش معا"، الذي إحتضنته مستغانم  في جويلية الماضي، وتم التطرق لمشروع يسمح بتضمن البرامج المدرسية لمفهوم العيش معا، وهو ذات المفهوم الذي كان أساس اتفاقية أبرمت بين مؤسسة "جنة العارف"، التي أسسها الشيخ بن تونس  ومركز البحث "كراسك وهران"، لبلورة معايير تدريس هذه القيم الإنسانية في الأطوار التعليمية.

    وقال الشيخ خالد بن تونس، خلال تنشيطه لمحاضرة تمحورت حول "العيش معا في سلام: تحديات وآفاق"، والتي إحتضنها مساء أول أمس، مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، كراسك وهران، أن إقرار "العيش معا في سلام"، مبادرة لتعبيد طريق السلام للأجيال القادمة، مضيفا أن الاحتفال به يجب أن يكون بنشاطات في فضاءات مفتوحة، حتى تنقل تلك القيم من جيل إلى جيل، محذرا في هذا السياق من خطر التلاعب بمصير هذه الأجيال، عن طريق زرع مفاهيم مغلوطة عن الإسلام وعن تقاليد الجزائر في التعامل بقيم السلام والعيش معا، مضيفا أن ترسيم 16 ماي يوما "للعيش معا في سلام"، يعكس جليا أن  الجزائربلد التسامح والإنسانية العالمية، وهذا على مر العصور، حيث مازالت بعض المواقع الأثرية شاهدة على هذه القيم المتوارثة في المجتمع، مطالبا بضرورة الحفاظ على الأماكن التاريخية و الأثرية، التي من خلالها تنقل القيم التي تركها الأجداد، متأسفا أيضا على تدمير المواقع الأثرية والمكتبات القديمة وحرق الكتب وغيرها من الأعمال غير الإنسانية التي تعيشها عدة دول منها سوريا وليبيا واليمن وحتى بلدان قبلها مثل  العراقحيث حرمت البشرية من الإستلهام من تلك الآثار، لغرس قيم السلام والعيش معا، التي لطالما تجسدت في سلوكات ويوميات الحضارات القديمة، ومنها الحضارة الإسلامية مثلما أضاف الشيخ، مستذكرا في ذات الصدد عدة مواقع في الجزائر تشهد على تلك القيم، وحتى أرشيف ديني يضم بين طياته حقائق تاريخية، لا زالت مجهولة لدى الكثيرين.
و إعتبر الشيخ بن تونس أن إحتفالية تطويب الرهبان التي شهدتهاوهران ، كشفت أن الجزائر بلد ناضج رغم التجارب المؤلمة التي مر بها. مبرزا على صعيد آخر، أن العيش معا، يبدأ بالتصالح مع الذات وهنا تكمن الصعوبة، و أنه من الأفضل استعمال السلام الذي هو اسم من أسماء الله الحسنى، في تغذية العقول وتحريك الضمائر، لإنتاج تربية ترتكز على السلام بعيدا عن كل أنواع العنف.

الذكرى الأولى لتقرير اليوم الدولي للعيش معا في سلام

الذكرى الأولى لتقرير
 اليوم الدولي للعيش معا في سلام

    في اليوم الثامن من ديسمبر 2018، تكون قد مرت سنة كاملة، على ترسيم اليوم الدولي للعيش معا في سلام، فقد جرت يومها مجريات التقرير، في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الـ 72، بمدينة نيويورك الأمريكية. كما تعلمون، سعى الشيخ خالد بن تونس للعملية سعيها الدؤوب، حتى يجمع جميع الدول على تبني هذا الإجراء، ولمدة تفوق ثلاث سنوات، منذ ختام المؤتمر الدولي للأنوثة، في مدينة وهران، أواخر شهر أكتوبر 2014، قام الشيخ خالد بن تونس، بعمل جبار، وطاف مختلف البقاع، واجتمع بمختلف الشرائح العالمية للترويج لمشروعه، وكسب دعم المؤثرين ومجموعات الضغط، حتى يتم تمرير المشروع. فبعد عقبات تعرضت طريقه، وشكوك حامت حول جدواه، وسط عالم يعيش توترا، وحتى أنه تلقى تسفيهات، وسم بها العمل المقام، والتحركات المراطونية التي خاضها، وصفت بالعجيبة؛ طرح المشروع للتصويت، وكانت النتيجة باهضة، فاجأت حتى الشيخ نفسه، تم تبني المشروع، بالإجماع الشامل، لم تتخلف أي دولة، من الدول 193، المنخرطة في الأمم المتحدة، وحتى أنه لم يجرى إقتراع، قُبل بالتوقيع على مضامينه، وصدر القرار، يوم 08 12 2017، وتم تشريع "اليوم الدولي للعيش معا في سلام"، واختير يوم 16 مايو من كل سنة، يوما للإحتفالية.

    في احتفاليات اليوم الدولي للعيش معا في سلام، في شهر مايو الفائت، التي عرفت مشاركة ملحوظة في العالم، بالنظر أنها تجرى في طبعتها الأولى، قدم الشيخ خالد بن تونس، عدة عروض، لتجسيد أواصر الأخوة، ومباني العيش معا، وإفشاء مآثر السلام، فكان مما اقترح آنذاك، أن نتوجه إلى مدينة وهران، لوجود معلمين، يجسدان ذلك التنوع، فعلى قمة الجبل المشرف عليها، قد تم مؤخرا ترميم كنيسة سانتا كروز، التي تعود إلى العهد الفرنسي، وبني مسجدا جديدا، محاديا لمقام سيدي عبد القادر الجيلاني، مما جعل الشيخ يحث على أن يقوم وزير الشؤون الدينية، ووفد مسيحي، بفتح المعلمين معا في كل موقع، فذلك يبرز قمة التآزر، والمسامحة التي ينبع بها البلد، فكونه هو البلد الذي رفع الطلب إلى الأمم المتحدة، وعمل دبلوماسييه عملا شهد له الشيخ خالد بن تونس، وأقرّ بأهليتهم الكبيرة على استخراج نص، يجمع حوله مختلف دول العالم، ولا يثير أي حساسية، لمعرفتهم بمؤثرات الأمم.

     تحقق طلب الشيخ خالد بن تونس، بحلول الذكرى الأولى لصدور القرار، فقد قبلت الدولة الجزائرية، ليس فقط على أن يتم فتح المعلمين، من قبل مسلمين ومسيحيين، يمثلون جهات رسمية جزائرية ودولية، بل حتى على إقامة شعيرة مسيحية، تسمى التطويب، قالوا أنها تجرى لأول مرة في بلد إسلامي، ومن عادتها تقام في محافل الفاتيكان. وتقرر بأن يشترك مسلمون ومسيحيين في حضور مراسم التطويب لـ19 مسيحيا، اغتيلوا في سنوات التسعينات، واضافة إليهم، تم استحضار أرواح 114 إماما اسشهدوا وقتها، حيث رفضوا الإنصياغ لطلبات الإرهابيين، وفضلوا إذاعة خطابا حضاريا، ينم عن صبغة المحجة البيضاء للإسلام.

الشيخ خالد بن تونس وبجانبه وزير الشئون الدينية، بالمسجد القطب.


إنفتاح معالم دينية بالمدينة
    جرى يوم 07 ديسمبر، تدشين مسجدين وكنيسة، في مدينة وهران، تحت إشراف السلطات الجزائرية، يقودها وزير الشؤون الدينية، السيد محمد عيسى، والوفد المسيحي المرافق، تحت قيادة الكاردينال جيوفاني انجيلو بيتشو، عميد مجمع دعاوى القديسين، ممثلا لبابا الفاتيكان، وحضر المجريات، الشيخ خالد بن تونس.

    استغلت المناسبة، لافتتاح تدشين مسجد الأمير عبد القادر، الذي كان هبة تركية للمدينة، بني بحي البركي، الذي، بحسب الوزير، "يرمز إلى الأخوية الجزائرية التركية، وكذلك التحالف التاريخي، الذي حدث في ظروف مماثلة، بين الجزائريين وإخوانهم العثمانيين، لتحرير الجزائر من نير التحالف الصليبي". ودشن قبله مسجد رباط الطلبة، الذي بنته الولاية في أعلى جبل المائدة، الذي يعلو المدينة، بالقرب من مقام سيدي عبد القادر الجيلاني. وأطلق الإسم تشريفا لطلبة القرآن الكريم، الذين لعبوا دورا حيويا في تحرير المدينة من الإسبان، سنة 1792. وبالقرب منه على جبل مرجاجو، تم إعادة إقتتاح كنيسة المقدسة، بعد التجديد، والمعروفة باسم سانتا كروز، نسبة إلى الحصن الذي يحمل هذا الإسم، وبناه الإسبان على رأس جبل هيدور، نسبة إلى الولي الصالح سيدي هيدور، الذي أصبح يعرف لاحقا، باسم أطلقه عليه الإسبان، وهو جبل مرجاجو.

    شهدت صبيحة يوم البست 08 ديسمبر، حدثا إستثنائيا، غير معهود إطلاقا،  فقد ولجت وفود الضيوف المسيحية، المسجد الأكبر، للمدينة، المسجد القطب، عبد الحميد ابن باديس. حضيت عند مدخله، بمحفل مهيب، سلمت لهم الورود فور نزولهم من الحافلات، واستقبل وفد الفاتيكان والأساقفة استقبالا، نابع من تقاليد وثقافة الجزائر، قدم لهم التمر والحليب، عند مدخل المسجد، وسمعت طلقات بارود الخيالة، ونغمات الفرقة التقليدية الرسمية، التي تخصص عادة في المطارات لاستقبال الشخصيات المرموقة، وقدمت لهم عروض داخل قاعة الصلاة، وهي سابقة، بأن يدخل غير مسلمين المسجد، واستمعوا إلى الترتيل الجماعي لطلبة القرآن، وهم يقرأون سورة مريم، فقد كان إمام المسجد، مرافقا بأعيان المشهد الديني، يقدمون شروحا وافية عن المنشأة العمرانية الراقية، يتوسطهم مبعوث البابا، واستضيفوا بعدها في صالة عريضة، من طراز خمس نجوم، تشهد بحسن الضيافة العربية، ارتشفوا عندها كؤوس الشاي، وتناولوا مختلف الحلويات والمشروبات. لمسنا تأثرا محسوسا من المسيحيين، رجالا ونساءا، وعلى الخصوص، أسقف وهران السيد جان بول فيسكو، الذي ما فتئ يتحدث عن ما عايشه في المسجد، ويخبر كل من يستقبله بانفعال كبير.

داخل المسجد القطب، مسلمين ومسيحيين.

تدشين ساحة العيش معا في سلام
    في ساحة كنيسة المقدسة، وأثناء تدشينها، ومنحها تسمية، العيش معا في سلام، قال الشيخ خالد بن تونس، كلمة وجيزة، أمام الصحافة المرئية والمكتوبة، جاء فيها "الحمد والشكر للمولى عز وجل، الذي قدّر، وجعل هذا اليوم من الأمكن في وطننا. وهذا يدل على أن وطننا، لزال قائما وحيا، ويجمع ويؤلف فيما بين القلوب وبين الدول والأمم. ما أتمناه أن يكون هذا الحدث بداية، وليس نهاية، وهذا الحدث يصبح غدا حادثة وعملية لن تتوقف من أجل توحيد العائلة الإنسانية. المصالحة للعائلة الإنسانية". وأضاف "ينبغي ترجمة هذه المعاني في وقائع، وفي واقع الحياة، وأتمنى أن يكبر أطفالنا وهم متشبعين بهذه الأفكار، وتكون مغروسة فيهم من البداية". وأوضح "ليس بالعنف والإكراه، بل العكس، يكون بالتفتح والخطاب مع الغير". وأكد بأن "يجب أن لا ننسى، أن الإنسان لا يقدر بمفرده أن يكتشف ما حواه باطنه من خير أو من شر، فالمقابل لنا، هو الذي يعطينا الميزان، الذي نعرف به أنفسنا وحضارتنا وديننا، ونبني به حياتنا".

    وشدد في خطابه أنه "لا ينبغي أن ننسى أبدا، أنه مع الآخر يمكن بناء حياتنا، في هذه الحياة الدنيا"، وأضاف أنه ينبغي"أن نعلم أطفالنا الحوار وليس الصراع، ففي الحوار والصراع والصدامات، يمكن لأي شخص أن يجد فائدة، يستفيد منه ويفيد بعضه بعضا". وختم "أشكركم جميعا، وأريد هنا، أن أشكر السيد رئيس الجمهورية الجزائرية، الذي منذ بلورة هذه الفكرة، أدرك كل العمق الذي يكتنفها، وكل الحكمة التي تكتنزها، وأتوجه إلى قداسة البابا، ووزير الشؤون الدينية، الذي عمل بشدة، طوال سنة كاملة، وبذل جهدا ملحوظا، حتى يتحقق هذا الأمل، لهذا اليوم. شكرا لكم جميعا".

    وبجانبه، نوّه السيد وزير الشؤون الدينية الجزائرية، السيد محمد عيسى أنه "يشعر بالسعادة، بأن هذا الإقتراح صدر من الجزائر، وحظي بموافقة البابا فرنسيس، ونفتخر بأن رئيس الجمهورية، السيد عبد العزيز بوتفليقة، وافق بأن تكون طقوس التطويب على أرض الجزائر". وأشار أنها سابقة، تحدث لأول مرة مراسم التطويب على أرض إسلامية. بحسب ما أعلن في روما. ومن جهته، عبر الكاردينال جيوفاني انجيلو بيتشو في تصريح له عن "شكره للدولة الجزائرية ورئيسها الرئيس بوتفليقة، على تعاونهم في تنظيم ونجاح الاحتفال بتطويب الرهبان الـ 19 الذين ماتوا في الجزائر".

تطويب مسيحيي مأساة الجزائر
    المأساة هو إسم أطلق على أحداث دامية عرفتها الجزائر في فترة التسعينات من القرن الماضي، وامتدت ألامها حتى سطوع فجر القرن الواحد والعشرين، وهي حرب نشبت بين قوات الأمن الجزائرية والجماعات الإسلاموية، أسبابها كثيرة وأغلبها غير معلنة، والواضح فيها، أن تسببت في مقتل عدد كبير من الجزائريين، أحصي تعدادهم بين 150 ألف و 200 ألف مواطن، من مدنيين ورجال الأمن والجيش ومفكرين ورسميين وأجانب، ومن هؤلاء الأجانب، راح ضحية الهمجية 19 مسيحييا ممارسا.

    وجرت مراسم التطويب في كنيسة المقدسة، الواقعة بالمرتفع، الذي يشرف على المدينة، يوم 08 ديسمبر 2018، بحضور مبعوث البابا فرونسوا، الكاردينال جيوفاني انجيلو بيتشو، عميد مجمع دعاوى القديسين، ووزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، والشيخ خالد بن تونس، شيخ الطريقة العلاوية. والتطويب هو الخطوة ما قبل الأخيرة نحو القداسة في الكنيسة الكاثوليكية. وحضر المراسم نحو 1500 شخص، حضروا من الجزائر ومن أوروبا، من ضمنهم عائلات الضحايا، وكان هؤلاء الضحايا قد فضلوا البقاء في الجزائر، رغم التحذيرات وإلحاح أهاليهم.

    وشارك الشيخ خالد بن تونس، في السهرة الروحية التي جرت مساء يوم 07 دييسمبر في مركز بيار كلافيري المسيحي، ونشطته بمعيته الفرقة الإنشادية العلاوية، جادت قريحة منشديها بأحلى القصائد الروحية الصوفية، وامتزجت خلال الحفلة، بترانيم الموسيقى المسيحية.

    أشاد الشيخ خالد بن تونس، لاحقا، يوم 12 ديسمبر من باريس، باليومين المشهودين، يومي 07 و 08 ديسمبر، وهو يحضر لقاءا حول الأمير عبد القادر، لوجود ممثلي الفاتيكان، وممثلي الكنيسة الجزائرية والأديرة، ونوّه "بالأوقات المتقاسمة بالكاتدرائية والمسجد، ولحظات التطويب، بكنيسة سانتا كروز، التي تشرف على المدينة"، وأخبر أنها تمثل "رمزا عظيما، وإنها الأخوة والإلتقاء، الذي جعل من هذا اللقاء، أن يكون بين السماء والأرض، لم نكن كليا بين السماء والأرض، ولم نكن أيضا في الأفقية، صعدنا شيئا ما، للوصول إلى هذا المكان الذي يشرف على المدينة، ويبعث نداءا للجميع، وأرجو أن يكون هذا النداء قد سمع، ونحو هذا ينبغي أن نميل ونستثمر".

مشهد للكنيسة المشرفة على المدينة أوقات التطويب.