السبت، 28 نوفمبر 2015

رسالة اليوم العالمي للعيش معا


رسالة اليوم العالمي للعيش معا

    لم تكن الرغبة في السلام أبدا حتمية، لا غنى عنها، مثلما هي عليه اليوم، فكل يوم نتعرض لوابل من المعلومات و صور العنف و النزاعات و البؤس، و عواقب سلوك أحمق، جناه الإنسان. إن الصعوبات الإقتصادية و البيئية و الإجتماعية، تهدد مستقبل الإنسان، و إن عدد كبير من الناس، و على نحو متزايد، يدعون إلى تغيير صرفي للأنموذج. ينبغي أن تتفاعل إنسانيتنا و تتحرك نحو هذا البديل المتاح لها كفرصة، و هو مجتمع "العيش معا بشكل أفضل"، مع جميع القيم التي يحملها هذا المفهوم. هذه قضية يذهب نطاقها، إلى ما وراء الحدود الجغرافية و الثقافية و الإجتماعية و الدينية، و إنها تمر حتما بثقافة السلام.

    حول هذا التفكير في المستقبل، ولدت فكرة إنشاء يوم عالمي للعيش معا، و العمل على الحصول على اعتراف رسمي من طرف الأمم المتحدة. هذا اليوم هو رسالة موجهة للشباب، و إلى مواطني العالم، لبناء مجتمع يقوم على القيم الأساسية.

    أثناء مؤتمر الأنوثة، الذي أعطي له شعار "الكلمة للنساء"، و الذي نظمته، المنظمة غير الحكومية عيسى، و المنعقد في الفترة الممتدة بين 27 أكتوبر و 02 نوفمبر 2014، بالقطر الجزائري، أطلقت المنظمة، حملة تعبئة عالمية، من أجل أن تقرر الأمم المتحدة يوم عالمي للعيش معا. و في هذا السياق، سلمت للسلطات السياسية عريضة، تبين فيها الرغبة الجامحة في إحلال السلام، و أن اليوم العالمي للعيش معا، هو مشروع مستقبلي، هدفه الإجتماع من دون أن نتشابه، كما أقر بذلك الشيخ خالد بن تونس، الباعث للمشروع، بواسطة الجمعية الصوفية الدولية، المنظمة غير الحكومية، عيسى. إن الهدف الرئيسي من المشروع، هو العمل من أجل بروز مجتمع العيش معا، و يعتمد هذا المجتمع في نهجه و سلوكه على الإرث الروحي، و كذا العمل في مجال الكرامة الإنسانية، و التقارب بين الشعوب، و الأخوة العالمية.

     إن الخطوة الأولى للمشروع التي يجب القيام بها، هي تحسيس الأمم المتحدة، من أجل أن تعلن رسميا، عن اليوم العالمي للعيش معا، و سيكون هذا اليوم فرصة للتنظيم، في جميع أنحاء العالم، أحداث للإحتفال بثقافة السلام، من خلال تطوير قدراتنا، على حياة أفضل، جنبا إلى جنب. للعلم، أنه قد تم تقديم المشروع للأمم المتحدة في شهر مارس 2015، أثناء الدورة الـ 59 للمجلس الإقتصادي و الإجتماعي و الثقافي التابع للأمم المتحدة، الذي ناقش أثناءها موضوع وضعية المرأة.

    لإحداث يوم عالمي، بجب على الأقل الحصول على مليون توقيع، و قد أحدثت عريضة، يمكن أن تثير الملايين من الموقعين، ترغب في إضافة أصواتهم لخلق هذا اليوم، رمزا لمجتمع يسود فيه السلام و العيش معا بشكل أفضل. كما نؤكد أنه تم الحصول على دعم الحكومات السياسية و الدبلوماسية لبلوغ النصاب، و هو ما يشترطه القانون الأساسي لإنشاء يوم مثل هذا.
   

مَهام اليوم العالمي للعيش معا
    إن اليوم العالمي للعيش معا، هو التزام قوي داخل الأسرة البشرية، و له ارتباط بمفاهيم المواطنة و التعددية و الأنَسية و الروحانية. يقترح آلية للسلام، و يطلق رسالته لمواطني العالم، لبناء مجتمع، يقوم على احترام الذات، و احترام الغير، و جميع الأحياء. من أجل هذا الحدث، أعطت عيسى لنفسها المهام التالية:

1-    بعث حركة عالمية تتسم بإدراك، مفاده أن رابطة أخوية تستند على ثقافة السلام، هي ضرورة للإنسانية.
2-    إعطاء، من خلال المشاركة المدنية، قوة دافعة لرؤية مشتركة للعيش معا، و السماح للمدن و البلدان و المؤسسات، بالإنضمام فعليا، إلى حركة معترف بها دوليا.
3-    تصور حدث عالمي قائم على القيم العالمية، التي يطمح إليها جزء كبير من الإنسانية: التعددية و المساواة، و قدسية الحياة، و احترام البيئة و الحكمة و السلام.
4-    تقديم شرح بفحوى إجراءات اليوم العالمي للعيش معا، و قدرة كل واحد و واحدة على العمل بتآزر، من أجل انفتاح جميع الناس، على المستويات الفكرية و الإجتماعية و الروحية.
5-    منح المشاركين و المشاركات، في حياتهم اليومية، إمكانية إعادة خلق، التجربة المتقاسَمة، أثناء اليوم العالمي للعيش معا، من خلال مواقف جديدة، مستوحاة من إدارة مُسالمة، لمشاكل المجتمع و المدينة.

الإجراءات
    بإلقاء نظرة جديدة، يمكننا، و بصفة جماعية، خلق و تمرير، تحَوّر عميق، لبناء مجتمع الغد، و اقتراح أداة، تسمح بالتعبير، بصوت عال و قوي، عن هذه الرغبة في تعلم العيش معا، بشكل أفضل. تتمفصل إجراءات اليوم العالمي للعيش معا JMVE، في ثمانية محاور: 

1ـ  بالعمل المُواطني و التفكير المشترك، يريد اليوم العالمي للعيش معا JMVE، أن تتآزر الضمائر، حيث يتم تسليط الضوء على الفضائل، و صفات كل واحد و واحدة. يريد أيضا تعزيز الإنسانية بثقافة الصِلات، و بمواطنة مشبعة بالقيم الأساسية للعيش معا.

2ـ  يدعو اليوم العالمي للعيش معا JMVE، إلى بناء جسور. من خلال حشد الشباب، فهو يدعو إلى نشر رسالة العيش معا، على نطاق عالمي. من خلال الشبكات الإجتماعية، فهو يشجع مزج الأفكار الخصبة، و نقل الخبرات، مانحا بذلك، رسالة أمل للشباب في جميع البلدان. العيش معا يعني العمل معا.

3ـ  ينظم اليوم العالمي للعيش معا JMVE، برنامجا حول البيئة. له قناعة بأن التنمية المستدامة تشجع السلام المستدام، من خلال تشجيع الحوار، مع جميع الأطراف الفاعلة في الإقتصاد. هو يسلط الضوء على الصلة و الإرتباط بين الإنسان و الطبيعة. و يدعو إلى تعزيز و تبليغ و تثقيف الممارسات المبتكرة.

4ـ  يدعو اليوم العالمي للعيش معا JMVE، إلى الإقتباس من التراث المشترك للحِكم الإنسانية، من أجل إحلال السلام و من أجل الروحانية. بإعادة النظر في النصوص المقدسة، فإنه يسلط الضوء على طابعها العالمي. و بالتالي فإنه يعزز المصالحة بين تقاليد و ثقافات الأسرة البشرية، مغذيا بذلك روحانية حية، تعطي معنىٌ للحياة.

5ـ  يوفر اليوم العالمي للعيش معا JMVE، مسرحا لموسيقيي و فن القارات الخمس. فهو يدعو الموسيقيين و الفنانين للإحتفال بهذا الحدث، و كذلك التوحد من خلال ما تتضمنه إختلافاتنا، من غنى و إبداع و جمال.

6ـ  يلتزم اليوم العالمي للعيش معا JMVE، بتعزيز المساواة و التناغم بين الجنسين. إنه يُذكر أن بتنوير طاقة الأنوثة، الحاملة للسلام جوهريا، يمكن أن تتحقق المصالحة رجل-إمرأة، و يتحقق تكاملهما في الوحدة.

7ـ  يشجع اليوم العالمي للعيش معا JMVE، العمارة ذات المُحيا الإنساني، التي تقوم على مفهوم العيش معا بشكل أفضل. عن طريق إنشاء تسمية، فهو يقوم بتعزيز بناء المنازل و القرى و المدن، على أساس مفاهيم مبتكرة و بيئية، مع المحافظة على التراث العمراني الخاص بكل ثقافة.

8ـ  يقترح اليوم العالمي للعيش معا JMVE، إنشاء أكاديمية للسلام، لها كدور، أن تلقن و تعلم بيداغوجية و طريقة، من أجل تطوير ثقافة السلام في جميع أطياف المجتمع، و أيضا توحيد المبادرات، التي تعمل في هذا الإتجاه. في كل عام تعلن عن جائزة دولية تحت تسمية، اليوم العالمي للعيش معا JMVE، قابلة للتنفيذ، من أجل أفضل تربية، تعني العيش معا و ثقافة السلام.


    جاء في مقولة مشهورة للشيخ خالد بن تونس "إمنحونا توقيعاتكم، أنا المتسول". فيرجى من إخواننا الذين يأملون في غد أحسن و مستقبل آمن و عيش راغد، أن يدعموا مشرع اليوم العالمي للعيش معا، بترك توقيعهم مساهمة منهم في هذه التعبئة، عبر الموقع التالي:


الجمعة، 20 نوفمبر 2015

علينا أكثر مما مضى أن نكون مصممين على المُضي قدما

علينا أكثر مما مضى
 أن نكون مصممين على المُضي قدما

    اهتزت مساء يوم الجمعة 13 نوفمبر باريس بأحداث دامية خلفت ضحايا، و كانت الحصيلة ثقيلة، و التي تبناها مرة أخرى تنظيما ينسب نفسه إلى الإسلام. نزل الخبر كالصاعقة على كل أولئك الذين يعملون من أجل خير الإنسانية، و يأملون رؤيتها متوحدة، و تعيش في تآزر، تسوده الأخوة و المحبة.

    يومها كان الشيخ خالد بن تونس بمدينة ليون، أين شارك في انطلاقة قناة تليفزيونية جديدة، سميت "Les deux rives tv"، أملا أن تساهم كما يدل إسمها "الضفتان"، في جمع شعوب ضفتي البحر الأبيض المتوسط. نحن بحاجة ملحة إلى مثل هذه المبادرات. يعمل الشيخ سيدي خالد بن تونس منذ سنوات على جمع القلوب، و التأكيد على أن التركيبة الإسلامية جزءا من المجتمع الأرووبي، و لهذا الغرض أسس الكشافة الإسلامية الأوروبية، ليدمج الشباب المسلم في الحركات الوطنية، و يساهم في المحافل الإجتماعية و الثقافية و غير ذلك. من الملاحظ جليا، إن بعض التوجهات المنتشرة هناك، تعمل على إقصاء المسلم، و تريد أن تجعل منه عنصر جانبي، و الأمرُّ من ذلك، أن يُتهم بالعداء، و أنه يمثل خطرا على الأمن العام، و جنس ينبغي نفيه من المجتمع. في كل هذه الأجواء، يعمل الشيخ خالد بن تونس بصبر و حزم، على إحلال السلام، و نشر ثقافة السلام، و ثقافة العيش معا.

    لما بلغه نبأ الحادثة قال "كل ما نقول عنه، أنه عمل شيطاني، لأنه لا يقوم بأي تفريق، و ليس له هدف، إلا ما ينجر معه، من موت و جريمة، و نشر الشر على أوسع نطاق، و إصابة الأبرياء"، و أضاف "الحادث الذي أصاب بالأمس باريس، شوّشنا، و كأنه كابوس"، و صرح متحسرا "تدفعنا هذه الأحداث إلى التساؤل عن مصداقية أعمالنا، و طريقة رؤيتنا للعالم، و طريقة بناءه، و إننا سنترك شهادة لأنفسنا، و للأجيال المقبلة، بأننا قمنا بما في وسعنا لجمع أفراد هذه الإنسانية، هذه الكتلة المتشتتة، التي تجهل بعضها البعض، و تتقاتل فيما بينها، و إننا نعمل من أجل أن يتواجد العقل و الحس، و لا يوجد أي بديل، و جاءت هذه الحادثة لتؤكد مرة أخرى، أن بدون العيش معا، و بدون العمل معا، و بدون التوحد و التعارف، سنتوجه كلنا نحو الفوضى".

    غادر الشيخ خالد بن تونس فرنسا بعدها، متوجها إلى الجزائر للإشراف و المشاركة في المهرجان الأول لليوم العالمي للعيش معا، إذ سيحتفل يومي 24 و 25 نوفمبر بحول الله، باليوم العالمي للعيش معا بمدينة مستغانم في محاضرات و لقاءات تجرى بجامعة خروبة، و يوم 26 سيعلن عن جائزة الأمير عبد القادر من ولاية معسكر، جائزة من أجل العيش معا بالبحر الأبيض المتوسط، و يختم المهرجان بندوة صحفية يوم 29 نوفمبر بمدينة الجزائر.

    من بإقامته بالجزائر، خص الشيخ خالد بن تونس الإذاعة المسيحية الفرنكفونية RCF بالحوار التالي، بعد الهزة التي أحدثها الإعتداء الغاشم، بمشروع العيش معا، بفرنسا، و ببقية العالم:   

الصحفي: كيف تفاعلت مع الإعتداءات الفظيعة التي حدثت الجمعة مساءا بباريس؟

الشيخ خالد بن تونس: هذا النبأ أصابنا في أعماق كياننا. كان الأمس يوما جميلا بالنسبة لنا، قمنا بافتتاح قناة تليفزيونية جديدة تسمى "les deux rives tv"، ساد جو من المرح، و أمل و إمكانية ربط ضفتي البحر الأبيض المتوسط، و العمل في هذا السياق، من أجل التلاقي و التعارف و التبادل.  ها هو، في نهاية اليوم، بلغنا هذا الخبر الكارثي، بالنسبة لكل أولئك الذين يعيشون، و يعملون من أجل بناء جسور بين الحضارات و الثقافات و الديانات. و لكن أعتقد أنه، علينا أكثر مما مضى، أن نكون مصممين على المضي قدما. أول شيئ نفكر فيه، بكل تأكيد، هو تلك الأُسر، و نعرب عن تعاطفنا مع كل الذين أصيبوا بالأمس بباريس. أريد أن يفكر الناس بعمق و يقومون، بكل ما في وسعهم، و بكل ما يختلج ضميرهم، للعمل معا، حتى لا تكتسحنا دوامة العنف و الكراهية.

الصحفي: كيف تعيش أنت شخصيا، المسلم، و كيف، بأن باسم الله، ربك الرحمن الرحيم، يقتل رجال بكل برودة أبرياء؟ 

الشيخ خالد بن تونس: أولا، إن الله لا ينتمي إلى أي أحد. الله أكبر من أن ينتمي إلى جماعة أو إلى شخص، مَن هؤلاء الناس، حتى يدّعون العمل باسم الله، و مَن أذن لهم بإسناد أمرهم إلى خالق الكون؟ من نحن جميعا، مهما كنا، حتى ندعي التفرد بالألوهية، هذا من غير الممكن. بصفتي مسلما، و ببساطة كوني إنسانا، أرفض هذا. لا أستطيع قبوله. يوجد من يعتمد على تفسير لآيات قرآنية، و يصبون حقدهم و عنفهم، و نفهم بأن لا علاقة لهم بالإسلام. هؤلاء يقومون بإذاية المسلمين أكثر مما، يقومون بإذاية بقية الناس. يهدمون معالم أثارية، و هي تراث الإنسانية، و يتلفون مخطوطات، و يزيلون كل ما يشيد إلى السمو الإنساني، و يفتّح عقولنا، و هم يقومون بتأويل دينهم الخاطئ، من خلال نفوسهم النرجسية و الأنانية و الجاهلة.

الصحفي: الشيخ خالد بن تونس، منذ سنوات، و أنت صانع للسلام، و باعث للحوار البيديني. هل مازلت تؤمن بأن إحلال السلام ممكن؟

الشيخ خالد بن تونس: نعم، فإن إحلال السلام ممكن. نعم إن إحلال السلام ممكن. لا يجب الشك في ذلك، و لا يجب ترك الشك يساورنا. نعم، إن الله هو السلام، و كل من يؤمن بالله، عليه أن يؤمن بسلامه، و إلا سنفقد حِسّ ما نحن عليه، و سنرهن مستقبل أبناءنا و أحفادنا، و إننا سنُعِد لهم عالما أسوأ من الذي نعيشه اليوم.

الصحفي: ما الذي يجب أن يقوم به كل شخص للمساهمة في هذا السلام؟

الشيخ خالد بن تونس: ينبغي أولا الدعاء للمؤمن، و التفكر مليا، و التفكر معطى لكل شخص، مهما يكن، سواء كان لديه إيمان أو لا. ليتدبر السلام في نفسه. إننا سننجر رغم أنفسنا نحو طريق مسدود. يوجد 500000 لاجئ، أناس فقدوا كل شيئ، و اليوم يأتون إلى أوروبا. لماذا يأتون إلى أوروبا؟ لأنهم يأملون و متيقنون بأن في أوروبا توجد حقوق الإنسان و إنسانية و يتوفر حسن الضيافة، و احترام الشخص، مهما كان رجل أو إمرأة. إذن على أوروبا اليوم أن تكون هذا المكان، لتحمل حقيقة، المعنى الإنساني.

الصحفي: شكرا جزيلا الشيخ خالد بن تونس، لقبولك هذا الحوار.. مباشرة من الجزائر. شكرا جزيلا أيها الشيخ. 

الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

خطبة الشيخ خالد بن تونس في ندوة اليونسكو

الإسلام الروحي و التحديات المعاصرة
الندوة الدولية بدار اليونسكو، يومي 28 و 29 سبتمبر 2015

خطبة الشيخ خالد بن تونس
 في ندوة اليونسكو

بسم الله الرحمن الرحيم

    سيداتي سادتي، إخواني و أخواتي الأعزاء، أصدقائي الأعزاء، إنه لشرف كبير بالنسبة لي، و فرحة حقيقية، أن أراكم مجتمعين هنا، للإحتفال بهذه اللحظة المهمة، في تاريخ المنهج الصوفي العلاوي. نشكر اليونسكو و مجلسها التنفيذي، الذين منحونا هذه الفرصة، و السماح لتقليد عريق، بالتكلم أمامكم، و من خلالكم للعالم بأسره، لتقديم الوجه الآخر للإسلام. هذا الإسلام المحمدي، إسلام السلام، هذا الإسلام الذي يدعو إلى الأخوة. هذا الإسلام الذي يساعد كل بني آدم للعودة إلى الجوهر، في حضارة أصبحت فيها منهجية الإستهلاك مشكلا، يقودنا نحو إنحراف، نحو عالم غامض، و عالم بدون روح.

     إن الروحانية اليوم، روحانية الإسلام، و روحانية التقاليد الأخرى، و الحِكم التي تركها الرجال الكرماء البسطاء، منارات الإنسانية، عليها أكثر من ما مضى، أن تُجدَد اليوم، و يعاد اكتشافها، و يعاد التفكير فيها، حتى يجد عالمنا معنى و حكمة. لأن بدون هذا، فإن التحديات التي تنتظرها الإنسانية اليوم و غدا، ما هي إلا في ازدياد، و إن المجتمع الإنساني سينكسر، و ينقسم. حان الوقت بالنسبة لنا، أن ننتهز هذه الفرصة، التي تمنحها لنا حُجية التفكير و التأمل، أن نحلم بعالم آخر، لا يكون فيه الإنسان ذئبا لأخيه، و فيه لا يُشكِل معضلة للآخرين.

    الشيخ العلاوي لن أتكلم عنه، سأترك الكلمة للأخصائيين، الذين سيجعلوننا نكتشف فكر هذا الرجل، و نضاله و التجديد الذي كان يتمناه. هذا الكاتب و الصحفي، و هذا الشيخ، هو الأول من وضع قدمه في هذا البلد، في هذه المدينة، عند إفتتاح سنة 1926، مسجد باريس. هذا الشيخ كان لديه صورة لإنسانية، ففي نظره هي جسد، و كل إنسان هو خلية، و عضو كامل، و كل خلية عندما تعمل لصالح الجسم، تعمل أيضا لرفاهيتها، مهما الجزء الذي تشغله في الجسم، سواء كانت اليد أو الرجل أو الشعر أو المعدة، أو العين أو القلب. تكمن الأهمية في وحدة الجسد، و رؤية الإنسانية في وحدة. لأن إذا كان الله واحدا، فخلقه واحد و الإنسانية واحدة. زد على ذلك، لقد أعطانا الله سبحانه و تعالى في القرآن الكريم مقياس، لمعرفة بعضنا البعض، و قدم لنا كيفية التصرف مع بعضنا البعض، بالحكمة و الطيبة، و كذا عن طريق المجادلة. حتى بها قدم لنا تعليما.

    أهل الكتاب، التي تترجم عادة – في اللغات الأخرى ـ بأصحاب الكتاب أو أناس الكتاب، فحسب رأيي، هي غير صحيحة، لأننا عندما نقول أهل، فنحن نتكلم عن قريب. أهلي هم أقربائي، و عائلتي. أهل الكتاب هم أقرباء، و ليسوا غرباء، و لا بعيدون عنا.

    إن آخر توصياته عليه الصلاة و السلام، ترتكز على أربع نقاط، فعندما طلب منه أحدهم أن يعطيه نصيحة أخيرة، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "أفشوا السلام و صِلوا الأرحام و أطعموا الطعام و صَلوا بالليل و الناس نيام". (1)

    شكرا جزيلا لكم جميعا. و شكرا لصديقي وزير الشؤون الدينية، الذي يشارك اليوم معنا، قادما مباشرة من الحج، من مكة، لقد شرفنا بإعطائه لهذا اللقاء بعدا. حسب رأيي هي مهمة، حتى يستلفِت أن هذا الرجل جزائري (2)، و أن هذا البلد قادر على إنجاب رجال و نساء يحملون بصوت عال و واضح، الأخوة الإنسانية، و شكرا للسيد سفير البعثة الجزائرية، الذي قام بمجهود خالص و ساعدنا، حتى أنتم كلكم اليوم تكونون حاضرين هنا.
     شكرا لكم و لكُنَ جميعا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). عَنْ عبد الله بن سلام، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ الْمَدِينَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَكُنْتُ فِيمَنْ أَتَى، فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّه وَجْه غَيْرُ كَذَّابٍ، سَمِعْتُهُ و هُوَ يَقُولُ  "أَيُّهَا النَّاسُ ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَ صِلُوا الأَرْحَامَ، وَ أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَ صَلُّوا بِاللَّيْلِ و النَّاسُ نِيَامٌ ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ ". رواه أحمد و الترمذي.

(2). يقصد الشيخ العلاوي.


مداخلة الشيخ خالد بن تونس في المائدة المستديرة

الإسلام الروحي و التحديات المعاصرة
الندوة الدولية بدار اليونسكو، يومي 28 و 29 سبتمبر 2015

مداخلة الشيخ خالد بن تونس
 في المائدة المستديرة


    شكرا لكم كثيرا، أنتم جميعا، لمشاركتكم معنا و صبركم على سماعنا، و تحملكم، ربما لوجود بعض النقائص. أطلب منكم باسم المنظمين أن لا تحفظوا لنا ظعينة.

     للرجوع إلى العيش معا و العمل معا، على ما يبدو لي، هما ناشئان من أعماق ما نسميه، بالضمير، و هما ليسا بشيئ يعقل بالفكر، فالعقل اليوم هذر. لدي انطباع أن الحكمة رحلت هي كذلك. لا مكان للحكمة في إنسان اليوم. إذا عدنا إلى القانون و كل ما اُعدّ منذ سنة 1946، من طرف الأمم المتحدة، فنجد بها مكتبة مؤلفة، بالأمتار المكعبة، من الإتفاقيات و المعاهدات، و إذا سألنا مؤسسي الأمم المتحدة، في سنة 1946، عندما أسسوا الأمم المتحدة، سيتفاجأون ببطء سيران ما تم إعداده، من طرف الإنسانية، و بوجود إلا القليل، مما تم إنجازه، بالنظر إلى أمنيتهم الحسنة. بالولايات المتحدة، و في مدينة سان فرنسيسكو، كانت أمنيتهم، أن لا تعرف الإنسانية أبدا الشقاء الذي سببته الحربين العالميتين، اللتين يمكن إختصارهما في حرب واحدة، لأن الأولى حضّرت للثانية، بكل بساطة، و رغم ذلك ففي كل مرة نتعثر. عندما أقول نحن، أعني الإنسان الذي هو نحن. إذن ما هو الدور المنوط بنا من كل هذا؟ إذا لم يكن بإعادة التفكير في المشكل، و لا يكون الأمر متعلقا بجزء من الإنسانية، سواءا كانت المسلمة أو من الشرق أو من الغرب، أو من الهند أو من الصين.

    لدينا اليوم الفرصة لاستقبال قريبا في شهر ديسمبر من 30 نوفمبر إلى 11 ديسمبر 2015، رؤساء الدول، الذين سيأتون لمناقشة التحديات التي تنتظر الإنسانية، التحديات المناخية. و وراء هذه التحديات تطرح قضية حقوق الإنسان و إرادة الإنسان. نحن من عجّل الأشياء، فالطبيعة تقوم بعملها، و الإنسان له يد، فيما تعيشه اليوم الإنسانية.

    فما الذي ينبغي القيام به، بالنظر إلى ضمير الكثير من الناس، سواء كانوا مسلمين أو بوذيين أو يهود أو مسيحيين أو ملحدين آخرين؟ كيف أتكلم عن  الشعوب العريقة و الديانات الهندية الأمريكية؟ كيف يمكن أن نجمع اليوم هذه الإرادة حول شيئ منصف؟ 

    لكوني شاهدا، يومي 20 و 21 جويلية الماضيين، فإن فرنسا البلد العلماني، شهدت كل ممثلي الديانات الروحية للعالم، و استقبلتهم بقصر الإليزي. أخذ رئيس الجمهورية الكلمة بعد العَشاء، مستقبلا ضيوفه، و قال "نحن بحاجة إليكم، لأن 80 ٪ من الإنسانية، مازالت تملك عقيدة". عجبا، بدأنا نلاحظ أن الإيمان موجود. تخص العقيدة باطنيتنا و تعني ضميرنا، و كل امرء، و لو أنه لا يؤمن بوجود الله، فله عقيدة، عقيدة في الإنسانية، و عقيدة في حقوق الإنسان. عقيدة في شيئ ما. كيف سنعيش غدا إذا أنكرنا كل أمل؟ العقيدة هي أمل. يبدو لي أننا مطالبين بالذهاب أبعد من المناقشات الجميلة جدا، و الأنسية جدا ، و الجد فلسفية، و الجد روحية، و لكن ينبغي علينا الذهاب أبعد من ذلك. كنا نريد مع المنظمين الآخرين، أن نجعل من هذا اللقاء، الذي كان مندرجا من قبل، من طرف اليونسكو، مناسبة للإحتفال بمئوية المنهج العلاوي، الذي هو في نظر اليونسكو، يمثل تلك المدرسة للتعايش و الحوار، و المنهج الحضاري، و غير ذلك. و قد حان الوقت لاستغلال ذلك، ما دام على العموم، يقال في فرنسا أن المسلمين لا يتكلمون. لماذا لا يقول المسلمين شيئا؟ ها هم المسلمون يتكلمون، و يقولون لكم، لا نستطيع لوحدنا بناء بيت السلام، ينبغي تدخل الجميع. لا أمثل كل المسلمين. في النهاية، فإن ضمير الكثير من المسلمين ينادي بقية الإنسانية قائلا: إسمعوا، ساعدونا. لنساعد بعضنا البعض لنبني هذا البيت للسلام.

    إن العيش معا و العمل معا، يتطلبا على مستوى الضمير الإنساني، وجود إرادة و رغبة قوية، و لا يُنجزا إلا في التآزر. لا يبنى العيش معا و العمل معا، بالقانون و لا بالسياسة، و لكن بالأخوة، و بوجود رغبة قوية، تكسوها صفات إنسانية. إن الأخوة لا تملى (1)، و ليس بشيئ يفرض بالقانون و لا بالقوة، و لكنها الملجأ الأخير فينا، لإيجاد المعنى الإنساني، و إعطاء معنى لهذا العالم.

    أشكر كل المتدخلين الذين كانوا في قمة الرسالة، التي استمعنا إليها في هذين اليومين، و أشكر أيضا محمد عزيزة، الذي بشكل ما، قمت بجره معي في هذه المغامرة، و هي جائزة الأمير عبد القادر. و لماذا الأمير عبد القادر؟ لأن في سنة 1860، هذا الرجل أنقذ الألوف من الناس، في دمشق، و دمشق اليوم، و كل سوريا في خطر الموت، و معها كل الشعب، المسلم و المسيحي و الدرزي. هذا ما يعني، أن واحدا من المراكز الحضارية الإسلامية، في طريقه للإندثار، بدون أن يتحرك أحد، أو إنهم قليلون من يفعل ذلك. على كل حال، أحببنا الإضافة إلى كل هذه الجوائز القَيّمة، إضافة جائزة الأمير عبد القادر، لأن هذا الرجل يعني بالنسبة لنا، و بالنسبة للعالم الإسلامي، و بالنسبة للعالم الغربي. للرجل احترام، و نقوم باستعمال هذا الإحترام للقول أن العيش معا، قد سبق و ذُكر. يوجد شخص قد حمله، و عندما قيل له نشكرك على ما قمت به، و إنقاذ الآلاف من المسيحيين، قال لا يوجد ما تشكرونني عليه، لا أقوم سوى بتطبيق ـ لقد قالها ـ الحقوق الإنسانية، و حتى أنه مَنح الحقوق، قبل أن تدوّن كتابة، من طرف الأمم المتحدة، و يصدر المرسوم. قال أقوم بذلك، و ببساطة، بالحقوق الإنسانية. إنه حق بأن يضمن إنسان قريبه، مهما كان. من أين أتى الأمير عبد القادر بهذا؟ إنه محمدي. ذهب و بحث عنه في الميراث، و هذا ما يهمنا نحن المسلمين. و يعني لنا الكثير. لقد اقتدى بالرسول صلى الله عليه و سلم المجهول في أيامنا، و تُساء معاملته من طرف المسلمين أنفسِهم.

    إن آخر توصياته عليه الصلاة و السلام، قلتها بالأمس في الإفتتاح، كانت قوله "افشوا السلام و صِلوا الأرحام و أطعموا الطعام و صلوا بالليل و الناس نيام.." (2). إن الذين يقومون الليل، هم الذين يبقون على هذا الضمير حاضرا، لا يهم من هم. إن الذين يقومون الليل، هم الذين يمنعون الإنسانية من الوقوع في الوحشية. هم الذين مهما اختلف دينهم، و اختلفت علومهم، و مهما كانت صفاتهم و أجناسهم، يدافعون عن الإنسانية، حتى لا تنحلّ في اللاإنسانية. إن هذه اللاإنسانية تُدار اليوم بطريقة عالمية. نعلم كلنا أن الإله في أيامنا هذه، هو العجل الذهبي. و كل هذا الهذر لا يفيد شيئا، إذا لم يقتنع كل واحد منا باطنيا، بأن بعمله اليومي، إزاء أبناءه و جيرانه، و لا يقوم بإفشاء السلام، و إعطاء بعضا من وقته للذين يحتاجونه. إن المحتاجين هم الذين بحاجة إلى طعام، و كذلك الذين يحتاجون إلى علم. المعرفة ضرورية و التربية ضرورية، و الصِلات كذلك مهمة، فإذا قطعناها، سنقع في المعارضة و الحروب، و إذا حفظنا عليها سنحفظ الحياة. و شكرا. أعذروني...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). من الإملاء.


 (2). عَنْ عبد الله بن سلام، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَكُنْتُ فِيمَنْ أَتَى، فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّه وَجْه غَيْرُ كَذَّابٍ، سَمِعْتُهُ و هُوَ يَقُولُ  "أَيُّهَا النَّاسُ ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَ صِلُوا الأَرْحَامَ، وَ أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَ صَلُّوا بِاللَّيْلِ و النَّاسُ نِيَامٌ ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ ". رواه أحمد و الترمذي.