الأحد، 19 يونيو 2011

مناهل

مناهل

    أجرت الجمعية الدولية الصوفية العلاوية "عيسى"، فرع سويسرا حوار سمعي بصري مع الشيخ خالد بن تونس حول عدة مواضيع تهم المجتمع. أخرج العمل السيدة نجمة كاترين طوايبي، و ننقله في نص فيما يلي:



الصالح العام

    الصالح العام هو ما ميّز الإنسانية منذ بدايتها، منذ أن تلقى الإنسان الأمانة. لم يتمكن من بناء المملكات و الإمبراطوريات إلا عندما حدد الصالح العام. ما هو الصالح العام؟

     الصالح العام أو الرفاه العام هو مفهوم يجعل من كل واحد منا حسب مقدوره يدافع عن المصلحة العامة بدل المصلحة الخاصة. إن ما يحدد الصالح العام و يجعل من مجتمع أو إنسانية حقيقة (إجتماعية و سياسية و جماعية) هو عندما تفضل جماعة المصلحة العامة عن المصلحة الخاصة لمجموعة أو أسرة حاكمة أو فلسفة أو دين أو إيديولوجية. يساير الصالح العام مستوى يقظة الضمير. كيف نحدد، و ماهي الحدود بين مصلحتي الخاصة و المصلحة التي تميز هذا الصالح العام الذي يقتسمه كل المجتمع؟ هي مسألة عدالة. 

    لا يأخذ الصالح العام شكلا و يصبح حقيقة إلا عندما تصبح العدالة منصفة للجميع. بدون العدالة تحول الأنانية الإنسانية دائما الصالح العام لمصلحتها الخاصة. إن العدالة هي المحور الرئيسي الذي يسمح بتحديد حقيقة الصالح العام، و تضمن إحترام كل واحد منا، و نقوم بتثبيته و تشييده.



توريث الأطفال

    كل ميراثنا يرتكز على قيم. قيم مورّثة من جيل إلى آخر. ماذا سنورّث أطفالنا؟ هل سننقل إليهم مشاكل و أزمات و تحديات، يعني أمور إجتماعية لم نتمكن من حلها. إقترضنا من المستقبل حلول أو بالأحرى وسائل ليست لنا. من ناحية، نحن بصدد سرقة الأجيال القادمة. عاجزين عن حل مشاكلنا فهذا هروب إلى الأمام. نحن نطيل و نفاقم المشاكل التي تعاني منها الأرض بدون الإهتمام بمسئولية التوريث. ماذا سنورّث؟ أرض نظيفة، مَثل أنسي، قيم كونية، عدالة منصفة، أو تضامن. أم أننا سننقل إلى الأجيال القادمة الصراع و الأزمات المتوالية في  كل المجالات  و تلوث في اتساع. إذن بدل أن نلزمهم في المسؤولية و الإستقلالية نزج بهم في أن يدفعوا الثمن الغالي لأخطائنا. لنكون حذرين لأن أطفالنا جزءا منا. في الوعي الكوني، إذا تجاوزنا الحد في تجاهل ما يأتي بعدنا، ربما سنكون إحدى الحضارات التي سيلعنها التاريخ.



مكانة المرأة

    مسألة المرأة. المشكل الأبدي للجنس. الأنوثة، كيف نعرّفها، و كيف نتكلم عن المرأة متجنبين الإستهزاء؟ لأننا في عالم تنتشر فيه الطابوهات و الكلام المعاد، و كانت فيه المرأة دائما كبش فداء لكل المجتمعات. مكانة المرأة في المجتمع أساسية لأنها هي من يحمل الحياة، و في نفس الوقت، إنها متواجدة في وضعية، في المجتمعات المعاصرة، في منافسة مع الرجل، لأن الرجل من بيده السلطات السياسية و المالية، ويسير على الأرض. هي مسألة سلطة.

    أعتقد و أتمنى أن في القرن الواحد و العشرين سيعاد تأسيس هذا التفاوت و عدم المساواة في الجنس بين الذكورة و الأنوثة في التكامل و ليس في الخصام. كل من المرأة و الرجل مبدأ يسمح للحياة أن تكون و تورث. يجب التفكير في كيفية إيجاد أولا في أنفسنا القسم الأنثوي و القسم الذكوري لأن كل كائن وُجد باجتماع الإثنين. قسم منه ورثه من أبيه و القسم الآخر من أمه. و مَن يستطيع أن يخلق تناغم و توازن لهذه الثنائية المرسخة فيه و الصانعة لكائنه، سيكون له نظرة مختلفة عن المرأة أو الأنوثة، عن الذي غلّب جنس على الآخر، فهو في صراع دائم، أي أنه لم يحل صراعه الخاص. فكيف له أن يحله على مستوى المجتمع؟

    قلت دائما أن مكانة المرأة في عالم اليوم حاسمة لتسيير العالم و توازنه. على المرأة أن تطالب بمكانتها و ليس مكانة الرجل، فهذا مختلف تماما. عليها أن تطالب بما هو حقها  بقدر ما أنها كائن يحمل الخصوبة و الأمل، لأن من يحمل الحياة يحمل كذلك الأمل. إن أول انشغال لأم عندما تلد طفلها هو أن يعيش، و تكون له حياة أفضل مما كانت لها. إذن بعض الأمل في المستقبل. كلما وجدت أمهات سيكون هناك الأمل.



التناغم الديني أو السلام بين مختلف التقاليد الدينية

    أقول أن كل دين مبني – على كل حال هذا ما يقولونه - على المحبة، كلها تدعي أن رسالة الدين مبنية على المحبة. و لكن الفرق هو أنه توجد المحبة الكونية الشاملة و محبة التملك. يقع كثير من المؤمنين في فخ محبة التملك، يعني ديانتي ضد ديانة الآخر، و حقيقتي ضد حقيقة الآخر، و رسالتي ضد رسالة الآخر. في حين عند تدقيق النظر نرى بالعكس أن الديانات مرايا بعضها البعض، فهي ترد كل مؤمن نسبة لاختلاف بعضنا البعض إلى واقع حقيقته. لا نستطيع معرفة تقليد إلا بمواجهته بآخر. عن معنى السلام، إذا نظرت إلى الآخر في سلام سيرده إلي. هو مرآة يرده إلي. سيجعلني أكتشف غنى ميراثي التقليدي و الروحي. إذا طرحت علي مسألة الإله أو الرحمة أو أي مسألة، و بالنظر إلى كيفية معالجتها عند الآخر في ديانة أخرى يجعلني أعرف كيف هي مفهومة و معاشة و مقتسمة في ديانتي. إذن فنحن بحاجة إلى هذه التعددية. تعددية الأشكال و الرسالات. لا تدرك الحقيقة و تفهم إلا بالتنوع، لأن التنوع هو ما يردنا إلى مبدأ التوحيد، منبع كل الرسائل، هذا الدين الأولي، الذي ساير و سمح بتطور الوعي الإنساني منذ غابر الزمان. 



الديمقراطية

   مسألة الديمقراطية في الأحداث الساخنة اليوم، أصبحت ترمز للقيم. هذه القيم بحدين. تلزم الديمقراطية حتما إنسانا واعيا بالصالح العام، و مسئول عن نفسه و عن بقية المجتمع. تلزم الديمقراطية  كل واحد منا أن يكون قائما على الثقة التي يمنحها في حضن المجتمع، لأنه ينتج على مستوى التفاهم، و العيش معا، و التضامن، و حس المواطنة الذي يتقدم على المصلحة الخاصة لجماعة أو حزب أو ميول مهما كان. لا ننسى أن تاريخ الديمقراطية قديم يعود إلى عصر الإغريق. 

    إن الذين أعادوا اليوم الديمقراطية و جعلوها مبدأ سياسي لتسيير المجتمع الإنساني ما هم إلا رجال، لا أحد معصوم، فالإنسان ضعيف. لقد استطاع الإنسان أن يطور نظام سياسي يشتغل، و لكننا نشعر أنه بلغ حد ما، في تشغيله، فكل شيئ يملك في نفسه الكمال و النقص. ربما يستعمل عالم الغد شيئ آخر. الإنسان الذي تمكن من تطوير الديمقراطية سيضع شيئ آخر، نظام جديد، أقول بمأننا في عالم معولم سيكون للمجتمعات الإنسانية فيه كلمتها. ربما سنتجه نحو سوسيوقراطية، في مجتمع يؤخذ فيه الكائن أكثر بعين الإعتبار مثلما هو عليه اليوم، لأن الديمقراطية التي تبقى قانون الأغلبية، و هذه الأغلبية غير واعية عمليا و لا متيقظة عمليا لحس الصالح العام، تنتهي حتما بتسيير نظام  غير منصف.  ديمقراطية تكفلت بها جماعة لديها الأسباب المالية و كذلك الإعلامية، إذن هم يملكون المعلومة، يمكن أن يوجهوها لصالحهم.

الجمعة، 10 يونيو 2011

مرور سنة على ميلاد المدونة

مرور سنة على ميلاد المدونة


    الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه و سلم.

    مضت سنة كاملة على وجود المدونة. شعورا بالمسؤولية و ضرورة تبليغ ما توفر من تعاليم و رسائل الشيخ خالد بن تونس لشريحة من الأمة، ظهرت هذه المدونة لتنشر بعض أعمال الشيخ و نشاطاته الغزيرة.

     قُدمت على مدى سنة كاملة أهم ما توفر لدينا من مواضيع و رسائل الشيخ خالد بن تونس كي تغطي نقصا معتبرا في هذا المجال، و تقدم مساعدة للذين هم في بحث عن هذا التعليم و يأملون في مستقبل أفضل و عالم أكثر عدلا و إنسانية متحضرة، و واعية، مستعدة لتقبل الأمر الإلهي.


    تسمح خدمة Blogspot بمعاينة إحصائيات المنتدى و معرفة عدد الصفحات المقروءة يوميا و مشاركات الدول و إحصائيات أخرى. تحصي الخدمة الصفحات الظاهرة فقط في وصلات جديدة . في كل الأوقات، في مشاركات الدول تتقدم الجزائر بشوط عن إسبانيا و تليها المغرب. بعيدا عنهم و بنسب متقاربة نجد كل من السعودية و مصر و فرنسا و تونس على الترتيب، ثم تلي الولايات المتحدة الأمريكية و الإمارات العربية و الأردن.

الأحد، 22 مايو 2011

إن الذين يصبون الزيت

إن الذين يصبون الزيت على النار لا يقومون
 إلا بتعزيز الذين يسعون للحوار

    قام الشيخ خالد بن تونس بزيارة لجزيرة لارونيون سنة 2008، أجرى خلالها عدة حوارات و ألقى محاضرات و طاف بعدة معالم بالجزيرة.
    هذا مقتطف من حوار أجرته معه جريدة (Temoignages) بالجزيرة المذكورة، نشرته يوم 7 مايو 2008.
    ابتدئ الحوار و ختم بصدى أحدثه فيلم قصير، إنتشر في تلك الفترة على الشبكة العنكبوتية من إنتاج شخصية هولندية مرموقة يحرض على الفتنة و يعادي الإسلام.

     بعد تمهيد في الموضوع، قال الشيخ خالد بن تونس مايلي:
    - .... التجاوزات و التطرفات خطيرة و لكن لها شيئ مفيد، فهي تردنا إلى الحقيقة. نسينا بعض الأشياء أو إستخفينا بها، و مجرد رؤيتها تطرأ بهذا الإفراط يدفع الناس للبحث عن الحقيقة. لم يبع أبدا القرآن بهذا الكم، و لا وثائق حول الإسلام نشرت بهذا القدر، و بكل اللغات. و خاصة بالولايات المتحدة منذ تاريخ 11 سبتمبر. إن الذين يصبون الزيت على النار لا يقومون إلا بتعزيز الذين يسعون للحوار. نحن بحاجة إلى معرفة أنفسنا و للحوار.. و إذا لم نقم بذلك سيقوم به هؤلاء الذين سيقودون الإنسانية إلى صدام الحضارات. سيبعدنا هذا عن مخاوف عالم اليوم...

- ما هي وجهة نظرك للمسلمين، و أكثر للذين يعلنون ولاءهم لتنظيم القاعدة؟ و حول إختيارهم للبلدان المستهدفة؟ لا يختارونها عشوائيا.
    - هناك الكثير ما يقال عن القاعدة. أنتمي إلى هؤلاء المسلمين الذين لهم شكوك كبيرة حول هذا الموضوع.

- على ماذا يحمل شكوكك؟
    - حول وجود هذه الجماعة. وراء كل هذا يوجد الكثير من الغموض، حسب رأيي. توصف لنا منظمة دولية...

- و يظهرون لنا- بالفيديو- أناس يعيشون كأصحاب الكهوف...
    - هو ذاك... يتواجد إلا ما يشرب و يؤكل. يجب البقاء حذرين. يوجد التطرف و يوجد التعصب. في الإسلام أو في الديانات الأخرى. هذا أكيد. و يوجد شباب طائش و شباب يفجر نفسه. هذا أكيد...

- قالت الأنتروبولوجية دنيا بوزار أن الإرهابيون يستغلون الدين، مثلما يمكن القيام بذلك مع أي إيديولوجية. هل هذا كذلك رأيك؟
    - أكيد يمكننا إستغلال و التلاعب بأي شيئ حتى الدين. و ليس فقط الدين الإسلامي. حدث تلاعب باليهودية. و مثال المحافظون الجدد فيما يخص المسيحية، متقدمين جدا. و كذلك بعض الميولات الإسلامية. يستخدم الدين لغرض محدد.
     و لكن الدين قبل كل شيئ هو لتغذية الضمائر، و إيقاظ فينا محبة القريب، و احترام الحياة، و قدسية الحياة، و العلاقة مع الآخر، و الغيرية، و التسامح... عندما تغادر هذه الخصال الكونية يصبح أداة في يد مؤسسة أو سلطة. كانت إرهابية أو غير ذلك. علينا بالحذر...

- لا ينقص الناس أبدا ذريعة ليتقاتلوا. و لكن كيف تفهم أن الدين ما زال يخدم ذلك؟
    - ربما أننا لم نرد بما فيه كفاية. برأيي مازلنا بصدد البحث عن تقارب جديد. لأن العالم لم يكن أبدا مثلما هو عليه اليوم. بقدر ما كان العالم يعيش على صعيد القبيلة و القرية كان الناس يعيشون الدين على نطاقهم.
    - اليوم عندما نقول "العولمة" نقول تقييس كل شيئ. نحن بصدد جعل الدين معياري (مقياسي)، و هذا خطير جدا. ما هو خطير أن العولمة تحث على إسلام معولم و مسيحية معولمة، إلخ.. إن الذي يجري بهولندا و الولايات المتحدة يجري اليوم بسان بول و سان دونيس(*).

- هذا ليس جبرا...
    - ليس جبرا، و لكنه في طور الحدوث. لأن لا أحد بإمكانه إيقاف الأفكار. و هكذا.

- أكيد أنها لا تتوقف و لكنها تتحول.
    - نتمنى أن ما تعيشونه في جزيرة لارونيون غير ما يعيشه سكان أمستردام. اليوم مع العولمة كل الناس تسمع نفس شيئ. تغرق الأخبار كل العالم في تدفق مستمر و قليل من الناس "يرشحون" لكي يفهموا الأشياء...  
––––––––––––––––––––––––––––––––––––––
(*). سان بول و سان دونيس مدينتان بجزيرة لارونيون.

الخميس، 19 مايو 2011

تكاملية الطرق الصوفية

تكاملية الطرق الصوفية

     إجابة على السؤال: إذا عدنا لفكر التصوف ببلادنا، هل هناك تشابه بين طريقتكم العلاوية و الطرق الأخرى على غرار البلقايدية و التيجانية و الرحمانية...إلخ؟ قال الشيخ خالد بن تونس: 

    " لا شك في ذلك، و التشابه يكمن في التكامل، فكل هذه الطرق تكمل ما نحن قائمين به، فالطريقة العلاوية معروف عنها أنها طريقة العصر، فنحن نتميز بهذه الخصوصية و أما الطرق الأخرى، فمنها من تعلم القرآن و الآداب و الأخلاق و يربون على الذكر. فهذا تكامل، فكل زاوية تكمل الأخرى و الجميع يخدم الجميع، فأنا لست علاويا فقط، بل علاويا و عيساويا و درقاويا و تيجانيا، بل و إنني في خدمة جميع المشايخ بدون إستثناء من الشرق إلى الغرب في الجزائر و خارجها ". 

    مقتطف من حوار طويل أجرته جريدة الجمهورية (الجزائرية) مع الشيخ خالد بن تونس، صدرت يوم الإثنين 27 رجب 1430هـ الموافق لـ 20 جويلية 2009 م.

علاقة الإسلام بالغرب و نشأة الحركة السلفية

علاقة الإسلام بالغرب
و نشأة الحركة السلفية

بسم الله الرحمن الرحيم

    قام الشيخ خالد بن تونس يوم 12 مارس 2007 بالجزائر العاصمة بندوة صحفية حضرتها الصحافة، تناولت مواضيع شتى تخص التصوف و الوطن و الشباب و قضايا أخرى. نذكر مقاطع منها تخص التيار السلفي و علاقة الإسلام بالغرب، نشرته بعض الصحف الجزائرية.

     " انتقد الشيخ خالد بن تونس، شيخ الطريقة العلوية، التيار السلفي بشدة، قائلا أن مصطلح 'السلفية' الذي أصبح الآن على كل لسان و ألصق بتيار ديني معيّن، لم يولد في أي مكان من العالم الإسلامي، و إنما ظهر لأول مرة سنة 1883 في مدينة باريس على صفحات مجلة 'العروة الوثقى'، التي كان يصدرها الشيخ المصلح جمال الدين الأفغاني بمعية الشيخ محمد عبده ". (جريدة الجزائر نيوز). 

    و في جريدة الشروق اليومي، و على سؤال حول علاقة الإسلام بالغرب و كيف ظهرت، أجاب بمايلي:
   " لا بدّ من العودة إلى التاريخ، فالغرب لم يقبل أبدا الإسلام في أوربا، والحروب الصليبية و فتوحات المسلمين في أندونيسيا و الأندلس و وصولهم إلى فرنسا في معركة 'بواتييه'، و بناء على هذه الأحداث ترسّب في أذهان الغرب فكرة مفادها أن الإسلام جاء ليغزوهم، و قد قامت الكنيسة بترسيخ هذه الفكرة في أذهان الأوربيين في العصور الوسطى، لكن رغم ذلك لا بدّ من القول إن هناك أوربيين كانوا لا ينظرون إلى الإسلام نظرة الغازي، وكان منهم من تحالف مع المسلمين، ونذكر هنا الإمبراطور 'فريديريك' إمبراطور النورمنديين، الذي كانت ثقافته عربية وكان يتحّدث العربية، و كان ديوانه عربيا، كما أن الكثيرين من علماء و مفكري عصر النهضة في أوربا أخذوا كثيرا عن العلماء المسلمين، مثل ابن سينا و ابن رشد و الفارابي، أخذوا العلوم الفلسفية و الفقهية و الحساب و الهندسة... و لكن بعد أن بدأ الإسلام يتراجع، بدأ الأوربيون يكيدون له، و أُخرِج المسلمون من الأندلس و تعرّضت أراضيهم للغزو، فاحتُلّ المغرب العربي، و بقي العالم الإسلامي يتعرّض للهجمات. و قد انغلق العالم الإسلامي على نفسه و لم يعُد قادرا على مسايرة ما يجري حوله، و هنا لا بُد من الرجوع إلى القرن التاسع عشر، وفترة الاستعمار الأوربي لشمال إفريقيا. فالتاريخ يقول إن أهل النهضة حاولوا تحليل هذه الوضعية و تحسينها و البحث في الأسباب التي قادت العرب والمسلمين إلى الضعف، و كيف السبيل للفرد المسلم أو العربي حتى يعكس هذه الأوضاع، و حاول بعض المفكرين العرب أمثال محمد عبده و جمال الدين الأفغاني و شكيب أرسلان، و حتى الأمير عبد القادر الجزائري الذي فتح بيته في المنفى بسوريا آنذاك لاحتواء المفكرين العرب للنقاش و الحوار في محاولة لتطوير العالم العربي الإسلامي و حتى مسلمي الهند حينها. كما لعب المفكران المسلمان 'محمد عبده' الذي كان مفتيا بمصر و 'جمال الدين الأفغاني' الذي كان وزيرا في أفغانستان، دورا رئيسيا في تكوين حركة النهضة الإسلامية و فكرة الرجوع إلى السلف و الاقتداء بهم. و قد حاولا وضع إجراءات تقدمية في السياسة التربوية لبلديهما بإدخال الحداثة، و هذا ما لم تتقبله السلطة الحاكمة آنذاك، ففر الأفغاني إلى تركيا نهاية القرن التاسع عشر، و واصل محاولاته الإصلاحية ليلقى معارضة شديدة من طرف الخليفة العثماني عبد الحميد و هدد هناك بالعزل و السجن، فشد رحاله نحو فرنسا أين التقى هناك بمحمد عبده الذي لقي نفس المعارضة في الأزهر بمصر، فانتقل بعدها للعمل كأستاذ بسوريا، و بعدها إلى باريس سنة 1883، حاولا جاهدين العمل على كيفية صنع كرامة العالم العربي الإسلامي من خلال دراسة المجتمع الأوروبي و أخذ مثال عن التطور الذي يعيشونه على الأصعدة التكنولوجية، الإدارة و التعليم، و ربطوا ما خلصوا إليه بما كان عليه المسلمون الأولون، و من هنا ظهرت فكرة 'السلفية' بمفهومها الأول حول الانفتاح والنهضة والتغيير في الأوضاع السياسية و الاقتصادية و العلمية في العالم الإسلامي.

    و تدخل الصحافي قائلا :
 لكنها تحولت إلى مقارنة مناقضة ومناهضة لمنهج مؤسسي التيار السلفي؟  

    جاءت هذه من بعد، حيث أنشأ الثنائي 'العروة الوثقى' و جريدة 'المنار' التي كانت تحت إدارة 'رشيد رضا' أحد تلاميذ محمد عبده، و كانت الجريدة التي بدأت في الصدور قد لقيت صدى كبيرا عند المثقفين العرب والمسلمين في الشرق و الغرب، و بدأت معها فكرة الإصلاح، بعد وفاة محمد عبده حمل اللواء 'رشيد رضا' الذي لعب دورا مهما في تغيير فكرة الاقتداء بالسلف الصالح إلى فكرة الانغلاق و التشدد، بعده عقد مؤتمر للدول الإسلامية في مكة في سنة 1925 حيث ترأس المؤتمر الملك سعود، و بدأ التطرف بتدخل الحركة الوهابية، و قرر الاثنان إعانة بعضيهما، و كان لزاما على الحركة الوهابية الدخول عبر مذهب من المذاهب المعروفة 'الحنبلي' حتى يُقبلوا في أهل السنة و الجماعة، لا ننسى التاريخ يشهد أنهم قاموا بتهديم جميع أضرحة الصحابة الكرام، و حتى منزل الرسول الكريم و دخلوا المدينة المنورة، وهموا بتهديم ضريحه لولا انتفاضة المسلمين ضد ذلك، و لولا التفطّن لحدثت الكارثة. و هنا لا بدّ من الإشادة إلى الدور الذي لعبه مؤسس المملكة العربية السعودية، الملك عبد العزيز آل سعود، الذي كان ذكيا وعرف كيف يستقطب هذه الحركة. نحن الآن في سنة 1925، كل العالم الإسلامي تقريبا مُستعمر، و خاصة الدول العربية. لقد جاء السلفيون بأفكار تدعو إلى الدفاع عن الدين والوطن و النفس وعن الهوية العربية الإسلامية، و تزامنت تلك الأفكار مع بروز الحركات الوطنية في الجزائر والمغرب الأقصى بزعامة كل من مصالي الحاج و علال الفاسي و غيرهما، و كانت الفرصة مواتية لأن يستعين الوطنيون ببعض أفكار السلفيين التي كانت تصب في سياق التحرير والاستقلال، وسارت الأمور في نفس الاتجاه حتى الاستقلال.  الحاصل أن الحركة السلفية 'تطعّمت' بتوابل من الحركة الوهابية التي أنكرت الدور الريادي للزوايا حيث كان الحديث ساريا في المجتمع عن الإسلام مرتبطا بتقاليد عميقة بالزوايا التي كانت تدرّس القرآن والتي كان لها دور كبير في بناء المجتمع ".

تطور الإسلام

تطور الإسلام


    استضيف الشيخ خالد بن تونس بإذاعة (راديو سويس روموند) يوم الجمعة 16 06 2006، و أجري معه حوار حول التصوف، و مسار حياته و عمله و قضايا الساعة. نقتطف منه هذا الجزء الذي يخص وضعية الروحانيات اليوم و ظهور الحركة السلفية.  

    ردا على سؤال حول مواجهة الروحانية للدين قال:

    - الدين بدون الروحانية، في رأيي كشجرة بدون ثمار. كل ديانة تستغني عن الروحانية تموت، وتفرغ من جوهرها. إن مواجهة الدين للروحانية في نظري هراء.

- عندما نقرأ لك نفاجأ دائما عندما نكتشف إسلام التسامح الذي تدافع عنه، و كيف يؤدي العقل و الضمير دورهما، و الأهمية الكبيرة كما وصفتها للأخوة. و نتساءل كيف وصلت ديانة مثل هذه، حاليا إلى الوضعية التي صارت إليها؟ و بمعنى آخر كيف أخمدت؟ أي نظرة تحملها لتطور الإسلام؟
    - .... لفهمها يجب العودة إلى الماضي، و كيف غطى الفقه و الشعائر على الروحانية. شيئا فشيئا همش أصحاب الروحانيات. لنأخذ حالة السلفية. فقد نشأت و القليل يعلم ذلك، بباريس سنة 1883 بلقاء رجلين ذوي ثقافة كبيرة هما جمال الدين الأفغاني و الشيخ محمد عبده أحد أكبر مفتيي الديار المصرية. لم ينكرا الروحانية، بعيدا عن ذلك، أعربا عن هذه الرغبة، إصلاح الإسلام، حين كان إسلام الدولة العثمانية يعيش أيامه الأخيرة، و أغلب الدول العربية الإسلامية مستعمرة. حسب نظرهم كان العالم الإسلامي يعيش في الحضيض فأرادوا القيام بإصلاحات بتقديم أفكار جديدة. قاموا ببحث عبر التاريخ و فتشوا في منبع الإسلام، كيف يمكن الإصلاح؟ و ظهر إسم السلف، التأسي بالسلف الصالح. الذي حدث بعدهما، بعد وفاة محمد عبده سنة 1905، وقع سطو، بشكل ما، على هذه الأفكار. و انتقلنا ببطء من الإصلاح إلى الأصولية. بدل الإصلاح إنغلقنا في أصولية أكثر إنحصارا و ضيقا. لنقفز قليلا في الأحداث. مع ظهور حروب التحرير، كان يرى الناس أن توضع الروحانية جانبا، فهناك ضرورة لإقامة دولة و بناء إقتصاد، إلخ...
    الروحانية مرتبطة بالثقافة، وضعت هذه الأخيرة على الهامش. شيئا فشيئا مسخت الثقافة الإسلامية و انتقصت قيمة الروحانية. بعد قيام الثورة الإيرانية و حركة الإمام الخميني و التشيع، أخذت دول الخليج و خاصة السعودية زمام المبادرة للدفاع عن (السنة)، إذ صارت لهم قيادة السنة مقابل صعود فكر الإمام الخميني، أي التشيع الثوري.

- المشكلة أنهم وهابيون و جد أصوليون.
    - هذا ما وصلنا إليه، و خاصة أن لهم الحرمين الشريفين. تخيلوا ملايين الناس يذهبون كل سنة إلى هذه الأماكن و يرجعون بكتب، و ما يقال بهذه الأماكن ليس الخطاب الذي أحمله، للأسف. لا أقول هذا ضدهم، و لكن أحاول تنبيههم لهذا.. قبل ظهورهم كانت مكة ملاذا للمفكرين، مثلا لدينا ابن العربي، ألف كتابه الشهير بمكة، لم يكن بإمكانه كتابته في بلد آخر، كان مضطهدا من طرف السلطة. عندما نكون بمكة يمكننا قول كل شيئ و كتابته. فجأة هذه المدينة التي كانت تحوي كل المدارس الفقهية، عوض بها شيئا فشيئا فكر واحد و شكل واحد لرؤية الإسلام، و غطت التقاليد على الثقافة و المعرفة و الإنفتاح، و أصبح هذا الفكر أكثر إنغلاقا، و هذا منذ عدة عقود، و نجني اليوم كل ما زرع منذ بداية القرن العشرين.

- عندما تذكر هذا للمسلمين هل يسعدهم سماعك؟ أو هل يحررهم هذا؟
    - كل من يملك ثقافة، فنعم. الجامعيون وكل من له أدنى ثقافة يفهم هذه الرسالة، أما الذين تحول لديهم الإسلام إلى إيديولوجية -هذا يعني أنه حدث غسيل للمخ- لا يقبلون حتى عندما يقرون أنها الحقيقة. لا أختلق هذا، ما أقوله حقائق تاريخية، لا يستطيعون سماعها لأن هناك إنغلاق للعقل، إذ لا يجب أن نخطّئ هؤلاء المسلمين المتشددين لأسباب ما، يعتدى على الإسلام من طرف الغرب، و ليس هذا هو الوقت لكي نخطئ الذين يجاهدونه. و نقع في هذه الوضعية التي لا يمكننا فيها ذكر الحقائق، و على حساب حياتنا...

- ما تقوله يثير الإعجاب. بصفتك شيخ طريقة صوفية لك مهمة إيقاظ الضمائر. تقول لنا أمام هؤلاء ليس لي ما اقوم به.
    - لا أستطيع فعل شيئ لأنه لا تتوفر لدينا الإمكانيات. للإسلام الأصولي صدى كبير في الغرب و حتى في الشرق. يشغلون التليفزيونات على مدى اليوم، و الإعلام الغربي يساير خطاهم، لا يتكلم إلا عن إسلام أصولي و تطرفي. و عندما أقوم أنا ببرنامج تليفزيوني أو إذاعي كل ستة أشهر، فهم يقومون بالمئات في الأسبوع. هناك إختلال، و أفكر، ربما مع الوقت سيحصل توازن و قسمة متوازنة. الإسلام ليس الأصولية و ليس التطرفية، فهو بعيد عن ذلك لأن  هذه الفئة أقلية. مشكلة الإسلام ليست الأقلية مهما كانت عنيفة، فمشكلته تكمن في الغالبية الصامتة.

حاورته الصحفية كاترين إيرارد

الثلاثاء، 10 مايو 2011

إنطلاق شعلة أمل المواطن

إنطلاق شعلة أمل المواطن


    تنظم الكشافة الإسلامية الفرنسية هذه السنة الطبعة الخامسة لشعلة الأمل. ستخصص هذه المرة للمواطنة. 

    من 07 مايو إلى 24 سبتمبر 2011 ستجوب حافلة بألوان الحدث التراب الفرنسي، و تتوقف بـ 15 مدينة كبيرة و ضواحيها منها العاصمة الفرنسية باريس، و العاصمة الأوروبية ستراسبورغ، بدعوة الشباب الفرنسي و الأوروبي عن طريق التبادل و اللقاء و الحوار إلى أخذ مكانه في القرارات السياسية التي تهم مستقبله.

    يقول الشيخ خالد بن تونس " لقد قمنا بعدة ملتقيات، و في كل مرة كنا نسأل الشباب لماذا لا تشاركون في قراررات مدنكم في البلد الذي ولدتم فيه و تحملون جنسيته. ما تلقيناه أنهم لا يفهمون لماذا ينتخبون. يقولون أنهم إذا انتخبوا أو لم ينتخبوا لن تتغير الأمور. و نحاول أن نقول لهم لا. تحركوا قد تتغير الأشياء ".

    يحمل الناخبون الصغار عبر كل مدينة بالتناوب المشعل (و هو المشعل الرسمي للألعاب الأولمبية بأثينا) الذي أعارته مشكورة بالمناسبة اللجنة الوطنية الأولمبية الرياضية الفرنسية. و تأتي هذه المبادرة ضمن إطار السنة الدولية للشباب الذي أعلنته الأمم المتحدة في قرارها (134/64)، و السنة الأوروبية للتبرع و التطوع.  و في كل مدينة يعبرونها سيسلط الضوء على عملية تجديد النصب التذكاري للحرب بشعلة الأمل للمواطن...

    الغرض من هذه الدورة هو تشجيع المشاركة المدنية و الإنتخابية للشباب و لسيما شباب الأحياء و الضواحي، الذي لا يميل إلى التصويت و يحرمون أنفسهم من حقهم الإنتخابي، و كذلك التبرع بالدم حتى يكون لها أكثر معنى.

   في هذه الوضعية المقلقة التي تعيشها الأمة، يقول الشيخ خالد بن تونس " التهجمات التي تدخل ضمن السياق السياسي هي كل شهر أو حتى كل خمسة عشر يوم، و تعني الإسلام و منه التركيبة المسلمة و الأمة الإسلامية. و نحاول نحن أن نقول لا. إن المسلم مواطن كامل الحقوق و ليس مواطن مهمش ".

    تحت شعار " أنتخب إذن أنا موجود" إنطلقت يوم 08 مايو من مدينة روبي شمال فرنسا الحافلة التي تحمل الشباب الذين سيجوبون مختلف المدن الفرنسية لدعوة الشباب إلى المواطنة و استعادة الشعور بانتمائهم إلى جسد الأمة و أوروبا، وكذلك تحسيس المنتخَبين بالإمكانات الكبيرة التي يمثلها الشباب و أهمية الإستماع إليهم و التقديم على عجل حلول ملموسة لتحسين وضعيتهم و ضرورة تهدئة مشاعرهم لتخوفهم من المستقبل.

    سيكون للشباب خلال هذه الدورة فرصة لزيارة مجلس الشيوخ، و المجلس الشعبي الوطني، و المجلس الأوروبي، و ستقام دورات رياضية و مسرحيات و حفلات موسيقية.

    من هذا اليوم حتى يوم 23 سبتمبر، يود فريق الكشافة الإسلامية الفرنسية و حلفائه الإلتقاء بأكثر من 50000 شاب و إشراك ألف منتخَب فرنسي و أوروبي في العملية.

منقول بتصرف من عدة منابر إعلامية.