الثلاثاء، 19 أكتوبر 2010

علاج النفس، الفصل السادس: الحالات الثلاث للنفس، قصة الخضر مع موسى


قصة الخضر مع موسى

    قد نظن أن هذا الكائن الذي بلغ هذا المقام، لا يقوم بأي إساءة في نظرنا، إلا أن الأمر ليس دائما كذلك. قد يقوم الكائن المطمئن بأفعال تبدو أنها فاضحة. يروي القرآن (الآية 68 من سورة الكهف)، بالتفصيل قصة تعلّم موسى من الخضر عليهما السلام. أين تظهر أفعال هذا الأخير غير مفهومة و مثيرة للإنكار. 

    "فوجدا عبدا من عبادنا أتيناه رحمة من عندنا و علمناه من لدنا علما قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا. قال إنك لن تستطيع معي صبرا و كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. قال ستجدني إن شاء الله صابرا و لا أعصي لك أمرا. قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيئ حتى أحدث لك منه ذكرا. فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها. قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا. قال لا تؤاخذني بما نسيت و لا ترهقني من أمري عسرا. فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله. قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئيت أمرا نكرا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا. قال إن سألتك عن شيئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه. قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا. قال هذا فراق بيني و بينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطيع عليه صبرا". (الكهف، 65-78).

-         يغرق السفينة و معها الصياد الذي حملهما، موسى و هو، بدون ما يطالبهما بمقابل، و يعلم أنها مصدر رزق وحيد له و لعائلته، و كعرفان له قام بإغراقها.
-         يقتل طفل و يرتكب جريمة، إنه الأمر أكثر شناعة.
-         يبني طوعا حائط في قرية أبى أهلها أن يضيفوهما، أو حتى إعطائهما كأس ماء. انزعج موسى و لم يفهم أفعال رفيقه.
    بقراءة هذه الآيات القرآنية يتضح مفهومان يبدو أنهما متعارضين: الشريعة (القانون) مجسدة من طرف سيدنا موسى الذي يمثل العدالة الزمنية، و المعرفة اللدنية التي يملكها سيدنا الخضر. يتبع موسى بدقة أحكام الشريعة التي تحكم على الفعل الظاهري حسب البينة. أدان أفعال الخضر من وجهة نظر شرعية، لأن معرفته محدودة في عالم الملك، و الخضر يعمل و يتلقى علمه و معرفته من عالم الملكوت. لا يهدم من أجل التهديم، و لكن بالعكس لتوقي شر مستقبلي، قام بهذا التصرف. فهو يمثل طريق العارفين الذين يتصرفون بإدراك روحي، و لا تحدهم القوانين التي تدير العالم الأرضي. سيبين الخضر لموسى لاحقا أسباب و آثار أفعاله. لقد أغرق الخضر السفينة ليمنع ملكا، محاربا من الإستيلاء عليها، ليعبر بجيشه لغزو بلد مجاور. بإغراقها في مياه أقل عمقا أبعدها عن أعين الغزاة، و أنقذ كذلك البلد المجاور و حتى الصياد نفسه. إذ لم يدمجه الملك قهرا في جيشه. إضافة إلى ذلك، فسفينته بقيت مخفية، مع إمكانية التوصل إليها، و يمكن إصلاحها بعدما يرحل الملك و جيشه.

    أما فيما يتعلق بقتل الطفل، فهذا الفعل يبدو إجراميا و في غاية الخطورة. و رغم ذلك فللخضر أسبابه. فقد رأى في الطفل كل الشرور التي سيقوم بها بعد بلوغه.
    فأما الجدار المبني فقد كان يحمي تحت أساسه كنزا مخفيا ، يملكه يتامى. لم يكن يريد سيدنا الخضر للجدار أن ينهار ويكتشف القرويين الغير مضيافين، الكنز. بإعادة بناء الحائط أعطى لليتامى الإمكانية، بأن يسترجوا كنزهم بأنفسهم عندما يكبرون.

    تبين لنا هذه القصة، كم يجب أن نكون حذرين من المظاهر، و نتحفظ من كل حكم أخلاقي مسبق. لم تكن إدانة موسى للأفعال الثلاثة للخضر منصفة في الظاهر، إلا أنها أصبحت كذلك، لما تبينت له الغاية منها.
    لنذهب أبعد من ذلك في التوضيحات التي توفرها لنا هذه القصة، بالنسبة لتاريخنا، و للوضع الحالي للإنسانية. نجدها تمنح نظرة أخرى. هل يمكننا إنقاذ شخص من أي خطر مستقبلي، إن لم يكن لدينا علم يقيني أو معرفة تبصرية؟ هل يحق لنا التصرف بطريقة وقائية و نتسبب في أضرار أقل، لتجنب ضرر أكبر؟ نحن أمام وضعية تدعونا إلى حذر و يقظة كبيرين و وعي عالي، و أن نكون فيها، متحررين من أي مصلحة شخصية، لها طموحات مكسبية محضة.

    فالوضعية الثانية تقودنا إلى التفكير حول المصير المدخر لكائنات بريئة، و لكنها تعتبر خطيرة في عيون البعض. لتغليب مصلحتهم الخاصة و مصلحة المجتمع، يفضلون الحكم عليهم بالعقاب قبل الأوان أو القضاء عليهم. هكذا في كل زمان و مكان عذب أناس أناسا آخرين، بحجة أنهم لا يتقاسمون معهم نفس القيم و المعتقدات. و لكن على أي قانون، و أي علم، و أي حقيقة، يستندون الذين يقومون بإبادات و مجازر؟ قد يبدو العمل الإجرامي لسيدنا الخضر مثيرا للإنكار، في نظر المعيار الأدبي العام، إلا أنه يضع حقيقة الإنسان، أمام نقائصها وتناقضاتها. ففي تاريخ الإنسانية، كم من بذرة سيئة قلعت و حطمت، قبل أوانها من طرف أشخاص معجبين بأنفسهم، و عديمي الذمة، غير مترددين في استخدام مصطلح المصلحة و الإيديولوجية أو الدين و الجنس في سبيل ذلك؟ لا يحق لأي إنسان أو مؤسسة أن يدعي الحق، على حياة أو ممات أمثاله، مهما كانت الأسباب المقدمة.

    ختاما، فإن المشكلة الأخيرة المطروحة من طرف شخصيتنا اللغز، تكمن في الحرص على الحفاظ، على ممتلكات الأجيال القادمة، حتى و لو كانت أجيال اليوم، تتصرف بطريقة غير مسئولة. لنتيقن أن حكيمنا من خلال الدروس التي قدمها لموسى، لم يرد سوى جعلنا نفكر في أفعالنا و تصرفاتنا، في وضعيات تبدو لأول وهلة بائنة لشدة وضوحها، و نقوم معتقدين أننا نحسن صنعا، بارتكاب المتعذر إصلاحه. 

    ها هو المعنى الذي تدعو إليه الإشارة القرآنية: اجتناب القيام بأقبح الأعمال، مبرئين ضمائرنا، حتى نكون في سلام مع أنفسنا. لكن في مقام النفس المطمئنة، يزول منظور الشر من أصله.  يجب أيضا أن لا نخلط القضية، فإن الأمر لا يتعلق بأن نكون بمثابة شاهد محايد، عما يحدث من حولنا. يبقى العمل في الدنيا واجبا.
 "من رأى منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه و إن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان". حديث شريف.

    لا يزال هذا الحديث جد معاصر، يجب تغيير دائما الظلم و المنكر، و لكن الأهم، هو كيفية القيام بذلك. فطريقة معاجة الشر هي التي تتغير. و من ثمة، يجب العلم، بأننا لا نعالج شرا بِشَرّ.و هذا صالح بالنسبة لنا، و كذلك بالنسبة للمجتمع و البيئة اللذين نعيش فيهما. لا يمكن تغيير المنكر باستخدام منكر مماثل. بل نلجأ إلى استخدام الخير، و لو كان هذا الخير يعتبر في وقت من الأوقات أنه شر.

   على ضوء هذه القصة القرآنية، يجب أن نتحفظ عن الإستنتاجات المستعجلة، و عن الإدعاء بأن الغاية تبرر الوسيلة. حسب معارفنا الحالية، لا شيئ يجعلنا نجزم بعدم وجود طاقة، غير متوقعة في الإنسان تجعله قادرا على اكتشاف الطبيعة المخفية للأشياء، ربما سيتبين لنا ذلك مستقبلا، في يوم من الأيام. قصة سيدنا الخضر لغزا، يدعونا إلى البقاء متواضعين، أمام الحقائق الجديدة التي هي في طريق الاكتشاف. 


علاج النفس، الفصل الرابع: تربية الجوارح، الحفاظ على الميثاق الآدمي

الحفاظ على الميثاق الآدمي


    نحن سائرون نحو عالم، سيعرف تحولات عجيبة في ميدان الإنجاب. فاليوم تستطيع المرأة أن تنجب، بواسطة التلقيح إصطناعي، دون الحاجة إلى رجل، كما يمكن للطفل أن يتواجد في بعض الدول التي تسمح قوانينها، بأن يكون لديه أُمَيْن أو أبَوين. لن تعود العلاقة الجنسية بين الرجل و المرأة ضرورية للتناسل.‏ ستبقى مخصصة فقط للمتعة، و الشهوة الجسدية الفورية.

    تتوجه الإنسانية دون شك، نحو برمجة الحياة و التحكم في تطورها البيولوجي. لقد سبق و أن تكفلت مراكز مختصة بعملية الإنجاب و تسييره. لقد أصبح الأمر مسألة مال، يمكن للأزواج الذين يستطيعون أن يدفعوا، أن يشتروا الطفل الذي يرغبون فيه. تعطي الهندسة الوراثية إمكانية تغيير جينات الجنين، للحصول على كائن مقدر له أن يكون سليما، مع خصال جسمية خاصة. تغيير كبير بصدد الحدوث. سنشهد نشأة نظرة جديدة للإنسان، و نوع آخر للأخلاق. أطفال ليس بالضرورة آباؤهم من أنجبهم. ما هي عواقب هذه الإبتكارات على مستوى خلية العائلة و تكوين الذات؟ لا نستطيع معرفة النتائج إلا بعد عدة أجيال. من هذه الناحية، نحن نتجه نحو مستقبل غامض. ربما سيحصل إنقطاع بين الإرث البيولوجي الذي تلقيناه، و الإرث الثقافي الذي سنُورّثه. ألسنا على وشك حدوث تغيير جذري، سيهدد توريث الذاكرة، و البنوة، و الإنتماء إلى جماعة أو أمة، و البنيات القاعدية لتاريخ الإنسانية، الضامنة لتنوع الإنسان، و غناه الأخلاقي و الثقافي؟

    يمكن أن تشعر الأجيال التي ستخلفنا أنها غير معنية بهذا النوع من المسائل، و لن تحرص على إدامة إرث التناسل الجنسي. سيعتبروننا بدون شك كائنات أقل تطورا: في حين أن الطبيعة هي التي تسير تناسلنا، و بالنسبة لهم فإنها لا تقوّم إلا بإرادة طبية، أي إرادة علمية مبرمجة. و من المفترض أن يحصلوا على أشخاص أكثر ذكاءا، و يقضون على الأمراض الوراثية، و يزيدون عمر الإنسان، مما يزرع لهم شعورا بالإستعلاء. من المحتمل أن هذه الإنقلابات، ستنشئ لدى الأجيال القادمة ضربا من الروح النخبوي و الطبقي، و سيُتعامل معنا كما تعاملنا في القرن التاسع عشر مع "المتوحشين" و الأهالي. سترى الأجيال القادمة  نفسها أكثر رقيا و فطنة و ذكاءا من أسلافها. و لكن هل سيكونون بذلك أكثر إنسانية؟
    مقابل هذا، سنكون مخطئين إذا إعتقدنا أن الأمر يتعلق فقط بعلم الخيال. و من الجدير بالذكر أن دور الجنس هو التناسل. يجب أن نلقنه بدورنا، بالكيفية التي تلقيناه بها. يعتمد هذا التحذير بالجملة على العهد الآدمي الذي يربطنا بالله منذ خلق أول إنسان.
"و لا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون". (النحل، 95).
   
    لنسعى إذن دائما، أن يبقى مستقبل الإنسانية مدونا في هذا المنظور، إن شئنا الإستمرار في تلقين الأمانة كما تلقيناها.



الجمعة، 15 أكتوبر 2010

علاج النفس، الفصل الرابع: تربية الجوارح، الجنس و الزواج في الإسلام


الجنس و الزواج في الإسلام

    ليست الممارسة الجنسية بطابو في الإسلام، حتى و لو أن الوضع تغير اليوم  كثيرا في هذا المجال. بالعكس، هو فعل محمودا، إذا ما تمّ في الشفافية، و هو العنصر الذي يسمح باستمرار الحياة، و العامل الذي يقود إلى انسجام باطني كبير.
     ما هي تربية اليقظة في حياتنا الجنسية؟ هي أن نقوم أثناء الممارسة الجنسية، بتوريث كذلك حالة شعورنا. من هنا، يجب أن نميز بين الجنس الطبيعي التي يجلب المتعة فحسب، و الفعل الذي تستمر به الحياة. يذكرنا هذا  الفعل بأهمية و نبل الإقتران بين كائنين. من هذه الناحية، لا يتوقف الجماع عند الشهوة، و لكن يصبح القناة التي ينتقل عبرها الشعور من جيل إلى جيل. سيكسب الكائن الذي يتصور أثناء الجماع، حالة شعور خاصة، يرثها من أبويه. لو أن أثناء الجماع، جعلنا رغبة شديدة في إنجاب ولد صالح روحي، فإننا سنوفر له كل الحظوظ ليجيء إلى العالم، حاملا معه هذه الحالة من الوعي.
    فعلى المستوى الكوني، يجد الجماع حقيقته، بما أنه يعلن عن ديمومة الحياة. تتواجد النظرة الصوفية في الجنسانية عكس منظور المعصية الأولى، و إنما هي عمل محمود مضطلع به، و يُعدّ من علاقات الزوجين و المجتمع. و لعل الشيئ الذي يشترطه الإسلام هو الشفافية. فمؤسسة الزواج ليست سر مقدس، و لكن عقد بين كائنين، يمكن فسخه باتفاق مشترك، أو إذا لم يؤدي أحد الزوجين دوره. تشترط الشفافية عقدا مفسرا و مفصلا، له قيمة قضائية محقّقة، في الوقت الذي يقرر كلا الطرفين الإلتزام بالقاعدة. يمكن ملاحظة ذلك في عقود الزواج من القرنين الحادي عشر و الثاني عشر مكتوبة أحيانا في وثائق ضخمة، تحتوي غالبا، كل شروط العقد بين كائنين. و هكذا أروى زوجة المنصور، اشترطت على زوجها كتابا يتعهد فيه، بأن لا يتزوج إمرأة أخرى و لا يتخذ إماء ما دامت حية. ندم الخليفة على قراره و أراد إبطال العقد. و لكن زوجته رفعت قضيتها إلى قاضي قضاة مصر الذي حكم لصالحها، فقد قدمت له أروى في يده عقد الزواج الذي يحوي الشرط.
    بإمكاننا أن نتساءل عن المكانة التي كانت مخصصة للمحبة في هذا النوع من العقود. عموما نتزوج محبة و تعلقا. إن تأسيس الزواج على المشاعر الغرامية قد يكون مجرد وهم، لأن كل محبة فانية، إذا لم تحمل معها أسباب المحبة الروحية. يميز ابن عربي نوعين من المحبة، و هما الحب الطبيعي الذي يشترك فيه الإنسان مع غيره من الدواب و الحيوان، و الحب الروحي الذي يميزه عن الحيوان. و عليه يرى ابن عربي وجود ثلاثة أنواع من الحب لا أكثر: الحب الرباني، و الحب الروحي و الحب الطبيعي. فالحب الرباني هو حب الله تعالى لعبده، و قد يندرج ضمن هذا الباب حب العبد لربه. أما الحب الروحي فهو تسرع المحب لإرضاء محبوبه، دون أن تحول أي رغبة أو إرادة بين المحب و المحبوب، بل يكون المحب رهين إرادة المحبوب. أما الحب الطبيعي فهو الإستعجال إلى إشباع الشهوة، سواء كان فيها إرضاء المحبوب أو سخطه. و يضيف ابن عربي أن أكثر الناس اليوم رهائن هذا النوع الأخير من الحب.

    إذا خصصتم المحبة لشخص واحد فقط، قد تفقدون طعم الحياة بفقدان هذا الكائن. هذا الشيئ الأول. إذا ضيّعتم هذه المحبة هل يمكن أن تحبوا من جديد؟
    إن اعتبار الزواج نوع من أنواع العقود، يمنح للزوجين حرية أكبر للطلاق و إعادة الزواج. في السابق كان الناس يستطيعون إعادة تشييد حياتهم دون الإصطدام بالتقاليد، و لا التعرض لمأساة عائلية.
    هذه حالة سكينة، حفيدة الخليفة علي ابن أبي طالب، تزوجت على الأقل أربع مرات، حتى لو أن المصادر تختلف في ترتيب أزواجها و أسمائهم . كانت هذه المرأة ذات جمال فذ و صاحبة أناقة كبيرة، فإنها لم تتوان في فرض على طالب يدها، زيد ابن عمرو، شروطا عند عقد الزواج، تتزوجه بشرط، أن لا يطلقها من نفسه، و لا يتزوج إمرأة أخرى، و لا يرفض لها طلب، و يتركها تعيش أينما تريد، و لا يعارضها، و إلا يطلقها عند طلبها.
    للأسف يوجد اليوم تصور مختلف كلية في العالم الإسلامي عن الجنسانية و الطلاق. يعتبران عاملا فتنة، و هذه هي الفتنة الكبرى التي تكلمنا عنها من قبل. إذا علّمنا شخصا الإستماع، و الفهم، و الكلام، و التغذية، فيجب أيضا أن نعلمه، آداب الحياة الشعورية و الجنسية.
    فيما يتعلق الجنسانية، يبدو أن الإسلام أكثر واقعية اتجاه متطلبات الطبيعة البشرية. بمعرفته الجيدة لنفسية الكائن، أتاح هذا التقليد للإنسان، بأن يعتني بهذا الجانب من نفسه، في زمن كان  الأمر محظورا في بلاد الغرب. في الأزمنة الأولى للإسلام، لم يكن الحديث عن الجنس يسبب حرجا، و حرية كبيرة في التعبير كانت مسموحة في شأنه. في مؤلفه حول الزواج، المؤرخ في القرن الحادي عشر الميلادي، واجه الإمام الغزالي علانية هذه المسألة. كان يسرد دقائق الحياة الجنسية أمام الآلاف في المسجد، أما اليوم فمن المستحيل التكلم بحرية عن الموضوع بهذه الأماكن. انظروا كيف عكس الإنحطاط المعنى الحقيقي للأشياء. الإسلام هو الديانة الوحيدة التي صيغ بها نص، يشرح فيه للمؤمن بأن لا يحرج و لا يخجل عند الخوض في أي مسالة.
"لا إكراه في الدين". (الحج، 78).
    مادام الإنسان إنسانا، يبقى الفرْج جزءا من نفسه، و يجب عليه أن يعتني به كغيره من أعضاء جسمه. من المهم جدا للإنشراح الشخصي، أن يتحاور الوالدان و المجتمع مع البنت و الإبن عن الجنسانية، و المسؤولية التي تترتب عنها، والجمال و الإنسجام اللذين يوفرهما.


علاج النفس، الفصل الرابع: تربية الجوارح، البعد المقدس للطعام

البعد المقدس للطعام

    إن مصطلح "جوارح" في اللغة العربية، كلمة محتملة المعنى، يمكن أن نمنح لها عدة ترجمات باللغة الأجنبية، الجرح، الجارحة أو الجراحة أو التجريح. يجب أن نشير إلى ازدواجية هذا المصطلح، الذي يرجع بنا في آن واحد إلى معنى الجراحة و الجرح. تسمح لنا الجوارح بأن نكون على اتصال بالعالم، و أن نشيد أنفسنا، إلا أنها في نفس الوقت، تخضعنا للضعف و تعرضنا للآلام و عنف الآخرين. نفس الشيئ بالنسبة للطعام الذي نتناوله، قد يزيدنا قوة، أو يسبب لنا المرض أو التسمم. لهذا نصح الرسول صلى الله عليه و سلم بالإعتدال في الطعام اليومي "إياكم و البطنة فإنها تقسي القلب".
    تجعلنا تربية اليقظة في حال من الحذر، يؤدي بنا إلى التفطن لما هو أحسن للجسم و للنفس. عندما نعتبر المعدة حاسة بحد ذاتها يمكن تربيتها، فإن علاقتنا بالطعام ستتغير كلية، و يصبح الطعام عندئذ مصبغا بالقداسة، حيث أنه سيدخل و يندرج في هذا المعبد الحي، الذي هو الجسم. في هذا النطاق، تدفع بنا حرمة هذا المعبد، إلى اختيار الطعام الأكثر نفعا له. إذا كنا نتوخى الحذر في طعامنا، ليس بسبب المحظورات أو المحرمات، أو لتسكين الجوع، و لكن لاجتناب إختلال في البدن، الذي هو قاعدة و مركز الضمير، الذي يسكنه. الطعام طاقة تغذي الجسم، و أيضا طاقة تبقي حالة شعورنا في كامل نشاطه
   يساهم أدب الطعام و الطهارة الذي أتى به الإسلام، في تربية اليقظة، و توليد شعور بقدسية الجسم. تعطي بعض التمارين النسكية، إنطباع أن الجسم نجس، و رغم ذلك يبقى دائما، مكان إقامة الروح الإلهية. سواء كان الجسم حيا أو ميتا، و كيفما كانت طبيعة أعماله، سيبقى رمزا للنفس و الروح اللتان تنشطانه. فالإعتداء عليه، يعد اعتداء على خليقة الله.
     تصبح حواسنا وسائل يتغذى منها كل كائننا. الإستماع إلى قطعة موسيقية، و تأمل منظر طبيعي، و شم شذى زهرة و استنشاق رائحة طبق شهي، هي كلها طرق لتغذية روحنا و بدننا. تغذينا الجوارح على الدوام بما هو حسي و كذلك بما هو لطيف. ليس الغذاء ما يمر بفمنا أو يملأ بطننا فقط ، بل هو تلك الطاقة التي نتحصل عليها بطرق و أشكال مختلفة. غالبا ما يكون تصورنا للطعام محددا، في حين أننا نتلقى الطاقة التي تبقينا على قيد الحياة، من عدد وافر من الأطعمة، بقدر ما هي أرضية، و فكرية، و غرامية، فهي روحية.
يقول الصوفية "من ذاق عرف". في حين يعتبر الغزالي، الذوق الروحي، بمثابة تحول المعرفة إلى حال نفسي، يعرف المرء الشيئ أولا في كليته، ثم يعرفه في جزئياته، من خلال التجربة و الذوق، و عندئذ تصبح معرفة الشيئ بالنسبة إليه، حال نفس قد امتزج بسره.
    ترتكز مقاربات أخرى للتربية على إفقار الملكات الحسية، بل و كبحها بنمط حياة أو سيرة أخلاقية تخضع الحواس لمعايير صارمة و موحّدة. لا ندرك إلى أي مدى يجعلنا هذا النوع من التربية، ليس فقط معرضين لهجوم العالم، بل و غير مستقرين نفسيا، سواء على مستوى الشخص أو المجتمع. ذلك أن الفرد، يصبح غير واثق بحواسه، مفضلا التمسك بمعتقدات أو بقواعد أو بسلوك، يفرض على الجميع نمطا موحدا للفعل و الفكر.
    في المقابل، فإن في التقليد الصوفي، يُعرف الحلال بأنه كل ما يقربنا، و يدفع بنا نحو اكتساب النور الفطري، عن طريق الحرية و المسؤولية. أما الحرام، فهو ما يعرقلنا و يقيدنا بتقاليد و أنماط إجتماعية، علمانية أو دينية، تبعدنا عن الله. ليست الحواس في حد ذاتها حسنة أو قبيحة، فهي ملكات، يجب أن تطور بتربية إيقاظ، حتى يستنير تمييزنا، و نعرف السلوكيات التي ترجعنا إليه سبحانه و تعالى، و نجتنب السلوكيات التي تصرفنا عنه.
     يجب العلم، أن النية، هي التي تسمح أصلا، بالتمييز و التوضيح بين الحلال و الحرام. و عليه تبيح لنا الشريعة، عند الضرورة تناول أشياء كانت محظورة بالأمس، أو الإفطار عند خوف المشقة، أو حتى التقصير في الصلاة عند السفر.
    تندرج هذه الحرمة في إطار التجربة المعاشة، و لا يقتصر معناها على المجال الأدبي أو الفقهي. يوجد فويرق مهم، تجدر الإشارة إليه. لا يمكن الإعتماد على قاعدة "للضرورة أحكام"، كي نتجاوز المحظورات، و نتعدى على المحارم. يمكن ربط هذه الملاحظة، فيما يخص تحريم المخدرات، على سبيل المثال، فالشريعة تمنع استهلاكها لأنها وسيلة لفرار الواقع، من خلال تذوق سعادة وهمية، مفسدة بذلك حالات الشعور، كما أنها مضرة بصحة الإنسان. و لكن، يمكن إستعمالها في بعض الحالات لعلاج أمراض، و تخفيف آلام حسية. انطلاق من هنا، يبقى صدق النية، في آخر المطاف، الصلة الأساسية التي تصلنا بحال القداسة، و يبقينا في علاقة دائمة بها.
    ما دامت حواسنا معرضة دائما لكل أنواع التجارب، يجب عليها أن تبقى دائما يقظة، لكي لا يذهب هذا التعرض هباءا. تشتغل حواسنا ليلا نهارا، و تتلقى معلومات باستمرار. لكننا لا ننتفع إلا قليلا من عملها، حيث أن أكثرنا،  يجهل وجود تربية إيقاظ في متناول الجميع. نظن أن الأمر يتعلق بتعليم صعب التحصيل لتعقده و تجرده. ننسى أن هذه الحواس مسترعاة في المقام الأول بالتجربة الروحية.

الخميس، 14 أكتوبر 2010

تربية الجوارح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه و سلم. أما بعد:
    نواصل نشر ما كتبه الشيخ خالد عدلان بن تونس في كتابه "علاج النفس"، الذي خص فيه تربية الإيقاظ ببحث كبير. بعد قراءة هذا الكتاب يكتشف القارئ  مختلف مناحي تربية الإيقاظ العزيزة على الصوفية. بدأ الشيخ خالد بن تونس الفصل الأول "نور على نور" بهذا البيان لجلال الدين الرومي الذي يعرف الإنسان بقوله "الإنسان برزح بين النور و الظلام".
    الوصول إلى الله هو الوصول إلى الشعور به، بتربية التيقظ نوصل حواسنا إلى الإدراك أكثر هذا النور الإلهي. نخصص في هذا الصدد فقرتين من الفصل الرابع،  "تربية الجوارح" الذي قال في بدايته "ما كنا لندرك شيئا عن أنفسنا و لا العالم، لو لم يوجد سابقا نور جوهري قادر على أن ينير ذاتنا و أحوالها الكثيفة و اللطيفة. بالتعمق في معنى النور، نلاحظ أن كل نور مستنير من ذاته من طرف نور آخر أعمق منه و ألطف، و من المعلوم أن أكثف الأنوار هو ذلك النور الذي ندركه بالحواس". و أضاف الشيخ خالد بن تونس في فقرة "الجوارح السبعة" قائلا " الحواس و تسمى كذلك الجوارح، و في الغرب، يحدد عددها بخمس حواس، و يعترف التقليد الصوفي بوجود إثنتين إضافيتين هما: البطن و الفرج (الجنس). لدينا إذن: حاسة السمع، و البصر، و اللسان (الذوق)، و الشم، و اللمس الذي يرتبط باليد و الرجل، إضافة إلى حاستين أخريتين هما: البطن، بالضبط المعدة و الجنس (الفرج). بواسطة هذه الحواس السبعة، يستشعر الإنسان حسيا العالم الذي هو في تداخل معه. لكن كيف نربي و نيقض حواسنا، لكي نرفع الحجب حول سر الحياة و سر أنفسنا؟ إذا كانت الحواس بالنسبة للتصوف وسيلة ضرورية لاستشعار العالم، فإنها كذلك حجب تحدنا، و مصدر علم لا يعوض مُزدوِج: في الآن نفسه، هي ضرورية لتطوير ذاتها، و تساهم في حجب الحقيقة ".
    نختار من هذا الفصل فقرتين، و حاستين للتهذيب هما:
- البعد المقدس للطعام.
- الجنس و الزواج في الإسلام.

الأربعاء، 13 أكتوبر 2010

علاج النفس، الفصل الثالث: التوحيد و طريق الوسط، فخ العالم المعياري

فخ العالم المعياري


    إن المجتمع الذي يتكون من قيم و مؤسسات، لا تشجع على تنمية نوعية العلاقات الإنسانية و الخصال النفسية، سيولد لا محالة شهوات مبالغ فيها، و مخاوف لا يمكن التحكم فيها. حتى يصبح العنف و الخوف و الغلو، بعد عهد قريب، الدليل الوحيد، الذي يحدد السلوك الإنساني في هذا المجتمع. سواء تعلق الأمر بالإشهار، أو بالتلفزيون، أو بالأفلام، أو بمختلف مظاهر التربية المعاصرة. كل هذه العوامل تسعى إلى تقوية هذه الظاهرة، و دفع الشباب إلى المزيد من المنافسة و الاستهلاك. لا تنمي فيهم هذه الأمور، إلا طعم المال و الشهرة، و الإفتتان بقيم فانية، تهدف إلى توحيد نمط العيش و الفكر، الذي يسبب لهم على المدى الطويل، إحباط كبير. هناك مهارة فائقة للمجتمعات المعاصرة، مدعمة بالعولمة الإقتصادية، للقيام بخدعة بسط، بدون حد، للحريات و الحقوق الفردية، في حين أنها تشيد نوعا جديدا من الإستعباد، ينخرط فيه المزيد من الأفراد يوما بعد يوم. فانعدام النموذج الإجتماعي البديل، يجعل المجتمعات تتبع معيارا موحدا و محددا و معقدا. 
 
    نشهد أحيانا، ظهور ردود فعل عنيفة، و فجائية ضد مؤسسات المجتمع و ممثليها، و أحيانا أخرى، أزمات هوية و روحية، كلها تشترك في رفض العالم. أصبح الفرد مقتنع أنه يعيش في عالم صراع و عدوان، و يشعر أنه غير مفهوم، و وحده ضد الجميع، من دون أن يتبيّن أن رغبته في التحرر من الواجبات المعيارية، هي نفسها مغذية بكل أنواع الخوف المصطنعة، و المحافظ عليها بكياسة، من طرف وسائل الإعلام الضخمة، و ممثلي  السلطة، و كذلك المنظمات الدولية. ينخدع بجهل، بتعددية حقائق هذا العالم الذي تدفعه إلى أن يعيش حياة جنونية و مبعثرة. يوحي تصرف مثل هذا أن هناك حالة يأس حقيقية، يعتقد الإنسان أنه يستطيع التخلص منها باللجوء إلى العنف. إن التمرد الوحيد و الحقيقي ضد الوضعية الحالية للإنسان، لا يمكن أن يمر، إلا بثورة صامتة و باطنية، تمكنه من التحرر من العوائق المعيارية، حيث يصير شاهدا و كفيلا على روح نبله، و لما على فتوة روحية. لقد وجد زمان كان الحكام يدعون فيه الشعوب إلى الثروة، و ربما سيأتي زمان يدعونهم فيه إلى مكارم الأخلاق.

    بواسطة إيقاظ الشعور، يمكن تحقيق هذا التحول الروحي على المستوى الشخصي و الجماعي، للتحرر من القبضة الهدامة للتعدية. إذا كنا نعيش فعلا في عالم تسوده تعددية اللغات و المعارف و الثروات، فلا يمنعنا ذلك من إعطاء معنى لوجودنا، إن تعلمنا من خلال التربية الروحية، كيفية العودة إلى مبدأ التوحيد. سيشاهد الإنسان الذي اجتهد طيلة تربيته على تغذية ضميره، بأن الكثرة لا تؤدي في الحقيقة، إلا إلى الواحد. ستة ملايير كائن يلخصون في كائن واحد: آدم. من هو آدم؟ هو نفسه. و ليست نفسه إلا هو. المبين.
    يؤدي بنا الفرار من الواقع، و إنكار الغير، بالضرورة نحو النضال في حزب أو الإنخراط في طائفة، أو إعتناق دين، أو الإنضمام إلى جماعة. دائما ما نقول "أنا ضد الجميع"، أو "أنا مع البعض و ضد البقية". ليست هذه المعارضة سوى وهما، سقط فيه الجميع، و أصبح يعتبره أمرا طبيعيا. رغم ذلك يجب أن نتذكر دائما تلك الرابطة اللطيفة التي تربط الكائنات ببعضها البعض. حتى و لو أن بعض اللقاءات تخفي مفاجآت دون فائدة. أما لو توجهنا بنظرة متأنية، نحو الروابط الباطنية لاستشعرنا، بأننا لسنا موجودين هنا بمحض الصدفة، بل و كأننا نعيش وقائع مقدرة من قبل.

علاج النفس، الفصل الثالث: التوحيد و طريق الوسطية، التوحيد: مثال النمـل


  

التوحيد: مثال النمل

   
    حديثا عندما لاحظ علماء منملة (قرية النمل)، إكتشفوا أن 70% من النمل لا يعملون و لا يعيشون، إلاّ من أجل الحفاظ على المنملة: يقومون بجمع الحبوب، و يلقون الفضلات، و يزرعون الفطر لتغذية اليرقات. 20% من النمل تحرس مداخل و مخارج المنملة، و يحمونها  من أي عدو محتمل. و لكن يبقى فهم دور الـ 10% المتبقية. لاحظ العلماء أنها تشوش على تنظيم المنملة. و ليس لديها الحس العملي و التربوي، و رغم ذلك كانت تطعم من طرف بقية النمل. قام الباحثون بتحديدها و تعيينها ثم عزلوها عن المنملة. فلاحظوا أن هذه الأخيرة اضطربت كلية. في ظرف مدة، تفاجأ العلماء بإعادة المنملة الـ 10% المشوشة إلى مكانها. واستؤنف العمل عاديا . أعيدت التجربة عدة مرات، و في كل مرة لوحظت نفس الظاهرة. فما هي النتائج التي يمكن أن نستخلصها؟ 

    عالمنا مثل المنملة، مهيأ من هذا المنظور، بحيث كل شيئ، موجود ليعيش و يؤمن عيش الآخر. يمكن أن يبين لنا مبدأ التوحيد أكثر هذه الحقيقة الشاملة، التي لا نستطيع أن نقدم أحكاما تقويمية مهمة عنها، و التي يتعايش فيها، كل من الخير والشر، العالم و الجاهل، الهين و القاسي، الظالم و المظلوم، ليس كحقائق متناقضة و مطلقة، بل كحقائق متممة و نسبية... 

    يوجد مثال آخر، و هو لهذا العالم الذي برهن أن طيران فراشة بالصين يمكن أن يخلق على مستوى الضغط الجوي، إضطرابات على السواحل الأمريكية، و جزر الكراييب. هناك تشابك بين حقائق الظواهر، إذ أي تأثير على واحدة منها يسبب ردود لا تعقل و مفاجئة على كل البقية. لم نكتشف بعد كل شيء. فحيرتنا تزداد بقدر ما تزداد الإكتشافات. كثيرا ما نظن أن الأمر يتعلق بمحض الصدفة، أم بمجرد السببية، و لكن إذا نظرنا إلى تعدد المظاهر فإننا مجبرين على الإعتراف أن وراء كل هذا يوجد نظام، و ذكاء. حول هذه النقطة كتب الشيخ العلاوي في مفتاح الشهود:
    "جاءت الأشياء من حضرة العلم، و العلم متصف بالقدم، و من العجب أن يسمى هذا المقام بالعدم فانحصار الأشياء في سابق العلم، يشعر به كل من له أدنى فهم".