الخميس، 28 مارس 2019

المولى نصر الدين خوجة

المولى نصر الدين خوجة


    إليكم مداخلة الشيخ خالد بن تونس، في صبيحة اليوم الأول، من النسخة 15 للملتقى الدولي المتوسطي، ملتقى الثقافات الثلاث، الذي عقد بمدينة فالينسيا (إسبانيا) أيام 22 و 23 و 24 مارس 2019، والذي اختير شعارا له هذه السنة "طريق الحرير: طريق المعرفة والتجارة والسياحة والتعاون".


    حاضر الشيخ خالد بن تونس في الحصة الأولى، التي عرفت باسم، الحرير الشباب والمستقبل، بموضوع "المولى نصر الدين: شخصية صوفية عالمية".

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    سيداتي سادتي. أصدقائي الأعزاء. إننا نلتقي للمرة الثانية في هذا اللقاء "الملتقى"، هذا اللقاء الدولي للتبادل، الذي يسمح لنا بالتعارف، بشكل أفضل. هذه المرة، من خلال أسطورة وثقافة وتعليم، يوجد في التعليم الروحي الإسلامي، يمثله إنسان، يسمى نصر الدين خوجة.

    إن القصص المروية والمدروسة منذ أجيال، منذ القرن ال 13 الميلادي، عبر العالم الإسلامي، تركت أثارا لا تمحى، في ذاكرات جميع الشعوب. في البداية، كانت تركيا، أين يقال عاشت هذه الشخصية، في القرن ال 13، ومن هناك جابت هذه القصص العالم، قاطعة المسافة، من البحر الأبيض المتوسط إلى الصين.

    بماذا تركت هذه القصص أثرا في الأذهان؟ عندما نقرأ قصص نصر الدين خوجة، نرى أنه يمثل النقيض، وتضاد للخلق الحسن، وسيّد التفسير الخاطئ، وذلك لتقويم التوجه، لدى القارئ. إنه المهرج والمجنون والأناني والمتباهي، وكل ما يمثل الوصف السلبي. إنه المناقض للأعراف، الذي يقال عنه اليوم، الصحيح سياسيا أو الصحيح فلسفيا. فنصر الدين يقوم بالعكس، أو ما يمكن تسميته الفلسفة السلبية، أو الروحانية السلبية للتيقظ.

    إنه تعليمه بسيط، ويتوجه إلى عامة الناس والجمهور الواسع، ويمس الجاهل كما العالم. أصبح مع مرور الزمن مدرسة للحياة، ولم تتوقف شعبيته عن التزايد، قرن بعد قرن، إلى حد أن إسمه تناقل من جيل إلى جيل. على سبيل المثال، يعرف في تركيا بنصر الدين خوجة، وفي المغرب العربي، يسمى جحا، وفي اليونان شوغراب، حتى في الصين، وجدوا له إسم، وفي إيران كذلك، وفي إسرائيل وجدتُ له إسم، ويدعونه أرشل. هل وجدتُ أثر نصر الدين خوجة، حتى في أرض إسرائيل؟

    إذن، ما يعنيه أن الرجل يجسد تعليما لحقيقة مقلوبة، باستعمال لغة شعبية. وهذا ما صنع شعبيته، وهنا تدعونا هذه القصص إلى قراءات مختلفة. إنه بطل عدة حكايات مسلية وسخيفة، تروي عدة حالات، يمكنه أن يجسد، بشكل متناوب، دور فلاح وإمام ومحامي ومعلم وقاضي، ويمكن أن يمتلك زوجة واحدة أو زوجتين. إنه رجل جميع الوضعيات، ويجسد وضع مجتمعي، يمثل فيه جميع الأحوال، التي يمكن أن يعيشها كلٌ منا. في الآن نفسه، نجده رجل متميز ورجل عادي. وهذه الذاكرة عبر الأزمنة أُثريت، وبالفكاهة وبالقيم المضادة. فإنه لا يُعلم القيم، بل القيم المضادة، لكي يوقظنا للقيم المندرجة في كل واحد منا.

    عند نقرأ هذه القصص، ونغوص في معانيها، فأول ما ينبغي، هو فهم النص، والتساءل ماهو السلبي فيه. وماهو التوجه السلبي الذي يعلمنا إياه نصر الدين؟ كان يجعل من السخرية إسوة، ومثال يقتدى به. وفيما تفيد هذه السخرية وهذا الإستخفاف؟

    قبل حين جرى ذلك الحوار بين الشباب والكبار، فيما يتعلق بالقيم، قيم الماضي وقيم اليوم. كيف سيوضح لنا نصر الدين الأمور، فيما يتعلق بهذا الحوار؟ ومن هنا، نرى أهمية الذاكرة التاريخية لهذه الذاكرة التربوية، التي جاءت كذاكرة تنير الحاضر.

    على سبيل المثال، هل يمثل نصرالدين إسوة تعليمية؟ هل كان حقا حكيما أو فيلسوفا، في قصصه، من كان المحق، ومن كان على خطأ؟

    إذن، فهي تضعنا في موضع تساؤلي. عندما نقرأ القصة ونغوص فيها، نضع أنفسنا في القصة، ولا تصبح هذه القصة حكاية من الماضي، ولكن شيئ ما، يستفهنا حول الحاضر، ويدفعنا إلى طرح أسئلة حقَا، تنبع من التصرف، وسوف نرى أن الكلمات قامت في المقام الأول بإضحاكنا، ولكن في الحقيقة تسائلنا عن الكائن، الذي هو نحن. فلأنها تمس الأنا العاطفي للإنسان، وتوقفنا في جو وتفكير، لنستخلص من أنفسنا الحقيقة، في اليومي؛ في العلاقة مع الآخر، وبين الرجل والمرأة، والغني والفقير، والملك والمملوك، وفي العلاقات السياسية والمجتمعية والدينية، وعلاقة الإنسان بربه. إنه تعليم غير يقيني، تعليم يزرع الشكوك. يجعلك تشك.

    عندما نقوم بالتدريس، وعلى كل حال بالنسبة للمربين البيداغوجيين، فإننا نريد تبليغ شيئ مؤكد وصحيح أخلاقيا، يرتبط بقيم عالمية، ولكن نصر الدين يقوم بالعكس، حتى وصل به الأمر إلى القول، أن اليقين يقتل، والشك يجعلنا نحيا. يقلب بالكلية المواقف والقيود النفسية، التي تحدد مواقفنا، نسبة إلى عقائد موضوعة واتفاقات وعادات، حيث أنها بالتأكيد، من خواص حقوق الإنسان. يلدغنا في مكان الألم، هنا يصيب سهمه فينا. يضع إيماننا وقيمنا ويقيننا في مواقف وقيود، تدفعنا في كل مرة، إلى البحث عن الحدة الذهنية.

    من خلال كتاب الخمسين قصة، الذي تحصلتم عليه، وفي الخمسين قصة، توجد سبع مغامرات للنفس البشرية، وهي مغامرات، يمكن لكلٍ منا أن يصادفها ويعيشها. وبإعادة قراءتها، نرى أنها تستفسرنا عن تصرفنا، وكيف جرت تفاعلاتنا في مواقف مثل تلك، وماذا فعلنا، وإلى أي جهة كان انتماؤنا، وماهي النتيجة التي تحصلنا عليها، في هذا المشروع والمغامرة والمحاورة، فيما بيننا وبين المجتمع؟

    لبعض التوضيح، عندما نأخذ على سبيل المثال، ويضع نصر الدين أشياء موجودة فينا، موضع التساؤل. مثلا، القصة الموجودة في الكتاب، في الصفحة 95، والقصة رقم 37. القصة بعنوان "كيس البطاطس".

    "ذهب نصر الدين لشراء كيس بطاطس، وبعد محاورته لتخفيض السعر، استطاع شراء عدة كيلوغرامات من البطاطس، وبدون تفكير حمل الكيس على ظهره، وركب حماره واستعد للذهاب. فكان الحمار يحمل نصر الدين، الذي كان يحمل على عاتقيه كيس البطاطس، فسأله البائع متعجبا:

-        أليس من الأسهل أن تركب، وأن تحمل الكيس في يد، وباليد الأخرى تمسك العنان؟ لماذا لا تضع كيس البطاطا على الحمار؟
-        لأن الحمار يحمل ما يكفي من الوزن بي، فقررت أن أحمل أنا كيس البطاطس". (تصفيق حار بالقاعة، بعد قراءة القصة).
    الحمار الذي يموت، حمار نصر الدين. إنها قصة تذكرنا بالمؤسسة الإقتصادية، تدفعنا إلى التفكير في وضعنا الإقتصادي. رغبة في الحصول دوما على المزيد، يصل بنا الأمر، حتى نريد قتل العنصر الذي يسمح لنا بالعيش، وهذا ما نحن بصدد القيام به اليوم. نعيش هذا الوضع في الإحتباس الحراري، وفي نهجنا الإقتصادي، بالإندفاع دوما إلى الأمام من أجل الربح، مع التقليل في الجهة الأخرى، الفرصة والحياة المحتملة على الأرض. نحن نقوم بقتل الأرض – الحمار هنا- الذي يخدمنا. لنأخذ مثال آخر. عندما نشتري قميصا ببعض اليوروهات في متاجرنا، تم حياكته في بلدان يدفع فيها أجر زهيد، مقابل العمل، أجر لا يسد الرمق، لإنتاج الملابس وأشياء للإستعمال، داخل سلسلة شاملة للعولمة، التي تفقر باستمرار التي ينتجها والذي يشتريها. وبقيامنا بذلك في بنغلاديش، فإننا نقضي على اقتصاد اسبانيا وفرنسا وأوروبا والولايات المتحدة. تبحث الشركات المتعددة الجنسيات دائما، عن الأماكن التي يدفع فيها أزهد الأجور، لتباع منتوجاتها في الأماكن التي يمكن أن يدفع فيها أكثر، ويربحون أكثر. هذه الطريقة ستؤدي بنا شيئا فشيئا إلى الإفتقار جميعا، لأنه يوما ما سيتوقف النظام.

    هذه قصة من قصص نصرالدين، كتبت منذ قرون، وفيها يذكرنا بوضع حالي. لماذا؟ لأن القيم من جهة، والقيم المضادة من الجهة الأخرى، لا تتغير على مرّ القرون. تبقى نفسها. لسوء الحظ لا يوجد لدينا وقت للعمل على حكايات أخرى، ورؤية العلاقة بين ذاكرة الماضي وذاكرة اليوم. فقط لكي أريكم الإختيار الذي وقع عليه، عندما طرح عليه السؤال عن أيهما يختار، الشمس أو القمر، فقال نصرالدين، أنا أفضل القمر. ولماذا؟ لان في الليل نحن بحاجة إلى النور. كان يتكلم عن أي ليل؟ كان يتكلم عن ليل الشكوك والقلق والخوف. هنا، نحن بحاجة أكبر إلى النور، في حين أن في العادة، نفضل الشمس. وغير ذلك...

    لسوء الحظ، يداهمنا الآن وقع مسرحية، والشخصيات نفسها ستروي حكايتها. أشكركم جميعا، وأتمنى أن تكون لنا فرصة هذا المساء، للتعمق أكثر في هذه الفلسفة الصوفية، لأن نصر الدين أحد المتصوفة الذين نسميمهم الملامتية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-        عاش الشيخ نصر الدين خوجة بتركيا، خلال القرن 13 الميلادي، ولد بمدينة سيواري حصار ، وتلقى علومه بمدينة آق شهر، وبها توفي، وتنقل في قونية وبورصة وأنقرة، ومدن أخرى. ولي القضاء، وعين في التدريس وإماما للمسلمين، وبها جاء لقبه خوجة، وتعني المعلم. فقد عاصر بداية الحكم العثماني، ونهاية الحكم المغولي للأناضول.
    تعتبر شخصية شعبية ومشهورة جدا، في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وبعض المناطق من القارة الأوروبية، حيث يتم تداول قصصه وحكاياته، على طول منطقة جغرافية واسعة، تمتد من هنغاريا عبورا بالهند، وصولا إلى الصين، ومن جنوب سيبيريا إلى شمال أفريقيا، وخلال قرون كاملة، كبر الملايين من الأطفال، وهم يستمعون لقصص نصر الدين خوجة الأسطورية، وإلى عجائبه وحيله وحنكته.

    كل شعب وكل أمة صمّمت لها (جحا) خاصاً بها، بما يتـلاءم مع طبيعة تلك الأمة، وظروف الحياة الاجتماعية فيها. ومع أن الأسماء تختلف، وشكل الحكايات ربما يختلف أيضاً، ولكن شخصية (جحا) وحماره لم تتغيّر، وهكذا تجد شخصية نصر الدين خوجه في تركيا. ومن الشخصيات التي شابهت جحا بالشخصية إلا أنها لم تكنى به، فنذكر غابروفو بلغاريا المحبوب، وأرتين أرمينيا صاحب اللسان السليط، وآرو يوغسلافيا المغفل.

    في الأمة العربية، نجد أول ذكر لاسم جحا، يعود لدُجين بن ثابت الفزاري، الذي عاش في القرن الأول الهجري، ونسبت إليه طرائف، قال الشيرازي عنه "جُحا لقب له، وكان ظريفاً، والذي يقال فيه مكذوب عليه". وذكر ابن النديم المؤلف والأديب في كتابه "الفهرست"، الذي أحصى فيه، كل ما صدر من كتب ومقالات في زمانه، الذي فاق عددها ثمانية آلاف كتاب، وأكثر من ألفي مؤلِف، عنوان كتاب "نوادر جحا". عاش المؤلف في القرن الرابع الهجري. وحتى الأمة الفارسية، امتازت بنكت جحا، ونجد أثارا له في الشعر الفارسي الغابر.

    تبقى شخصية الشيخ  نصر الدين خوجة التركية، أكثر تأثيرا وواقعية، وتم تصويره على أنه شخص حكيم ومغفل في آن واحد، ففي كل حكاياته ومغامراته، دائما ما يعثر جحا على وسيلة ذكية يخرج بها من الأوضاع الصعبة والحرجة التي يجد نفسه فيها، من خلال حنكته وحكمته وخفة دمه، كما أنه دائما ما يربك محدثيه بخطاباته التي تبدو غبية، إلا أنها في غاية الحكمة.

-        الملامتية، أو الملامتية، أو الملامية، اسم اشتُهر على طائفة من الصوفية. الملامتية، النسبة فيه على غير قياس إلى "الملامة"، أي العَذْل، وكذا اللَّومُ واللّوْماءُ واللَّوْمَى واللائمة، ويقال: لامَه على كذا يَلومُه لَوْمًا ومَلامًا وملامةً ولوْمةً؛ فهو مَلُومٌ ومَلِيمٌ. ولقد كان الشيخ ابن العربي الحاتمي يعترض على اسم "الملامتية"، ويرى أن هذه النسبة لغة ضعيفة، ويسميهم "الملامية".
    أما عن وصفهم، فيقول يقول الشيخ أبو حفص النيسابوري "الملامتية: هم قوم قاموا مع الله تعالى على حفظ أوقاتهم ومراعاة أسرارهم، فلاموا أنفسهم على جميع ما أظهروا من أنواع القرب والعبادات، وأظهروا للخلق قبائح ما هم فيه، وكتموا عنهم محاسنهم، فلامهم الخلق على ظواهرهم، ولاموا أنفسهم على ما يعرفونه من بواطنهم، فأكرمهم الله بكشف الأسرار، والاطلاع على أنواع الغيوب، وتصحيح الفراسة في الخلق، وإظهار الكرامات عليهم، فأخفوا ما كان من الله تعالى إليهم، بإظهار ما كان منهم في بدء الأمر، من ملامة النفس ومخالفتها، والإظهار للخلق ما يوحشهم، ليتنافى الخلق عنهم، ويسلم لهم حالهم مع الله. وهذا طريق أهل الملامة".

    ويقول أبو عبد الرحمن السلمي "طريق الملامة: هو ترك الشهوة فيما يقع فيه التمييز من الخلق في اللباس والمشي والجلوس والسكون معهم على ظاهر الأحكام، والتفرد عنهم بحسن المراقبة، ولا يخالف ظاهره ظاهرهم بحيث يتميز منهم، ولا يوافق باطنه باطنهم، فيساعدهم على ما هم عليه من العادات والطبائع، ولا يخالف ظاهرهم بحيث يتميز".

    وقال عنهم أبو حفص السهروردي في كتابه "عوارف المعارف"؛ حيث قال "الملامتية لهم مزيد اختصاص بالإخلاص، يرون كتم الأحوال والأعمال ويتلذذون بكتمها؛ حتى لو ظهرت أعمالهم وأحوالهم لأحد، استوحشوا من ذلك كما يستوحش العاصي من ظهور معصيته. فالملامتي عظم وقع الإخلاص وموضعه وتمسك به معتدا به، والصوفي غاب في إخلاصه عن إخلاصه".


ملتقى فالينسيا، طريق الحرير

ملتقى فالينسيا، طريق الحرير

    شارك الشيخ خالد بن تونس، الرئيس الشرفي لجمعية عيسى، المنظمة الدولية، غير الحكومية، في النسخة 15 للملتقى الدولي المتوسطي، ملتقى الثقافات الثلاث، الذي عقد بمدينة فالينسيا (إسبانيا) أيام 22 و 23 و 24 مارس 2019، والذي اختير شعارا له هذه السنة "طريق الحرير: طريق المعرفة والتجارة والسياحة والتعاون"(1). نظمته منظمة اليونيسكو، بالتعاون مع عدة منظمات دولية، بما فيها منظمة عيسى .
                              الشيخ خالد بن تونس في الملتقى.
    جاء في نشرية تقديم الملتقى "ستجمع هذه الطبعة الجديدة من المؤتمر الدولي حول البحر المتوسط في مدينة فالينسيا، لمدة ثلاثة أيام، شخصيات دولية وخبراء، وكذلك الزعماء الدينيين، من خمس مجتمعات، للمناقشة والتفكير في أركان ثقافة السلام: الحضارة والأنسية والأخلاق، قبل الإنزلاق والأزمة، الذين طالا قيم مجتمعنا، في عصر العولمة والثورة الرقمية، التي بدأت الآن، وجعلت منا مواطنين، لأول حضارة كوكبية في تاريخ البشرية"(2).

    "طورت هذه المبادرة من طريق الحرير الجديد، الناتجة عن برنامج طرق الحوار، الذي وضعته اليونسكو في عام 1988، من أجل حوض البحرالمتوسط؛ من أجل تعزيز التنوع والتنمية المستدامة، التي جلبت زخما جديدا لاجتماعنا الودي لـ"ملتقى" الثقافات الثلاث، الذي يهدف إلى تعزيز الصداقة والتعاون ورفع التحدي، أن هذا البحر، الذي يقوم بتوحيدنا على ضفة واحدة، يمكن أن يُسمِع صوته في العالم، ويواجه تحديات السلام والتنمية في مجتمعنا المعولم"(2).

    وتضيف المقدمة، بعدما مجريات الأحداث، إذ تم في المقام الأول، افتتاح مركز الثقافة والأعمال الخيرية، "في المقام الثاني، سيتم تقديم العناصر الفاعلة إلى الشباب، في الأول من خلال ندوة الحرير، الشباب والمستقبل، بمشاركة ممثلين مختلفين من الأوساط الأكاديمية، ثم من خلال توزيع كتاب قصصي للشباب، وتمثيله، وهو "المولى نصر الدين: شخصية صوفية عالمية"، متوفر بلغات عديدة، مصمم لتقريب شباب بلدان البحر الأبيض المتوسط ​​وطريق الحرير. سيقدم لهذا المنشور الشيخ خالد بن تونس، القائد الديني المسلم، (الذي تعتبر منظمته) عضو المجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدة، حيث رعى اليوم الدولي للعيش معا في سلام، والذي سيتم الاحتفال به كل16 مايو، وأيضا أسس في الجزائر، جائزة الأمير عبد القادر للتنمية والتعايش السلمي في البحر الأبيض المتوسط وفي العالم.

    وسيكون لدينا أيضًا عروض تقديمية متنوعة، مثل العروض المقدمة من  طرف فيسنتي غراسيا، صاحب جائزة الحرف الوطنية، وأبراهام حاييم، رئيس جماعة السفارديم للشرق والقدس، وسهى عبود حجار، أستاذة الدراسات العربية والإسلامية، في جامعة كومبلوتنسي بمدريد.

     سينتهي اليوم الأول بقصة شعرية: الشعر العربي الأندلسي، للشاعر إيلينا إسكريبانو، وحفل موسيقي برفقة سوبرانو من جوقة الوئام البولفونية"(2). وتبرز هذه الشخصيات ونوعية المداخلات، بعض الجوانب ممن يخوض معهم الشيخ خالد بن تونس حواراته وتبادلاته.



     بالفعل قدم الشيخ خالد بن تونس، موضوعه الأول "المولى نصر الدين: شخصية صوفية عالمية"(3)، في صبيحة اليوم الأول من الملتقى، فسر فيه مجموعة من الحكم، تم استخلاصها من قصص الشيخ نصر الدين، المشهور عند الأمة العربية، باسم جحا، الذي يعتمد في تعاليمه، على أسلوب يناقض العقل والتقاليد، ليوقظ فينا المبادئ والأخلاق الإنسانية. كما قام الشيخ خالد بن تونس بتقديم كتاب حول نكت هذه الشخصية، والذي نشرته منظمة اليونيسكو، منسوخ بعدة لغات، ووزع على الحاضرين. وفي حصة المساء من نفس اليوم، ندوة الحرير، الحكمة والوئام، ألقى محاضرة بعنوان "اليوم الدولي للعيش معا في سلام"، حيث دعا للاحتفال به كل 16 ماي، عبر عقد لقاءات تغذي التعايش، وتهدف لمد جسر التواصل مع الآخر، من أجل السلام.

    من جهة أخرى، حضر الشيخ بن تونس، صلاة جماعية للديانات بكاتدرائية فالينسيا، يوم 24 مارس، عرفت باسم حفل الثقافات للسلام والوئام. أعطيت له الكلمة، فنهض وقال:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    سيداتي سادتي. في هذا المكان المقدس، مكان للصلاة، مكان تاريخي، الذي صلى فيه الكثير من الرجال والنساء، أتمنى شكر من رحبوا بنا اليوم، منظمي الملتقى، الذي سمح لنا بالإلتقاء والبناء معا، طريق السلام. فضلتٌ التقاسم معكم شعر حول السلام، ترجم إلى الإسبانية، من طرف صديقي سعيد. إنه الصلاة العميقة بالنسبة لي، التي تناسب هذا اللقاء. شكرا جزيلا.
    وتمت قراءة الأبيات الشعرية لقصيدة الشيخ "السلام"، من طرف السيد سعيد بن سلام.
                                 خارج كاتدرائية فالينسيا.

    وتعرض المؤتمر لمجموعة مواضيع تم طرحها، مثل أهمية مدينة فالينسا كميراث غير مادي للإنسانية، وذلك عبر لعبها دورا هاما في طريق الحرير. من جهة أخرى تطرق الملتقى للعلاقة بين الأجيال، عبر التربية والتعليم ومد جسر التواصل بينها. كما تم الحديث عن الدور الذي لعبه العلماء المسلمون واليهود، في الإرث الحضاري للأندلس.

    وقد حظي البحر الأبيض المتوسط باهتمام واسع عند مجموعة من المحاضرين، الذين أبدوا قلقهم حول تأزم هذه المنطقة، عبر تفاقم ظاهرة الهجرة، بفعل الحروب، والدور الذي يمكن أن تلعبه إسبانيا وأوروبا في مواجهة ذلك. وتطرق الملتقى أيضا، لظاهرة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا الحديثة والعالم الافتراضي والذكاء الاصطناعي.
    على هامش المحاورات، كان للشيخ خالد بن تونس لقاء صحفي قصير، مع قناة آبونت الإسبانية، فأجاب على سؤال الصحفية، ماذا يعني لك هذا اللقاء؟ قائلا: إنه التأكيد، أننا خرجنا من وضع، كانت فيه الإنسانية منقسمة بين ديانات وحضارات، إلى حضارة شاملة دولية عالمية. ينبغي علينا اليوم، تبني نظرتنا حول هذه الحضارة الجديدة، التي هي بصدد الظهور، وإعطاء فرص أكبر لأبنائنا، لكي يعيشوا معا في سلام، الواحد مع الآخر، وليس الواحد ضد الآخر.
          الشيخ خالد بن تونس في حوار مع مع قناة آبونت الإسبانية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). يقصد بـ"طريق الحرير"، خط المواصلات البرية القديمة، الممتد من الصين وعبر مناطق غرب وشمال الصين وآسيا كلها، إلى المناطق القريبة من أفريقيا وأوروبا. وبواسطة هذا الطريق كانت تجري التبادلات الواسعة النطاق، من حيث السياسة والاقتصاد والثقافة، بين مختلف المناطق والقوميات. امتاز الصينيون في القديم بالانفراد بمعرفة سر صناعة الحرير، فكانت تجلب من هناك، والحرير مصدر أبهة وافتخار لمالكه واعتزاز، فكانت تشق الطرق لجلبه وبيعه. اعتبرت هذه المجموعة من المسالك في التجارة، أساس  التطور، حتى أنها أرست القواعد للعصر الحديث. أطلق عليها اسم "طريق الحرير"، الجغرافي الألماني "فرديناند فون ريتشهوفن". كان المسلك مصدر لقاء وتعارف ووسيلة ممتازة للتآخي، ويعتبر اليوم من أهم منافذ الحوار في العالم.  


(2). مقدمة النسخة 15 للملتقى الدولي المتوسطي. توقيع السيد "رفائيل موزو غيمينز"، رئيس مركز اليونسكو فالينسيا- المتوسط.

(3). عاش الشيخ نصر الدين خوجة بتركيا، خلال القرن 13 الميلادي، ولد بمدينة سيواري حصار، وتلقى علومه بمدينة  آق شهر، وبها توفي، وتنقل في قونية وبورصة وأنقرة، ومدن أخرى. ولي القضاء، وعين في التدريس وإماما للمسلمين، وبها جاء لقبه خوجة، وتعني المعلم. فقد عاصر بداية الحكم العثماني، ونهاية الحكم المغولي للأناضول.
    تعتبر شخصية شعبية ومشهورة جدا، في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وبعض المناطق من القارة الأوروبية، حيث يتم تداول قصصه وحكاياته، على طول منطقة جغرافية واسعة، تمتد من هنغاريا عبورا بالهند، وصولا إلى الصين، ومن جنوب سيبيريا إلى شمال أفريقيا، وخلال قرون كاملة، كبر الملايين من الأطفال، وهم يستمعون لقصص نصر الدين خوجة الأسطورية، وإلى عجائبه وحيله وحنكته.

    كل شعب وكل أمة صمّمت لها (جحا) خاصاً بها، بما يتـلاءم مع طبيعة تلك الأمة، وظروف الحياة الاجتماعية فيها. ومع أن الأسماء تختلف، وشكل الحكايات ربما يختلف أيضاً، ولكن شخصية (جحا) وحماره لم تتغيّر، وهكذا تجد شخصية نصر الدين خوجه في تركيا. ومن الشخصيات التي شابهت جحا بالشخصية إلا أنها لم تكنى به، فنذكر غابروفو بلغاريا المحبوب، وأرتين أرمينيا صاحب اللسان السليط، وآرو يوغسلافيا المغفل.

    في الأمة العربية، نجد أول ذكر لاسم جحا، يعود لدُجين بن ثابت الفزاري، الذي عاش في القرن الأول الهجري، ونسبت إليه طرائف، قال الشيرازي عنه "جُحا لقب له، وكان ظريفاً، والذي يقال فيه مكذوب عليه". وذكر ابن النديم المؤلف والأديب في كتابه "الفهرست"، الذي أحصى فيه، كل ما صدر من كتب ومقالات في زمانه، الذي فاق عددها ثمانية آلاف كتاب، وأكثر من ألفي مؤلِف، عنوان كتاب "نوادر جحا". عاش المؤلف في القرن الرابع الهجري. وحتى الأمة الفارسية، امتازت بنكت جحا، ونجد أثارا له في الشعر الفارسي الغابر.

    تبقى شخصية الشيخ  نصر الدين خوجة التركية، أكثر تأثيرا وواقعية، وتم تصويره على أنه شخص حكيم ومغفل في آن واحد، ففي كل حكاياته ومغامراته، دائما ما يعثر جحا على وسيلة ذكية يخرج بها من الأوضاع الصعبة والحرجة التي يجد نفسه فيها، من خلال حنكته وحكمته وخفة دمه، كما أنه دائما ما يربك محدثيه بخطاباته التي تبدو غبية، إلا أنها في غاية الحكمة.


الاثنين، 28 يناير 2019

مقام الوِلاية

مقام الوِلاية

    مذاكرة الشيخ خالد بن تونس بمناسبة أربعينية السيد مصطفى بوجميل رحمه الله.

    في سهرة يوم 26 01 2019 ببروكسل، أقيمت أربعينية وفاة السيد مصطفى بوجميل، أحد أتباع الطريقة العلاوية، حضرها جم غفير من مريدي الطريقة العلاوية، من أوروبا، وقد كان الشيخ خالد بن تونس حاضرا، رغم انشغلاته الكثيرة وارتباطاته المتعددة، فما كان منه، إلا أن شارك مريديه وأحبابه، السهرة الروحية، وقدم خلالها مذاكرة تأخذ بالقلوب والألباب، ذكر في مقدمتها مناقب الفقيد وحسناته، ثم قال:

   .... نتمنى من أبنائه وعائلته أن يستديموا وأن يحرسوا ويحافظوا ويُبلغوا ما تركه، تلك الخُلّة التي كان يتحلى بها، وهي الولاية. في هذا الطريق، طريق التصوف، غالبا ما تترجم الولاية، لسوء الحظ، بالقداسة (La sainteté)، فهي ليست الترجمة الصحيحة، الولاية هي (L’amitié)، أي "الخُلَّة"، والولي هو "الصديق الحميم" أو "الخليل"(1)، نترجمها بالقديس، فهم ليسوا رجالا أعلى من البقية، هم رجال أكثر قرب من الحق، أكثر قرب من الله عز وجل، وبهذا ظهر أهل الخصوصية. وهذه الوِلاية (بكسر الواو) تصبح وَلاية (بفتح الواو). حيث نحاول جميعا في هذه الطريق، كلٌ بطريقته، التقرب من هذا الحال، لنيل الرحمة والبركة بالله، ونكون من أهل الخصوصية، وهو ما أتمناه للجميع. تمتاز هذه الطريق بالحميمية والخُلة والمرافقة، وبتلك الأخوة. تؤدي بنا هذه الطريق إلى تقبل أنفسنا، وكذا قبول الآخرين. تعلمنا هذه الطريق أن قبل توجيه اللوم للآخرين، نقوم بلَوْمِ أنفسنا، وقبل تتبع أخطاء الآخرين، قم أنت بتصحيح أخطائك. إنها طريق الإعتدال، وتقودنا إلى عدم إلقاء أحكام، ولكن إلى التفهم. هذه الطريق تؤدي بنا إلى التفكير والعمل، من أجل الصالح الخاص والصالح العام. ومن ثم فإن للخلة والصداقة لله ثمن. ثمن الخدمة بهَون، دون ادعاء، ودونما افتخار، والإعطاء من غير انتظار مقابل. هذه هي الطريق التي تركها لنا أسلافنا ومشائخنا، والقليل من الناس يفهم لماذا بعد قرون وقرون، يبقى هؤلاء مبجلين وأيضا محبوبين وكذا محترمين. فلأنه شذى. فإن ذاكرتهم على أية حال، شذى يشمه محب هذه الخُلة، الساعي الحقيقي لمقام الولاية، هذه الخلة الربانية. فهذا يشم هذا الشذى. في عالمنا اليوم، حيث انعكست القيم، وفيه كل ما ليس له ثمن لا يأتي بربح، يعتبر (ما نحن بصدده) أمرا ثانويا. فنحن نقوم بمواصلة التفكير والبحث والتعلم، بعيدا عن المكتسبات، وبعيدا عن الأشياء المادية والأشياء النفيسة، التي تصنع قيمة الإنسان، وتصيغ عبقريته، ولكن في المنافع اللامادية ذات القيمة السيادية إلى حد الكفاية، وفي الإعتدال والأخوة والمصالحة والوساطة، وفي العمل، (نشحذ همتنا). تسمح لنا هذه القيم بالخروج من ضيق النفس والإنتماءات القبلية والدينية والتكيفات وكل ما يحبسنا. إن هذه القيم تحررنا وتدعونا إلى الإستقامة، وتفيدنا معنى الإستقامة، في حين أن عالم الأشياء المادية هو عالم الأفقية، والذي نربحه اليوم نخسره غدا، وما يبكينا اليوم يضحكنا غدا، وهو معنى الأفقية، فهي غير متناهية، والتجارب تتكرر حتى النهاية، حتى الموت. إن العمودية تدعونا إلى القيام بتلك الوثبة، ذلك الإدراك. (وعندها) تعاش العقبات بطريقة مغايرة، وينظر إلى النزاعات التي تواجهنا، إلى أنها أمورا إيجابية. من النزاع ينشأ الشيئ الحسن وليس الأسوأ. إذا عرفنا كيف نعمل حول هذه القيم، وما حوته من طيبة وكرم واعتدال، فإننا سنستفيد كثيرا من أنفسنا، ونقوم بمساعدة الآخرين، حتى يعيشوا معنا بشكل أفضل.

    أتمنى لنا جميعا وللآخرين، أن تتواصل هذه الثقافة وهذه تربية السلام للسلام إلى الأبد، وتنتقل من جيل إلى جيل، وتساعد أهل زماننا والأزمنة اللاحقة على البحث عن الولاية، والبحث عن هذه الخُلة الربانية لنا جميعا، وإذا كنا نحن بدورنا لم نصل بعد إلى مقام الولاية، بالتأكيد إلتقينا في حياتنا بمن بلغوه. إن أصدقاء الأصدقاء، لا يمكن أن يكونوا إلا أصدقائي. كان سي مصطفى بالتأكيد (واحد منهم)، وهو أيضا نال حظه من الولاية. إلتقى هو أيضا بالذين كانوا بدون شك، أخلاء الله.

    شكرا لكم جميعا لمجيئكم بكثرة، وشكرا لهؤلاء الأطفال، وأهاليهم، لتشريفنا، وتمكيننا من إرساء هذه الخلة، نحن جميعنا، في هذه الدنيا والآخرة. ليحفظكم الله ويحميكم. وبلغوا تحياتي لكل عائلاتكم، وإلى اللقاء قريبا، إن شاء الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (1). يستعمل الشيخ خالد بن تونس كلمة "L’ami de dieu " لترجمة "خليل الرحمن"، وهو الوصف الذي كان يمتاز به نبي الله، سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

الخُلَّة وهي الصداقة والمحبة التي تخللت القلب، فصارت خلاله، أي في باطنه. وخليل تعني الصديق الحميم، وهي أعلى درجات الصداقة.

الجمعة، 18 يناير 2019

مذاكرة الشيخ خالد بن تونس لنهاية العام 2018

مذاكرة الشيخ خالد بن تونس
 لنهاية العام 2018 

    بعد بسم الله الرحمن الرحيم.  
 

    أستسمح ضيوفنا بأن أبدأ باللغة العربية في هذه الحصة، حصة الذكر، وندعوا لكل الذين واللواتي  غادرونا في هذا الشهر، شهر ديسمبر.

    إخواننا في الله، قبل كل شيئ، أدعوا الله سبحانه وتعالى، على نعمته علينا، حيث جمعنا وساعدنا، ووهبنا هذه الأيام المباركة، في هذه الأرض المباركة. كلنا يعرف تاريخ الأندلس، منذ سن الصغر. كان يعيش الإسلام في هذه الأرض. ومن هذه الأرض المباركة، وهذا البلد المبارك، نشأ رجال ذاكرين وذاكرات، لا زال يشهد لهم التاريخ إلى يومنا هذا، بما وصلوا إليه، من محبة وعلوم، وتغلغل في الحضرة الإلهية. ونحن الآن، بعد قرون من الزمن، نذكر الله ونحتفل. هذه نعمة من نِعم الله، على من يحبه ويرضاه، ولكن هل نحن حقيقة، على قدم من سبقونا في هذا الطريق المبارك، أو نحن مقلدين فقط؟

    إن الطريق مبنية على ثلاث، العلم والعمل، والبقية وهبة من الله. ما هو عملنا؟ إن ما يوهب بيد الله. ترك لنا السادات في هذه الأرض، خير كثير، وتبقى منه إلى يومنا هذا، رائحته الطيبة. فهل نحن قادرين على أن نتحسسها ونشمها، ونعمل بما فيها، بما حوته من حكمة وموعظة ومحبة وعبودية وخدمة الحضرة المحمدية. بعدما كان التوفيق من الله، والأمر يرجع كله إليه، في أن يهدينا ويرشدنا إلى ما فيه الخير، وأن يجمع قلوبنا على محبته، وعلى أنسه، بحقه ورعايته ولطفه، و(ندعوا) بأن يجعل في شبابنا ذكورة وأنوثة خير، موصول من جيل إلى جيل، حتى تبقى لا إله إلا الله حية، بعلمها وعملها وسرها ونورها وكل ما فيها.

    الآن نتوجه إلى ضيوفنا. (وتحدث باللغة الفرنسية).

    أصدقائي الأعزاء، نحن في نهاية ليلة نهاية العام. وهي هدية كبرى بأن نحتفل، كَوني معكم، هذا المساء. أقولها من صميم فؤادي، وربما أكثر شيئا ما، فمن الناذر في أيامنا، التمكن من الإجتماع، في سلام وصداقة، وعلى الخصوص، إذا كان لم يمضي على تعارفنا إلا زمن قصير. وعلى ما أعتقد، ربما يعود هذا الفضل، إلى أناس مضوا، عمّروا هذه القارة، منهم آل مرسي، وابن العربي، وآل القرطبي... هم هنا، ويعدون بالآلاف. حملت هذه الأرض أناس متميزين، ذوي مستويات راقية ومحبة كبيرة، يبالغون في تلبية متطلبات خدمة الإنسان. تركوا لنا شهاداتهم وشعرهم، الذي نلقيه حتى اليوم، وتركوا موسيقاهم. وهل نفهم حقا ما قالوه لنا؟

    (نعم) مثل فوح شذى فقط، وهل نعرف حقا، الكنز الذي تركوه لنا؟ كنز لإنسانية سعيدة، (تعيش) في سلام مع نفسها، وتناغمٍ مع بعضها البعض. لا نطلب من الناس جوازات سفرهم، لنعلم من أي بلد همُ، ولا إلى أي جنسية ينتمون، وأي دين يعتنقون، وأي لغة يتكلمون، ولا من أي قارة همُ. من عالم تقوم فيه الأخوة بتقريب الناس. بالطبع هو حلم وطوباوية، هذا أمر أكيد، وربما لم يتواجد هذا العالم أبدا. على كل حال، عندما نقرأ ما تركوه لنا، نجد شذى خفيف، مما يجعلنا نعتقد، أن الحلم يمكن تحقيقه، وأن ذلك العالم ممكنا، حتى ولو يكن لصالحنا، وغدا ربما سيكون لصالح آخرين. ينبغي أن نعتقد فيه، وأن نأمله، والعمل له. عند الروحانيين تبقى الحقيقة فوق كل شيئ. فوق الجنس، وفوق الدين والعقيدة والسلطة والثروة والتشريفات، كانت هذه الروحانية فوق كل شيئ، ما دامت في نظرهم، هي الصلة الأساسية لذلك التوحيد السماوي، الذي يربط كل شيئ، يربط الخير والشر، وقد تعدوا حاجز الإزدواجية، حاجز التفرقة، وقسرا منحوا أكثر المزايا للروح، على حساب النفس الأمارة والنرجسية، انجذبوا وسمَوا، بالقيم لتي تجسدها الروح، عندما يرقون بنا نحو قمم تسمح برؤية أبعد. ومن يرى أبعد يدرك أن الشمس لا تغرب أبدا. والحققة هي أن هذه الشمس لا تغرب أبدا. اطلبوا ذلك من الفلكيين، الذين ارتفعوا قليلا عن سطح الأرض، فبالنسبة لهم، لا تغرب الشمس أبدا. هاهما حقيقتان متناقضتان، حقيقة أرضية نراها رأي العين، في النهار والليل، وحقيقة لا أقول عنها سماوية، بل هي من الأرض، فهم ارتفعوا واستنتجوا أن الشمس لا تغرب. في هذا التناقض الذي خُلقنا فيه، بين النهار والليل، وبين الشك من جهة، والثقة من الجهة الأخرى، والشجاعة من جهة، والخوف من الجهة الأخرى، يُرى فيه ازدواجية، تضفى في التحدي، وهي معركة دائمة، تعلو فوق الجميع. ربما لا يمكننا أن نكون مثلهم، ولكن يمكننا التقدم أكثر، وعلى كل حال، يطرأ علينا تحسن، ونستطيع أن نتبادل بتضامن وثقة وعدالة وأخوة، وهي مصطلحات في متناول كل إنسان، بشرط أن يكتسبها في تربيته، وبشرط أن يعمل بها، ويعي القيمة المضافة، ما نسميها القيمة المضافة(1). أنتم تعلمون أن كل التجار يعرفون معنى القيمة المضافة، وهي عندما يكون لكم منتوج، وبعتموه خاما أو استخدمتموه، يجلب لكم أكثر، هذه هي القيمة المضافة.

     ماهي القيمة المضافة للمنتوج؟ نحن نعرف كيف نقوم به مع البطاطا، ونستطيع العمل بها في صناعة الصلب، ونستطيع العمل بها مع العديد من الأشياء، وكيف أن مع القيمة المضافة، نستخلص في كل مرة، منتوجات عالية. أما بالنسبة للإنسان، فماهي القيمة المضافة الخاصة به؟ إذا لم تكن هي القيم التي يحملها، والقيم التي يمثلها، وهي القيم التي تصيغ كلامه وأفعاله وفكره. هذه هي القيمة المضافة، لكل واحد منا. إن فقدناها، نصبح منتوجا خاما، ويوما ما، يكون مصيرنا إلى المقبرة.

     انظروا إلى هؤلاء الناس، فنحن نحيي الذكرى ال800 لواحد منهم، حيث لا تزال الذاكرة حاضرة، وتجمع لحد اليوم، رجالا ونساءا، من عدة أقطار وبلدان. هذه هي القيمة المضافة لشخص ما. ترك أثرا في التاريخ، وظرفا من التاريخ الذي عاشه. إن ما نتمناه، هو أن يكون هذا اللقاء، جزءا من التاريخ، ويوما ما سيتذكر آخرون هذا اللقاء، وآخرون يأتون إلى هذا المكان، في هذا البلد، ويجتمعون بكل أخوة، وكل سلام، بلا تخوف من بعضهم البعض، وبدون إستعلاء وأنانية. فقط، بكل أخوة يتم إجتماعهم، ويتبادلون ويتقاسمون وينسجمون "للحظة". أتمنى أن يكون هذا ممكنا، وعلى الخصوص بالنسبة لشبابنا، الذين سافروا وأقاموا هذا الملتقى، وأن يبقى بكل عمق، مرسخا في ذاكرتهم ويتذكرون. وربما غدا، مع شباب آخرين، من هنا وهناك، يكونون قادرين على العمل أفضل مما عملنا، فالناس يجتمعون بشكل أفضل، لأمور أقل شأنا، فكرة القدم تجمع اليوم أكبر قدر من الناس، مما قد يجمعه أفضل الأفاضل، سواءا كان بابا أو شيخا. كرة بسيطة تجمع ملايين الناس. ربما سيأتي يوم، وتجتمع حول هذه القيم، ملايين الناس، شاعرين في تلك الأوقات، ومجموعين في الوحدة بالسلام.

     هكذا لإنهاء هذه السنة. شكرا لكم جميعا، نساءا ورجالا، كبارا وصغارا، شبابا وأحداثا، لاستجابتكم لهذا النداء، ومقاسمة هذا الوقت معنا، وللمؤمنين آملين أن يجازيهم الله برحمته وبركته. أما بالنسبة للبقية، الذين لم يبلغوا بعد هذا المستوى، الذين لم ينضج مسعاهم بعد، نتمنى لهم، إن شاء الله، أن تكون هذه السنة الآتية لنا جميعا، سنة السلام، سنة المصالحة بين العائلة البشرية، سنة الأمل والتوقعات، بالنسبة لكل أولئك الذين يعانون اليوم على وجه الأرض، وفقدَ عائلته وبيته وبلده وعمله، وكل أولئك الذين يبكون اليوم موتاهم وحرمانهم، أن تُمد لهم يد العون، وتتنزل عليهم الرحمة الإلهية، وتبدد مخاوفهم، ويتمكنون من إيجاد مخرجا، في هذه السنة الجديدة، ووسيلة للعيش في كرامة على هذه الأرض. وبلّغوا تحياتنا وتمنياتنا، لكل عائلاتكم وأقاربكم، وماذا أتمنى لكم أيضا؟ إلا السعادة والإزدهار لكم جميعا، ولعائلاتكم إن شاء الله. شكرا لكم.

    فقط، سننهي هذا الجمع الروحي، وتوجد مفاجأة صغيرة.. ليست جوائز، وليس الأب نوال من مرّ، ومع ذلك هي مفاجأة جميلة، أريد تقاسمها معكم جميعا. لا يوجد مفهوم البقايا المقدسة في الإسلام. رغم ذلك هي رموز قوية جدا، لا أستطيع تسميتها، هي أردية ضريح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورداء الكعبة التي يطوف حولها الحجاج والمعتمرين. لسوء الحظ، لم نجلب كل شيئ، جلبنا البعض منها، حتى تتمكنون من مشاهدتها، وتفهمون أن هذا الدين، دين سلام وجمال. إذا كان اليوم، يدّعي البعض أنهم أبطال الإسلام، بقطع رؤوس إخوانهم، ورؤوس آخرين بدون تمييز، باسم هذا الإسلام. واعلموا أن كسوة الكعبة، وستارة ضريح النبي صلى الله عليه وسلم، وما سترونه كان موجود قبل أن تسقط مكة في يد الوهابية. أثر تاريخي لماض وذاكرة، تكافح من أجل البقاء، وهي من ذاكرة الإنسانية. إذا خسرنا هذا، فكل الإنسانية ستخسر، وإذا نسيت هذه الذاكرة وضيعت وقضي عليها، وإن الذي يحدث الآن هو تخريب، وصل إلى مستوى غير متوقع، ونقوم بمحاولة إنقاذ هذا التراث، لتركه للذين يأتون من بعدنا، كشهادة لهذا إسلام السلام. هذه المفاجأة التي أردت أن أشارككم فيها. شكرا جزيلا.  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*). في ختام الـملتقى والمؤتمر الدولي الذي جرى بمرسية بإسبانيا، االمعنون بـ "الأندلس أرض العيش معا، بين الخيال والحقيقة"، في الفترة الممتدة من 26 إلى 31 ديسمبر2018، ألقى الشيخ خالد بن تونس المذاكرة المنتظرة، وهي كلمات روحية، من عادتها تكون عميقة ومركزة، تبدو للظاهر غير المتمرس في علاقة الشيخ بمريده، أنها في الكثير من مناحيها غير موجهة، وفي الحقيقة، هي رسائل و إجابات و إرشادات صائبة تعني من يحتاج إليها.

(1). في مجال الأعمال التجارية، يكون الفرق بين سعر البيع، وتكلفة إنتاج المنتج، هو وحدة الربح. وفي علم الاقتصاد، يكون مجموع ربح الوحدة، وتكلفة استهلاك الوحدة، وتكلفة وحدة العمل، هي القيمة المضافة للوحدة.
     وفي ما يعرف بالإقتصاد الكلي، يعود معنى القيمة المضافة، على مساهمة عناصر الإنتاج (العمالة والأرض ورأس المال) لزيادة قيمة منتج معين. ولإنتاج سلعة ما، فإن عناصر الإنتاج، تقوم بخدمة معينة، تقوم بزيادة سعر الوحدة، من هذه السلعة، بشكل يتناسب مع التكلفة لهذه السلعة.
    القيمة المضافة في عملية البيع هي، تقديم البائع للزبون، مجموعة من الأرباح المادية، مثل الخدمة والصيانة المجانية أو هدية تزيد من سعر المنتج الحقيقي، بشكل يسمح للبائع من رفع السعر، على أساس القيم المضافة عليها. وتتجلى عندما تقوم إحدى الشركات المرموقة، بوضع علامتها على سلعة، فتزيد قيمتها، رغم أن تكلفتها تساوي تكلفة الشركات الأخرى. وعليه جاء القانون المشهور في العالم "الرسم على القيمة المضافة". قال كارل ماكس في كتابه رأس المال، بأن التبادل التجاري لا يؤدي إلى الربح. انما يأتي الربح من قيمة تعب العامل، ويحللها ماركس تاريخيا بان المجتمع المشاعي عندما يقوم بالتبادل التجاري، فاذا قام أحد المنتجين برفع سعره، فسيقوم الكل برفع السعر، لكن يكون هناك فائض قيمة عمل، عندما يقوم أحد الأشخاص باستعباد أحد الأسرى، فيحصل على فائض إنتاج ناتج عن قيمة عمل العبد، وسمى ماركس هذه القيمة بالقيمة المضافة أو اصطلاحا فائض قيمة العمل، فيعتبر ماركس أن العملة هي سلعة، وكذلك عمل العامل سلعة، والربح دائما يأتي من سلعة عمل العامل، أي من فائض قيمة العمل، التي كلما تطور العلم والتكنولوجيا، ازداد العرض عليها وقل الطلب، وبالتالي أصبحت السلعة الأكثر ربحا، فهي تنتج منتوجات عليها الطلب، وأرباحها هائلة وهذه الأرباح الهائلة نتيجة الربح من القيمة المضافة، حيث أنك تشتري سلعة زهيدة وتبيعها بسعر مرتفع، وتعتبر القيمة المضافة أحد أعمدة الاقتصاد السياسي الماركسي". المصدر ويكيبيديا.


الاثنين، 7 يناير 2019

تربية السلام للسلام من أجل السلام

تربية السلام للسلام من أجل السلام




   تواصل ليومين، المؤتمر الدولي "الأندلس، أرض العيش معا في سلام، بين الخيال والحقيقة"، في فندق لاس قافيوتاس في مدينة مرسية، الواقعة في الجنوب الإسباني. وبمناسبة الذكرى 800 لميلاد سيدي أبو العباس المرسي (12191281)، من مواليد هذه المدينة، وهو أحد مشائخ الطريقة الشاذلية، ويعتبر شيخها الثاني، بعد مؤسسها، أبو الحسن الشاذلي (11961258)، انعقد المؤتمر مع نهاية العام، وصادف يومي 30 و 31 ديسمبر 2018، ونشطه أساتذة، وتمحورت مشاركات الفاعلين حول أساسيات العيش معا، وسلطت إحدى المحاضرات، الضوء على الشيخ أبي العباس المرسي.

    ألقى الشيخ خالد بن تونس محاضرة في الصدد، وركز على "العيش معا، من الحدث إلى الإنطلاقة"، سطر فيها رؤية، كا قال "نوعا ما سريعة، وفقط لإعطائكم فكرة عن ما يحدث حول تربية التيقظ، والإهتمام الذي توليه اليوم بعض الدول والمنظمات والجامعات". كان يدور محور تدخله، حول مقاربة تربية التيقظ، ومناحيها الفلسفية وأطُرها البيداغوجية. أشار تعليمه بالمناسبة، إلى تعلم بيدغوجية السلام بالسلام، من أجل السلام، لتحقيق السلام، في العالم و المخلوقات كافة.

    قدّم الشيخ خالد بن تونس في تدخله مقاربة لتربية اليقظة، وشرح بعض النقاط المفصلية الواجب اتباعها، لتمكينها في الفرد والمجتمع. جاء في كلمته "مادام أن الحروب تبدأ في عقول الناس، ففي عقول الناس، تنبغي أن تؤسس دفاعات السلام، وهذا يتفق مع ما قيل في الصبيحة. ما يعنيه، أنه من الواجب، العمل على مستوى الضمائر. وفي الضمائر تظهر فكرة الحرب أو السلام". وركز على الطفولة، فقال "إن الأطفال الذين يتم تلقينهم مبكرا بأدوات، كالألعاب واللُعَب، وهي كثيرة اليوم، تمتاز بمظاهر الصراع والحروب والعنف". وأشار أنه بواسطتها يمكن استخلاص سبيلين "يمكن القول أن الألعاب يمكنها بشكل ما، أن تحصنهم ضد الحروب، إذا تسلحوا ببعد النظر، ويمكن أن تحفز فيهم الرغبة في القتال، والرغبة في الفوز، وخاصة أننا في المجال التربوي، نعمل ما في وسعنا، بصفتنا أباء، كي يكون أبنائنا هم الأفاضل، وندفعهم نحو ذلك، وبالنسبة للكثير منا، هذا أمر عادي بأن يكون أبنائنا هم الأفاضل. ولكننا ندفعهم مبكرا نحو الأفضلية في الحياة العملية والإجتماعية، وليس على مستوى الأخلاق والقيم، التي تنبني بها شخصياتهم في كليتها. نقوم بالتكوين إلا الجزء المرئي والظاهر. إنه أمر في غاية البراءة، لا أدينه. تكمن المشكلة، إذا لم يتم مرافقته، ونقول لهم أن كل ما تقومون به من خير أو شر، يجب أن تربطوه بالجهة الأخرى. لماذا تكون الأول؟ ليس لتخدم نفسك، بل لتخدم. وهذا يغير كل شيئ. أو هل لتحصل على تشريفات أو يحصل على مداخيل وفيرة أو أن يكون في أعلى السلم الإجتماعي؟ أو أن يخدم بشكل أفضل، المجتمع الإنساني الذي ينتمي إليه. هنا يكمن الفرق. إذن علينا مراجعة تصرفاتنا في هذا المستوى".

    واصل الشيخ خالد بن تونس في درسه، في إعطاء تحليلات توضيحية، فأفاد "يوجد في تربية السلام، عدة طرق لرؤية هذه التربية. كيف ندرّس للسلام؟ وهذا ما نحن بصدد القيام به".

    أضاف "في المستوى الأول للتربية للسلام، لا نتوقف عند تربية السلام، بل ينبغي أن يكون هذا السلام حيوي ونشط. فهذه التربية للسلام، ينبغي أن تقودنا آليا نحو "لماذا؟"  لأن "ربِّ" على السلام يبدو أمرا عاديا وبتلك البساطة. ليس عاديا إذا انتقلنا إلى المستوى الثاني. عندما نكون في السلام، لا نعير له قيمة. مجتمع في سلام لا يقدر السلام، إلا إذا جاء اليوم وأصبح في موضع الشك. عندها تدرك قيمة السلام". وأوضح مجالات كمون السلام، فأشار إلى "السلام الإجتماعي والسلام السياسي والسلام الإثني والسلام الديني. تكلمنا سابقا عن الطب. نعم طب السلام، وكذلك السلام الإقتصادي. يجب أن تبرز العلاقة بين التربية للسلام من أجل السلام. للرجوع إلى الفكرة الثالثة، ربّوا للسلام من أجل السلام، ولماذا؟ يجب أن تكون هذه المراحل متتابِعة". وكان الشيخ في محاضرته يسأل المستمعين، إذا كانوا يعون ما يقول، لغور المعنى.

     كانت مداخلة الشيخ تستقصي تحليلات عميقة في تربية السلام للسلام من أجل السلام، وهي مقاربة علمية، وضّح معاني النقاط الأولى منها، ومر مرور الكرام في ذكر بعض النقاط، وأشار أنها جاءت في ثلاثين نقطة أو أكثر، يمكن لدارسها تقصي معانيها، ويضعها حيز التنفيذ.

     استمر الشيخ في تبيين معاني بيداغوجية هذه التربية فقال "تقتضي تربية السلام وجود إلتزام وتحوّل للفرد. ونحن لا نقوم إلا بهذا، منذ تواجدنا في هذا المكان". وألحّ على "تغيير مواقفنا وسلوكاتنا ورؤيتنا عن أنفسنا ورؤيتنا حول الإنساني". وطرح التساؤل "ماهو الإنساني، وما هي الإنسانية؟ هل الإنسانية فكرة مجردة وفلسفية منتهية، أو على العكس، مفهوم حي وقانوني وسياسي؟ هذا مختلف تماما". وقرأ على الحاضرين فحوى إحدى النقاط المعتبرة، فقال "التربية من أجل السلام، هي عملية اكتساب القيم وتطوير المعرفة، بالمواقف والسلوكيات اللازمة للعيش في وئام، من خلال العيش معا في سلام مع الذات والآخرين، وحتى مع الوسط الطبيعي".

    وروى الشيخ للحاضرين مجريات لقاء، كان قد حضره في الآونة الأخيرة في هولندا، شهده ذوي الإختصاص وجامعيين، تدارسوا فيه كيفية تهيئة مدينة جديدة. فكروا في كل شيئ، ولكنهم لم يفكروا في العصفور والنملة. وقال "لو لاحظنا حشرة ودورها في تجانس الحي. مثلا النحلة تلقح، وبدونها لا نحصل على ثمار. فمجرد حشرة، ودورها الجبار، في نقل اللقاح من شجرة إلى أخرى، إذا لم ندخلها في تفكيرنا في مدن الغد وفي العيش معا، وإذا لم ندرج الحي معنا، وإذا تمادى الإنسان في الإستحواذ على الفضاءات إلا من أجل نفسه، فبعد كل شيئ ، سنبقى مفترسين، رغم كل الإبتكارات والتقنيات التي يمكننا إختراعها. إضافة إلى ذلك، فالنحلة تعطينا العسل، مضاد حيوي طبيعي...".

    عرج الشيخ في حديثه على حفل تطويب المسيحيين الذي جرى يوم 08 ديسمبر 2018، بمدينة وهرن، وقال عن العمل "هذا أفضل من مائة ألف خطاب. كُسّر طابو ودُفع بالأفكار إلى الأمام". ولم يفوت ذكر النكسة، التي منعت عشرات الشباب من الجزائر والمغرب، من حضور هذا اللقاء الأخوي، وأقامت جدار فصل بين ضفتي البحر الابيض المتوسط، في الحقيقة حاولت هدم بعض مباني العيش معا، والتشهير بالهوة القائمة بين الشرق والغرب. "شباب كان ينبغي أن يشاركوا في المؤتمر الدولي، حرموا من التأشيرات، في حين منحت لآبائهم"(1). وتضيف نفس النشرية "الأسوأ هو تأكيدات السفير، التي صيغت خلال تطويب الشهداء الكاثوليك في وهران في 8 ديسمبر 2018، الذي وعد بالتدخل شخصيا للحصول على هذه التأشيرات الشهيرة. لم يكن هذا هو الحال لأن خدماته القنصلية كانت شديدة للغاية. يوضح هذا الموقف للسفير بعبارات لا لبس فيها، أن إسلام السلام غير مرحب به في إسبانيا، البلد الذي كان في يوم من الأيام، أرضًا للعيش معًا"(1). المسألة أكبر من السفير، فحتى في المغرب حدث نفس الأمر، فتعرضت طريق الشيخ خالد بن تونس للكثير من العقبات، في بلده الجزائر، وفي فرنسا بعد تقريبا كل عمل ناجح، تفجع الأمة الفرنسية بفاجعة إسلاموية، مما يؤدي إلى تدارك مختلف المتطلبات، وحتى في المغرب، الأمر سيان، لا يختص بأمة دون أخرى.

    بعدما ألقى كلمته، أجاب الشيخ خالد بن تونس عن بعض الأسئلة، وشهدت الجموع بعد نهاية المؤتمر، إقامة جمع روحي، يجرى كل سنة في أوروبا، تتخلله مذاكرة الشيخ المنتظرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). نشرية Algerie 1، في 06 01 2019.